روايات وقصص

خلفه صبيان امانى السيد

وقفت مبرقة ومش مصدقة، حامد جوزي وسندي بيقف ضدي بالشكل ده عشان خاطرها! بصيت في عينه وحسيت بوجع في قلبي ميتوصفش، إهانة دمرت كل ذرة حب أو عشرة كانت باقية له جوايا.

خرجوا وسابوني مرمية في الأوضة، وشي محروق بالدموع، وجسمي كله بيترعش من الصدمة والقهر.. قعدت ثواني أستوعب اللي وصلناله، وبدل ما أنكسر، حسيت بنار باردة بتسري في عروقي، وعرفت إن نورة الغلبانة اللي بتوطي راسها وتعدي ماتت في اللحظة دي. قمت وقفت، مسحت دموعي بإيدي، وبصيت في المراية.. عيني كانت بتلمع بقوة عمري ما حسيتها قبل كده، وقررت إن خلاص، حبل الصبر اتقطع، والبيت ده مش هيكمل بالطريقة دي أبداً.

غسلت وشي ونزلت على السلم بخطوات هادية وثابتة، عكس البركان اللي كان بيغلي جوايا. نزلت لقيت حماتي وسلايفي قاعدين في الصالة الكبيرة، وتوحيدة متصدرة الكنبة زي الملكة المتوجة، فاردة رجليها وحاطة رجل على رجل، وأول ما شافتني نازلة ضحكت باستهزاء وقالت بصوت عالي:
— أهو، ما يجيش إلا بالعين الحمرا.. يلا يا نورة، خلصي اللي وراكي عشان عايزة أخرج.

حماتي بصتلي وسكتت، وسلايفي عيونهم كانت مليانة شفقة وقهر عليا. أنا ماردتش ولا بكلمة، مشيت بهدوء ناحية المطبخ، جبت الطشت ومليته ماية دافية وحطيت فيه الملح والخل، وشيلته وخرجت بيه للصالة. حطيت الطشت قدام رجليها على الأرض، ونزلت على ركبي قدامها.

توحيدة ابتسمت بغرور ومطت شفايفها، ونزلت رجلها عشان تحطها في الطشت، وفي اللحظة دي.. قبل ما تلمس الماية، مسكت ايديها الثنين وقمت واقفة فجأة بسرعة، ورفعت الطشت ودلقت الماية بعيد عنها على الأرض، ووقفت قدامها بكل ثبات وقوة وقلت بصوت عالي سمّع الكل:
— اللعبة انتهت يا توحيدة! أنا مش خدامة عند حد، واللي عندك اعمليه!

الصوت اللي طلع مني هز أركان البيت، وتوحيدة قامت تقف بغضب وهي بتزعق:
— إنتي اتجننتي يا نورة؟! يا حامد تعال شوف مرتك عملت إيه!

في اللحظة دي، الباب الخارجي اترزع ودخل حامد وإخواته الاتنين، شافوا المنظر والصالة غرقانة ماية، وتوحيدة بتولول في الأرض.

حامد جرى عليا وعينه بتطق شرار، ورفع إيده وهو بيزعق:
— إنتي عملتي إيه يا فاجرة؟!

وقفت قدامه وما رمشتش، ونترت إيده بعيد عني، وصرخت في وشه قدام إخواته:
— إيدك متترفعش عليا تاني يا حامد! وانتو كلكم لازم تعرفوا الحقيقة.. توحيدة أصلاً ملهاش أي صلة دم بيكم، ولا هي بنت عمكم ولا من عيلتكم أصلاً! حماتكوا زمان بعد ما سلفتها ماتت وهي بتولد، خدت البت ربتها ونسبتها لعمكم غصب عن الأصول والشرع.. وتوحيدة لما كبرت عرفت الحقيقة وبقت تلوّع دراع أمك وحامد عشان تنفذوا كل طلباتها!

حماتي حطت إيديها على وشها وفضلت تعيط بحرقة وهي بتقول:
— استري عليا يا نورة.. استري عليا الله يسترك!

بصيت لحامد اللي كان واقف مذهول ومكتف إيديه من هول الصدمة، وكملت كلامي:
— حامد كان بيكتبلها من ورثكم ومن ماله الخاص عشان يسكتها وماتفتحش بقها وتفضح السر! حامد باع كرامتي وخلاني خدامة لست غريبة مالهاش صفة في البيت!

إخوات حامد اتصدموا وبصوا لتوحيدة، وبصوا لحامد والشرار بيطلع من عيونهم:
— بقى تبيع كرامة مراتك وتستغفلنا السنين دي كلها عشان تداري على سر زي ده؟!

سيبتهم والنار قايدة بينهم، ودخلت أوضتي لميت هدومي في شنطة، وخرجت من باب البيت وأنا رافعة راسي لفوق، وسبت بيت حماتي كله غرقان في المشاكل والاعترافات.

نزلت الشارع وشنطة هدومي في إيدي، ركبت عربية ورحت على بيت أهلي، حكيت لأبوي كل حاجة، وقال بصوت قوي:
— كتر خيرك إنك صونتي بيتك كل ده، لكن عند كرامتك البيت ده يتهد وميلزمناش!

في بيت حامد، الدنيا كانت مقلوبة، وإخواته مسكوا في خناقه وطالبوا بحساب كل قرش وشبر أرض طلع لتوحيدة، واكتشفوا إن حامد كان كاتب ليها عقود وهمية من نصيبهم. المحامي أكد إن النسب مزور وإن توحيدة مالهاش أي صفة قانونية، والورق اللي كانت بتهددهم بيه انقلب ضدها.

توحيدة لقت نفسها معزولة ومحرومة من كل حاجة، وخوفها من المشاكل خلاها تلم شنطتها وتسيب البيت وتمشي.

أما حامد، فجالي بعد أسبوعين راكع قدام بيت أبويا يترجاني أسامحه ويرجعني، فبصيت له بنظرة برود تامة وقلتله:
— اللي يبيع كرامة مراته ميبقاش راجل يتأمن عليه يا حامد، والبحر اللي اتكسر بيننا عمري ما هعرف أعبره تاني.

طلبت الطلاق وأخدت كل حقوقي، وبدأت حياة جديدة وسط أهلي، وفتحت مشروع صغير خاص بيا، وسبت الماضي بكل ما فيه ورا ضهري.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى