روايات وقصص

سلفتي سكر حكايات روماني مكرم 1

جلست مع ابنة سعاد الكبيرة—وكانت صبية عاقلة وذكية—في الشقة بالأسفل بعدما نام الجميع. كانت البنت تبكي على أمها التي رفضت الأكل والشرب وأغلقت على نفسها. قالت لي البنت وهي تمسح دموعها: “يا مرت عمي، أمي مظلومة. أنا كنت معاها في المطبخ لما كانت نرمين بتتحرك حوالين التلاجة قبل ما تصرخ بساعة. نرمين دخلت بحجة إنها بتشرب مية، وكانت واقفة عند التلاجة ومدت إيدها لجيب روبها وأنا شفتها بعيني بس ما حطيتش في بالي إنها بتعمل مصيبة!”

قفزت من مكاني وقلت لها: “أنتِ شفتيها يا بنتي؟”

ردت البنت: “أيوة، شفتها بتمد إيدها ورا المنظمات، ولما بصيت لها ارتبكت وقالتلي: ‘هو أنتوا حاطين المربى فين؟’ وسابت المطبخ وخرجت بسرعة.”

هنا أضاءت الشرارة في عقلي. الحق لا بد أن يظهر، والسكر الذي حلا حياتنا لا يجوز أن يتدنس بمرارة الغل. لكني كنت أعلم أن الكلام الشفهي لن يقنع شريف الذي أعمته نرمين. كان لا بد من دليل قاطع يقطع دابر هذه الفتنة من جذورها.

تذكرت شيئاً هاماً للغاية! حمايا، خوفاً على البيت وعلى مدخل العمارة والمطبخ الخارجي المطل على السلم، كان قد ترك كاميرا مراقبة صغيرة كان ابن عمي قد ركبها له فوق زاوية السقف القريبة من باب المطبخ لتأمين الشقة بعد حادثة سرقة قديمة في الشارع. لم يكن أحد يتذكر وجود هذه الكاميرا لأنها كانت صغيرة ومغطاة بفرع ديكور بلاستيكي زاهي، حتى نرمين نفسها لم تكن تعلم بوجودها!

ركضت فوراً إلى حمايا في ساعة متأخرة من الليل. وجدته قاعداً على سجادة الصلاة يدعو الله أن يظهر الحق ويؤلف بين القلوب. جلست عند قدميه وقلت له بنبرة محترقة: “يا عمي، سعاد مظلومة، والبيت ده هيتخرب لو سكتنا. افتكر معايا.. الكاميرا اللي فوق باب المطبخ الشغالة على تليفونك.. هي لسة شغال؟”

رفع حمايا رأسه وفجأة أضاءت في عينيه أمل حذر. مسك هاتفه بيدين ترتجفان، وظل يفتح التطبيق الخاص بالكاميرا المربوطة بالذاكرة الداخلية. كنا نقتطع الثواني والدقائق والوقت يمر كأنه دهر. فتح حمايا تسجيلات اليوم، وبدأنا نرجع الشريط إلى الساعة التي سبقت الصراخ.

وهناك.. ظهرت الحقيقة كاملة في مقطع فيديو واضح كالشمس!

ظهرت نرمين وهي تتسلل إلى المطبخ بخطوات خفيفة كالثعلب، تنظر حولها يميناً وشمالاً للتأكد من خلو المكان. أخرجت الغويشة الذهب من جيب روبها الداخلي، ودسّتها بانتفاء ودقة خلف منظمات الثلاجة التي وضعناها بحب، ثم نظرت إلى المكان برضا خبيث، وخرجت مسرعة لتستعد لإطلاق مسرحيتها الحقيرة أمام الجميع!

أجهش حمايا بالبكاء من هول ما رأى، ليس فقط فرحاً ببراءة سعاد، بل صدمة من حجم الغل والشر الذي دخل بيته في جلباب عروس جديدة. قال بصوت يرتجف من الغضب: “الله أكبر.. ظهر الحق وزهق الباطل. تعالي معايا يا بنتي.”

في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق الشمس بضيائها الكامل، أمر حمايا بجمع العيلة كلها في الصالة الكبيرة. أرسل في طلب شريف ونرمين للنزول فوراً، ودعا سلفي الكبير وسعاد لتخرج من غرفتها. خرجت سعاد ووجهها شاحب، والدموع جفت على خديها، لكنها كانت تضع شالها على رأسها بعزة نفس وكبرياء.

جلس شريف بدلف وجفاوة، ونرمين بجانبه تتصنع الحزن والكسرة وتلعب بالغويشة في يدها. قال شريف بقلة صبر: “خير يا أبا؟ جمعنا على الصبح ليه؟ الموضوع وانتهى والدهب اتقبض عليه!”

وقف حمايا، ولم يقل كلمة واحدة. أخذ هاتفه المحمول، وربطه بشاشة التلفزيون الكبيرة في منتصف الصالة، وأعرض الفيديو أمام أعين الجميع.

انكشفت الشاشة، وظهر المطبخ.. وظهرت نرمين!

رأى الجميع—شريف، وسلفي الكبير، وسعاد، وأنا، والجميع—كيف أخرجت نرمين الغويشة من جيبها وكيف خبأتها بنفسها وراء منظمات الثلاجة، ثم كيف اصطنعت الخوف والدموع.

ساد القاعة صمت كصمت القبور.

نرمين تحول وجهها في ثوانٍ من اللون الأبيض إلى اللون الأصفر ثم الأسود، وتجمدت حركتها كأنها ضُرِبت بالكهرباء. الغويشة سقطت من يدها على السجادة بصوت رنان. أما شريف، فبدأت عيناه تتسعان بالهول والصدمة، ينظر إلى الشاشة ثم ينظر إلى زوجته التي وثق بها وباع لأجلها أهله وأخاه وسعاد.

قام شريف من مكانه كالكهرباء، ونظر إلى نرمين بنظرة مليئة بالاحتقار والذهول، وقال بصوت يرتجف: “أنتِ.. أنتِ تعملي كدة؟ تتبلي على مرات أخويا وتوسخي سمعة البيت عشان غلك وغيرتك؟”

بدأت نرمين تتلعثم وتصرخ بالبكاء الهستيري: “يا شريف أفهمك.. والله كنت بحس إنهم بيكرهوني.. كانوا بيعاملوني بقلة قيمة وسعاد مسيطرة..”

لم يدعها حمايا تكمل. وقف بعنف وقال بصوت هز أركان البيت: “اسكتي خالص! أنتِ دخلتي البيت ده بالخير والأصول، لكن طلعتي أفعى عاوزة تبخي سمك في السمن والعسل اللي كنا عايشين فيه! البيت ده الشريف المليان بالحب والعمار ما يشيلش واحدة خاينة ومفتريّة زيك!”

التفت شريف إلى سعاد، وجثا على ركبتيه أمامها وهو يبكي بدموع الندم والتقصير، ويداه ترتجفان: “سامحيني يا سعاد.. سامحيني يا أختي الكبيرة.. الشيطان أعمى عيني وصدقت الفتنة.. اركبي على راسي وحقك عليا قدام الكل!”

سعاد، التي كانت تحمل قلباً كالصفاء، نظرت إلى شريف، ثم نظرت إلى نرمين المنهارة، والدموع انهمرت من عينيها مجدداً، لكن هذه المرة كانت دموع الارتياح ورد الاعتبار. رفعت شريف من الأرض وقالت له بقلب الأم والأخت: “مسامحاك يا شريف.. أنت ابن البيت ده ومتربي فيه، بس اعرف إن الظلم ظلمات، وإن الفرفشة والضحك اللي كنا بنضحكهم كانوا بصفاء نية، مش بتغفيل لحد.”

أما نرمين، فقد صدر القرار الحاسم بشأنها في نفس اللحظة؛ أخذها شريف من يدها وردها إلى بيت أهلها مجرورة بالخيبة والعار، معلنين أن هذا البيت لا يدخله إلا صاحب النية الطيبة والقلب النظيف.

وبعد أيام قليلة، وبعدما زالت الغمة وتطهرت النفوس من السموم، رجع الهدوء لبيتنا. اجتمعنا كلنا في المطبخ من جديد حول التلاجة الكبيرة. أخرجت سعاد من جيبها زغرودة رجت حوائط الشارع كله: “لولولولولولولولولوي! ربنا يكفينا شر النفوس الخبيثة ويجعل بيتنا ديماً عامر بالضحك واللمة الحلوة!”

ضحك الجميع من قلوبهم، وعادت البهجة تملأ أركان البيت، وأيقن الجميع أن السكر الفرفوش لا يمكن لمرارة الغل أن تفسده، وأن الحق مهما أظلمت عليه الأيام، لا بد أن يشرق بنوره ليحمي القلوب الصافية.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى