
الجزء الثالث بص محمود للورق بإيدين بتترتعش، والعكازين وقعوا جنبه على الأرض من كتر الصدمة.. كان بيبص في العقود والشهادات الرسمية اللي مطلعها خالي الحاج عبد الرحمن، وكل حرف فيها كان عبارة عن صفحة سودا بتتكشف قدامه من عمايل أمه. عيونه اتملت دموع القهر والوجع، وقال بصوت مهزوز مكسور:
للدرجادي يا خالي؟ للدرجادي أمي اللي ربتنا وسهرت عليّ وعلى مرضي.. تبيعني أنا وعيالي عشان خاطر أختي وبس؟! تسرق حقي وحق أبويا الله يرحمه وتكتبه باسم ريهام عشان تتباهى بيه قدام الناس، وتخليني أنا قاعد مش قادر أدفع مصاريف علاجي ومراتي وعيالي مهانين في كل مكان؟!
خالي عبد الرحمن اتنهد بحرقة، وحط إيده الطاهرة الحنونة على كتف محمود وقاله بنبرة صارمة بس مليانة حنية:
الحق مر يا ابني، وأمك من سنين وهي ماشية في سكة الطمع والغور ورا كلام ناس ما تتقالش، كانت خايفة إنك لو أخدت حقك، أختك ريهام تطلع خسرانة حاجة.. بس نسيت إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب، وإن ربنامهما طال الزمن بيظهر الحق. الورق ده اللي في إيدي مش بس بيثبت ملكيتكم للعمارة وللشقة دي.. ده بيثبت كمان إن كل الأموال والمحلات اللي أبوكم سابها وتم الاستيلاء عليها بطرق التزوير القديمة.. تحت إيدينا نسجن بيه اللي عمل كده، حتى لو كانت أمك!
قلبي دق بسرعة، وبصيت لخالي وأنا خايفة وقبل ما أنطق بحرف، محمود رفع راسه وبص لخالي بنبرة حازمة وقاطعة:
تسجن أمي يا خالي؟! لا.. مهما عملت ومهما باعتنا وظلمتني أنا ومراتي وعيالي، أنا مستحيل أدخل أمي السجن أو أخلي الناس تاكل وشنا.. بس في نفس الوقت، أنا مش هسيب حقي ولا هقبل إن كرامتي وكرامة مراتي تتهان تاني!
خالي هز راسه باحترام وقال:
وعلشان كده أنا معاك يا محمود.. أنا مجتش أهدم بيتكم، أنا جيت أبني قواعد الحق اللي اتدمرت من سنين، وعشان أعرفهم إن الله حق، وإن نجلاء اللي دخلت بيتكم صاونة العيش والملح ومقصرتش، هي اللي هتاخد مكانها الحقيقي على رأس البيت ده كله!
وفي اللحظة دي، وفجأة، وبدون مقدمات.. سمعنا صوت خبط هستيرية على الباب، وصويت وعياط جاي من بره.. ريهام وحماتي كانوا رجعوا تاني وواقفين بره باب الشقة وبيخبطوا بجنون وبيصرخوا بصوت عالي:
يا محمود افتح والنبي! يا خالي عبد الرحمن افتحوا واسمعونا! الدنيا اتخربت وفضيحتنا بقت بجلاجل.. افتحوا أبوس إيدكم!
محمود بص للباب نظرة طويلة كلها عزة نفس، وبعدين بص لخالي وقال بصوت قوي وثابت:
افتح يا خالي.. خليهم يدخلوا يشوفوا بنفسهم إن الطمع ما بيبنيش بيوت، وإن اللى باعنا عشان المظاهر، جه الوقت اللي يدفع فيه التمن غالي قوي.
خالي قام بخطوات واسعة وفتح باب الشقة.. وفجأة دخلت حماتي وريهام زي الهاربين من كارثة، وكان منظرهم يقطع القلب من كتر الرعب والتوتر.. حماتي أول ما دخلت وقعت على ركبها قدام رجلين محمود وصطخت بعياط هستيري وقالت:
سامحني يا ابني! أبوس إيدك سامحني يا محمود.. والله الشيطان ضحك عليا، وريهام كانت معيشاني في وهم إنها لازم تتجوز في مستوى كبير عشان الناس ما تضحكش علينا، وأنا ضعفت وكتبت لها كل حاجة.. بس متخربش بيتي ولا تفضحنا قدام الناس وفرحها كمان شهر!
ريهام كانت واقفة في جنب بتعيط بصوت عالي ومنهارة، وشعرها منكوش، وبصتلي أنا ومحمود وقالت وهي بتترعش:
أنا آسفة يا نجلاء.. والله آسفة.. متدمرش فرحي يا أخويا.. لو العقود دي اتسجلت أو اتقدمت للجهات المعنية، خطيبي وأهله هيسيبوني وهيبعتوا ورقة الطلاق قبل الفرح ما يبدأ، والناس كلها هتاكل وشنا!
محمود قام وقف على عكازينه بثبات غريب، رغم وجع رجله، وبص لأخته وأمه بنظرة كلها كبرياء ووجع وقال بصوت عالي هز أركان الشقة:
فرحك؟! هو إنتي لسه فكراني وفكرتي في فرحك وإنتي بتكسري قلب مراتي وعيالي وبتعايريني برجلي المكسورة وبتقولي لنجلاء “إنتي وعيالك متجيش عشان منظرك يكسفني قدام أهل جوزي”؟! إنتي نسيتي مين اللي كان بيساعدك في جهازك من الصبح ومسح دموعك في كل مشكلة عدت عليكي؟! ولا عشان فلوس أبويا اللي سرقتوها هي اللي عاملاكي بني أدمة قدام الناس؟
حماتي فضلت تعيط وتلطم على وشها وتقول:
خلاص يا محمود اللي تأمر بيه هيتنفذ.. الشقة بتاعتك، والعمارة بتاعتك، وريهام هتكتب لك كل التنازلات اللي تعوزها، بس استر علينا وقول لخالك ينزل الورق ده من إيده!
خالي عبد الرحمن تقدم خطوات وبص لهم بنظرة حادة وقال بصوت وقور:
التنازلات مش كفاية يا ست الكل.. الشروط الجديدة هتمشي على الكل بالقرارات القانونية الصح، والشقة دي وأملاك أبوهم هترجع لتسجيلها الحقيقي، وفرح ريهام مش هيتم غير بشروط واضحة وصريحة: أولاً، ريهام تروح بنفسها لحد بيت نجلاء ومحمود، وتعتذر لهم قدام عيلتنا كلها على كل كلمة إهانة طلعت منها ومن أمها.. وثانياً، محمود ومراته وعياله هم اللي هيقودوا الفرح وهم اللي هيكونوا أصحاب البيت والكلمة الأولى والأخيرة فيه.. غير كده.. الورق ده كله هيتسلم للنيابة وبكرة الصبح يكون عند المحامي!
ريهام بصت لأمها بذهول وصدمة، وحماتي رفعت راسها وبعينين مليانة دموع وقهر، بصت لمحمود وبصتلي.. محمود بص لينا أنا وخالي، وجهه كان بيلمع بالنصر والعزة والكرامة اللي رجعت له بعد سنين من الذل.
قربت من محمود، ومسكت إيده بثبات وقوة، وقلت بصوت هادئ ومسموع للكل:
أنا مش عايزة أذى لحد يا خالي.. ولا عايزة أكسر فرح بنت عمي.. بس اللي يغلط في كرامتنا، لازم يعرف إن كرامة بيتنا خط أحمر لا يمكن تجاوزه أبدًا.
حماتي نزلت راسها في الأرض وقالت بصوت مكسور:
موافقين.. موافقين على كل شرط تقولوه.. بس المهم تستروا علينا وما تفضحوناش!
الجزء الرابع (قبل الأخير)
الصمت كان خانق في الصالة، وكل واحد فينا حاسس بثقل اللحظة دي.. ريهام كانت واقفة وعنيها غرقانة دموع، وحماتي قاعدة على الكرسي مكسورة ومنهارة، حاسة إن كل طمعها وسنين الكذب بتتهد قدام عينيها في ثواني. محمود كان واقف على عكازينه بثبات، عيونه فيها نظرة انتصار بس مش شفاء غليل، دي نظرة إنسان رجع له حقه وكرامته بعد سنين من الظلم والوجع.
خالي عبد الرحمن كسر الصمت ده بانه قفل الظرف اللي فيه العقود وحطه قدامه على الطابلوه وقال بنبرة قازمة وحاسمة:
يبقى على خير إن شاء الله.. الشروط تتنفذ بالحرف الواحد. بكرة الصبح، ريهام تروح بنفسها لحد بيت أخوها ومرات أخوها، وتعتذر قدام الكل، وعقود التنازل الحقيقية تتكتب وتسجل في الشهر العقاري، وبعدها نفتح صفحة جديدة بشرط واحد: إن مفيش حد يتدخل في حياة محمود ونجلاء تاني أبدا، ولا حد يعاير حد بظروف ولا بفلوس.
حماتي هزت راسها باهتزازة ضعيفة وقالت بصوت مكسور:
حاضر يا خويا.. اللي تشوفه هنعمله، المهم تسترنا وماتدمرش بنتدي قبل فرحها.
ريهام ماقدرتش تنطق بحرف واحد، كانت حاسة إن الأرض بتلف بيها، وإن الغرور والكبر اللي كانت متأسسة عليه إتكسر حتت صغيرة قدام عزة نفس أخوها ومراته اللي هانتهم لحد ما وصلوا للموقف ده. مشيوا خالي وحماتي وريهام من الشقة وهم بجروا أذيال الخيبة والكسرة، وفضلنا أنا ومحمود لوحدنا في الصالة.
قربت من محمود، ومسكت إيده اللي كانت بتترعش شوية من كتر الانفعال، وقعدت جنبه على الكنبة، وبصيت في عيونه وقلت بابتسامة دافية:
حمد لله على سلامة حقك وكرامتك يا محمود.. ربنا ما يكسرك أبداً ولا يورينا يوم وحش تاني.
محمود بصلي بعيون مليانة امتنان وحب عميق، وشد على إيدي وقال بصوت دافئ:
بفضلك إنتي يا نجلاء.. إنتي اللي استحملتي معايا كل المرار ده، وعمرك ما باعتيني ولا كسرتيني، واليوم ده جه عشان يثبت للكل إن الكرامة أغلى من أي فلوس وأي مظاهر كدابة.
تاني يوم الصبح بدري، قبل ما الشمس تطلع كويس، لقينا خبطة على الباب.. فتحت لقيت ريهام وحماتي واقفين، وراهم عيلة العريس وبعض الأقارب اللي جم معاه! ريهام كانت ماسكة دموعها بالعافية، وبصتلي أنا ومحمود اللي قاعد على عكازينه، وقبل ما أي حد ينطق، ريهام وطت على إيدي وبأدب مكسور قالت:
حقك عليا يا نجلاء.. أنا آسفة على كل كلمة قلتها وجرحتك بيها، وآسفة إني هنتك إنتي وولادك.. أرجوكِ سامحيني عشان نقدر نكمل الفرح وتبقي معانا مش برانا.
حماتي بصتلي وقالت بصوت مكسور:
حقك علينا كلنا يا بنتي.. احنا اللي غلطنا، وربنا جاب حقك لحد عندك.



