عام

مرات ابني الاخير

كنت بسمعه وأنا مش قادرة أرد. لأول مرة أسمع ابني بيجمع كل تصرفاتي قدامي بالشكل ده، وبدل ما أشوف كل موقف لوحده وأقول إنه حاجة بسيطة، بدأت أفهم إن الحاجات الصغيرة دي اتجمعت فوق بعضها.

لكن كبريائي منعني أعترف بسهولة، فقلتله: «يعني هي اشتكتلك مني؟ وبدل ما تقولها تحترم وجودي، جاي تلومني أنا؟»

هز راسه وقال: «لأ يا أمي، ودي أكتر حاجة وجعتني. هي مقلتش عليكي كلمة وحشة، بالعكس، كل ما أسألها مالك، تقوللي: ماما جاية تساعدنا، وأنا مش عايزة أزعلها. بس أنا شوفتها امبارح وهي بتكلم أمها في التليفون وبتعيط، وسمعتها بتقول إنها مش عارفة ترتاح في بيتها، وإنها بقت خايفة تتحرك أو تتكلم علشان محدش يفهمها غلط.»

حسيت إن الكلام دخل قلبي زي السكينة. مش علشان ابني واجهني بس، لكن علشان افتكرت كل مرة كنت بقول فيها لنفسي إن مرات ابني مش مقدرة تعبي، من غير ما أفكر هي نفسها كانت حاسة بإيه.

أحمد كمل كلامه وقال: «يا أمي، أنا غلطان زيك. أنا كنت شايف إنها تعبانة، لكن بدل ما أساعدها وأتكلم معاكي بهدوء من الأول، فضلت ساكت علشان مفيش حد يزعل. وفي الآخر إنتِ زعلتي، وهي تعبت أكتر، وأنا سيبت المشكلة تكبر بينكم.»

سكت شوية، وبعدين قاللي: «أنا مش عايزك تبطلي تيجي، ولا عايزها تحس إنها لازم تستحمل فوق طاقتها علشان ترضيكي. أنا عايزكوا تحبوا بعض بجد، مش كل واحدة فيكوا تفضل ساكتة ومستنية التانية تفهمها لوحدها.»

وقفت وأنا ماسكة شنطتي، وحسيت إني مش عارفة أعمل إيه. كنت لسه زعلانة، ولسه جوايا إحساس إني اتجرحت، لكن في نفس الوقت بدأت أفهم إن أنا كمان جرحتها، حتى لو مكنش قصدي.

بصيتله وقلت: «طب ما هي كمان قالتلي كلام وجعني! لما قالتلي أروح بيتي وأسيبها تعيش براحتها، دي كلمة سهلة؟»

قاللي بهدوء: «عندك حق يا أمي، الكلمة وجعتك، وكان المفروض تقولها بطريقة أحسن. بس هي قالتها وهي منهكة، وإنتِ قلتي إنك مش هتدخلي بيتي تاني وإنتِ غضبانة. لو كل واحد فينا رد على الوجع بوجع أكبر، هنفضل نخسر بعض لحد ما نبقى غرب عن بعض فعلًا.»

الكلمة دي خلتني أبص للأرض. أنا كنت مستنية ابني يثبتلي إنه واقف في صفي، لكنه لأول مرة خلاني أفكر إن مش لازم يكون فيه طرف يكسب وطرف يخسر في كل خلاف.

وفجأة سمعت صوت مرات ابني من ورايا.

كانت واقفة عند باب الشقة، وشكلها مرهق، والبيبي في حضنها. بصتلي وقالت بصوت واطي: «يا طنط، أنا آسفة على الكلام اللي قلته لحضرتك. والله ما كان قصدي أطردك من بيتك، بس أنا بقالي أيام مش بنام كويس، والبيبي بيرضع كتير، والعيال محتاجاني، وأنا ساعات ببقى مش قادرة حتى أتكلم. ولما حسيت إني مش عارفة أرتاح من غير ما حد يزعل مني، انفجرت وقلت كلام مكنش المفروض أقوله.»

كنت عايزة أقولها إن هي كمان غلطانة، وإن أنا اتجرحت، لكن أول ما بصيت في وشها شفت التعب اللي كنت بتجاهله. وشفت بنت لسه والدة من شهر، بتحاول ترعى تلات أطفال، وفي نفس الوقت خايفة تزعل حماتها.

قلت لها: «وأنا كمان آسفة يا بنتي. أنا جيت وأنا فاكرة إن المساعدة معناها إني أقولك تعملي إيه، وأصلحلك كل حاجة شايفاها غلط. لكن مكنتش واخدة بالي إنك محتاجة حد يخفف عنك، مش حد يحسسك إنك مقصرة طول الوقت.»

عينيها دمعت، وقالتلي: «أنا عمري ما كرهت وجود حضرتك، بالعكس، كنت بتمنى لما تيجي أحس إني في أمان، وأقدر أسيب البيبي شوية وأرتاح، من غير ما أفضل قلقة إن حضرتك زعلانة مني.»

الجملة دي وجعتني أكتر من أي عتاب. أنا كنت فاكرة إن الحب معناه إن الشخص يفضل قاعد معايا، ويحكيلي، ويضحك في وشي، لكن فهمت إن ساعات الحب الحقيقي بيكون إنك تسيب للي قدامك مساحة يتنفس فيها، من غير ما يضطر يثبتلك كل شوية إنه بيحبك.

حطيت الشنطة على الأرض، وقربت منها وقلت: «خلاص يا بنتي، مش هنفتح اللي فات تاني. بس عايزاكي تعرفي إنك مش مطالبة تضحكي وتقعدي معايا وإنتِ تعبانة، ولا تعملي أكل علشان ترضيني، ولا تخافي تقوليلي إنك محتاجة ترتاحي. البيت بيتك، وأنا مش جاية أحاسبك فيه.»

وبعدين بصيت لأحمد وقلتله: «وإنت كمان يا أستاذ، متفتكرش إن الصلح بالكلام وبس. مراتك محتاجة ترتاح فعلًا، مش كل الحمل يبقى عليها وإحنا نقعد نتكلم عن تعبها!»

أحمد ضحك لأول مرة من ساعة ما خرجت بالشنطة، وقال: «حاضر يا أمي، أنا من بكرة هوصل بنتي الحضانة، وهشيل مسؤولية العيال مع مراتي. ومش هستنى لما حد فيكم يزعل علشان أتحرك.»

أما أنا، فقررت أغير طريقتي. بدل ما أدخل المطبخ وأبدأ أقول لمرات ابني تعمل إيه، بقيت أسألها الأول: «تحبي أساعدك في إيه يا بنتي؟» ولو قالتلي إنها محتاجة تنام شوية، كنت أخلي العيال يلعبوا معايا في الصالة، وأسيبها ترتاح من غير ما أروح أصحيها كل شوية علشان تقعد معانا.

وبقيت لما أزورها، أتصل بيها قبل ما أروح، وأتفق معاها على الوقت اللي يناسبها. ولما كنت أشوف حاجة في البيت مش عاجباني، بقيت أسأل نفسي: هل الموضوع فعلًا محتاج تدخلي، ولا دي مجرد طريقة مختلفة عن طريقتي؟

ومع الأيام، بدأت علاقتنا تتحسن. مش معنى كده إننا مبقيناش نختلف أبدًا، لكن بقينا نعرف نتكلم من غير ما كل خلاف يتحول لمعركة، وبقينا نفهم إن كل واحدة فينا ممكن تكون عندها وجهة نظر مختلفة من غير ما ده يقلل من حبها للتانية.

وفي يوم، بعد فترة، رحت أزورهم، ولقيت مرات ابني قاعدة في الصالة والبيبي نايم في حضنها. أول ما شافتني ابتسمت وقالتلي: «تعالي يا طنط، اقعدي جنبي شوية، أنا كنت عايزة أحكيلك حاجة.»

قعدت جنبها، وبعد شوية ادتني البيبي وقالتلي: «خديه يا ماما، أنا هعملنا شاي وأرجع.»

بصيتلها باستغراب، وقلبي فرح من الكلمة اللي قالتها من غير ما تطلب منها. المرة دي هي اللي اختارت تقرب مني، من غير ضغط ولا عتاب ولا إحساس إنها مجبرة تراضيني.

مسكت حفيدي، وبصيت لوشه الصغير، وافتكرت اليوم اللي كنت ماشية فيه من بيت ابني وأنا مقررة إني مش هرجعله تاني. يومها كنت فاكرة إن كرامتي معناها إني أمشي ومبصش ورايا، لكن اكتشفت إن ساعات الشجاعة الحقيقية إننا نراجع نفسنا، ونعترف بغلطنا، ونحافظ على اللي بنحبهم بدل ما نخسرهم بسبب العند.

ومن يومها فهمت إن البيت مش محتاج حد يثبت إنه صح طول الوقت، البيت محتاج ناس تعرف تسمع بعض، وتحترم تعب بعض، وتفهم إن المساعدة من غير مراعاة ممكن تتحول لضغط، وإن الحب من غير احترام للمساحة الشخصية ممكن يخنق أقرب الناس لينا.

والسؤال بقى: لو كنتوا مكاني، كنتوا هتقدروا تعترفوا بغلطكم وتصلحوا العلاقة، ولا كنتوا هتعتبروا إن الاعتذار تقليل من الكرامة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى