
في الليلة اللي قبل حفلة خطوبتي، سمعت بالصدفة خطيبي بيتكلم في التليفون جوه سلم الطوارئ في الفندق.
قال بصوت واطي
استحملي شوية كمان. أول ما نكتب الكتاب، الشقة اللي بتطل على النيل بتاعتها هتبقى من حقنا إحنا الاتنين.
وبعد ست شهور، هطلقها.
الشخص اللي كان بيتكلم معاه في الناحية التانية من التليفون ماكانش غير حبيبته الأولى، اللي اختفت من حياته بقالها خمس سنين كاملة.
قبضت على قائمة الأكل اللي كانت في إيدي لدرجة إن الورقة اتكرمشت، وفضلت واقفة بره الباب لمدة عشر دقايق كاملة.
مافتحتش الباب.
ماواجهتوش.
وماطلعتش مني حتى نفس مسموع.
كل اللي عملته إني لفيت بهدوء ونزلت الدور اللي تحت، وبعدها بعت رسالة لراجل تاني.
آدم.
آخر تلميذ والدي قبله قبل ما يتوفى.
من خمس سنين، يوم ۏفاة أبويا، وفي وسط العزا، وقدام كل الناس، آدم قال جملة واحدة عمرها ما راحت من بالي
بنت أستاذي، طول عمري هفضل أحميها.
الساعة كانت واحدة بعد نص الليل.
عربية آدم وقفت قدام باب الفندق.
الموتور لسه شغال.
فتحت باب الكرسي اللي جنبه، وبصيت له مباشرة في عينيه.
وسألته
الوعد اللي إنت قطعته على نفسك يومها… لسه ينفع تنفذه دلوقتي؟
ما سألنيش إيه اللي حصل.
ولا استفسر عن سبب مكالمتي ليه في الوقت ده.
كل اللي قاله كلمتين
اركبي.
الورقة اللي كانت في إيدي اتكرمشت أكتر، لدرجة إن أطراف صوابعي سابت علامات واضحة عليها.
استحملي شوية كمان. أول ما نكتب الكتاب، الشقة اللي بتطل على النيل بتاعتها هتبقى من حقنا إحنا الاتنين.
وبعد ست شهور، هطلقها.
باب سلم الطوارئ كان موارب.
صوت خطيبي، حسام، كان واطي جدًا، لكنه رغم كده وصل لكل خلية في جسمي بوضوح.
أما الشخص اللي كان بيتكلم معاه، فماكنتش محتاجة أشوفه عشان أعرف هو مين.
دينا.
حبيبته الأولى اللي انقطعت أخبارها عنه لمدة خمس سنين.
وقفت ورا الباب، وأطراف صوابعي بقت ساقعة.
من عشر ثواني بس، كنت لسه بفكر بجدية إذا كان المفروض أضيف طبق سمك بالصلصة الحلوة والحامضة لكل ترابيزة في حفلة خطوبتنا بكرة، ولا أسيب قائمة الأكل زي ما هي.
لكن بعد عشر ثواني، اكتشفت إني كنت على وشك أسيب حد تاني يخطط لي نص عمري الجاي من ورا ضهري!
مافتحتش الباب ودخلت.
وماجريتش عليه عشان أواجهه وأسأله إزاي يقدر يعمل فيا كده.
كل اللي عملته إني لفيت ومشيت بهدوء ناحية السلم.
صوت كعب الجزمة كان بيتردد فوق أرضية الرخام.
كل ما كنت أعدي من مكان، أنوار الحركة كانت بتنور ورايا واحدة ورا التانية.
نور ورا نور.
كأن في حد بيولع
لي أنوار الطريق اللي هخرج منه من الجوازة اللي حتى ما بدأتش رسمي لسه.
الساعة كانت واحدة وثلاث دقايق بعد نص الليل.
عربية دفع رباعي سودا وقفت قدام المدخل الرئيسي للفندق.
باب السواق اتفتح.
ونزل منه راجل طويل وعريض الكتفين، ملامحه باين عليها التعب، وكأنه ساب شغله في موقع بناء وجري على هنا من غير ما ياخد حتى فرصة يغير هدومه.
كان لابس جاكيت أسود، وعلى بنطلونه لسه فيه آثار طين ناشف.
كان آدم.
لف حوالين العربية وفتح لي باب الكرسي اللي جنبه.
اركبي.
من غير ما يسألني عن السبب.
ومن غير ما يستفسر ليه اتصلت بيه في نص الليل وطلبت منه ييجي.
ركبت جنبه.
وأول ما الباب اتقفل، آدم سكت كام ثانية، وبعدها سألني
احكي لي. إيه اللي حصل؟
ماجاوبتوش.
طلعت موبايلي ومديتهوله.
كنت سجلت المكالمة وحفظتها.
على الشاشة ظهر رمز التشغيل المثلث.
ضغطت عليه بإيدي.
وفي اللحظة دي، صوت حسام المألوف ملأ العربية المقفولة.
استحملي شوية كمان. أول ما نكتب الكتاب، الشقة اللي بتطل على النيل بتاعتها هتبقى من حقنا إحنا الاتنين.
وبعد ست شهور، هطلقها.
العربية ڠرقت في صمت تام.
ثانية.
ثانيتين.
تلات ثواني.
إيد آدم كانت لسه على عجلة القيادة.
لكن مفاصل صوابعه بدأت تضغط عليها بقوة، لحد ما لونها بقى أبيض من شدة الضغط.
حسام؟
سألني بصوت هادي لدرجة إني ماقدرتش أحدد هو حاسس بإيه بالضبط.
هزيت راسي بهدوء.
خطيبي اللي المفروض أعمل حفلة خطوبتي عليه بكرة.
آدم ماقالش أي حاجة تانية.
لكن الغريب إن صمته خلاني أحس بالأمان أكتر من أي كلام مواساة ممكن أسمعه.
فضلنا قاعدين في العربية.
نور أعمدة الشوارع كان بيعدي من خلال الزجاج الأمامي، وينعكس على تابلوه العربية.
وكانت فيه ريحة بنزين خفيفة في الجو.
لفيت وشي وبصيت لآدم.
آدم.
فاكر الجملة اللي قلتها لي زمان؟
عينه استقرت على وشي.
ماحاولش يهرب بنظره.
كملت كلامي ببطء
يوم ۏفاة أبويا، في العزا، إنت قلت…
بنت أستاذي، أنا هفضل مسؤول عنها وهحميها طول عمري.
آدم بص لي مباشرة وقال
فاكر.
كلمة واحدة.
من غير تردد ولو للحظة.
ضممت صوابعي لبعض، وبصيت له في عينيه.
طيب، الوعد ده اللي إنت قطعته على نفسك…
لو طلبت منك تنفذه دلوقتي، لسه ينفع؟
آدم ماجاوبنيش على طول.
كل اللي عمله إنه مد إيده وشغّل العربية.
صوت الموتور العميق ملأ المكان وسط سكون الليل.
وبعدها سألني بصوته الهادي
إنتِ ناوية تعملي إيه؟
جاوبته بصراحة
لسه ماعرفش.
وبعد لحظة، كملت
بس أنا مش عايزة ألغي حفلة الخطوبة.
أنا عايزاه يقف قدام
كل الناس، ويعرف كويس هو غلط في حساباته قد إيه، وإن البنت اللي كان فاكر إنه يقدر يستغلها مش بالسهولة اللي متخيلها.
آدم سكت شوية، وبعدها قال
أنا أعرف محامية متخصصة في قضايا نزاعات الممتلكات الزوجية. اسمها منى، وعندها مكتب محاماة في غرب المدينة. بس في الوقت ده…
قاطعته بسرعة
ينفع نقابلها دلوقتي؟
آدم بص لي بطرف عينه.
هتصل بيها وأشوف.
ماحاولش يبعد عني عشان يتكلم في التليفون على انفراد.
طلع موبايله واتصل بيها قدامي، وشغّل مكبر الصوت.
التليفون رن تلات مرات بس، وبعدها المحامية ردت.
آدم؟ إنت عارف الساعة كام دلوقتي؟
كان صوت ست، وواضح إنها صاحية وفايقة تمامًا، ومش باين عليها إنها اتفاجئت بمكالمة في نص الليل.
آدم قال لها
يا منى، عندي قضية مستعجلة. ينفع نتقابل دلوقتي؟
سألته
قضية إيه؟
أخدت نفس عميق، وقررت أتكلم بنفسي.
الموضوع يخص خطيبي.
قبل حفلة خطوبتنا بيوم واحد، سمعته بيتكلم في التليفون مع حبيبته الأولى، وبيقول لها إنه أول ما نكتب الكتاب هيحاول يخلي الشقة بتاعتي تبقى ملكنا إحنا الاتنين، وبعد ست شهور هيطلقني.
سكت لحظة، وبعدها سألتها
أنا عايزة أعرف…
أعمل إيه عشان أضمن إنه ماياخدش مني ولا جنيه واحد؟
الطرف التاني سكت لمدة تلات ثواني بالضبط.
وبعدها منى قالت كلمتين
الموضوع مثير للاهتمام.
وبنبرة حاسمة، كملت
تعالوا. أنا هستناكم في المكتب. آدم، إنت عارف العنوان، صح؟
رد آدم
عارفه.
وقفل المكالمة، وبعدها لف ناحيتي وقال
يلا بينا.
العربية اتحركت ببطء وخرجت من جراج الفندق.
أنوار الشوارع بدأت تتراجع واحدة ورا التانية، لحد ما اختفت ورانا وسط ضلمة الليل.
سندت ضهري على الكرسي.
وفي اللحظة دي، الموبايل اهتز في إيدي.
الشاشة نورت.
كانت رسالة على وي تشات من حسام.
يا نادين، خلصتي مراجعة قائمة الأكل؟
ارجعي الفندق وارتاحي بدري. بكرة لازم تكوني أجمل واحدة في الدنيا.
فضلت باصة للرسالتين لمدة خمس ثواني.
آدم لمح الشاشة، وبعدين بص لي وسألني
تحبي أرد عليه أنا؟
هزيت راسي.
مش لازم.
وقلبت الموبايل على وشه، وحطيته بعيد عني.
سيبيه مبسوط بزيادة الليلة دي.
لما وصلنا تحت المبنى اللي فيه مكتب المحاماة، كانت منى واقفة مستنيانا بالفعل.
كانت لابسة بلوفر صوف رمادي، وشعرها ملموم لورا بطريقة بسيطة، وملامحها بتدي انطباع إنها شخصية عملية وحادة الذكاء.
أول ما شافتنا، قالت
اطلعوا فوق ونتكلم هناك.
طلعت بينا السلم، وفتحت باب المكتب، وشغلت الأنوار، وبعدها أشارت ناحية الكنبة.
اتفضلوا اقعدوا.
احكي
لي كل حاجة من الأول.
ماحاولتش ألف وأدور.
فتحت التسجيل على الموبايل وشغلته لها من البداية للنهاية.
منى سمعت المكالمة كلها باهتمام.
ماعلقتش فورًا، لكنها بدأت
تسألني أسئلة مباشرة.
الشقة دي إنتِ اللي اشتريتيها بنفسك؟
جاوبتها
لا، دي شقة أبويا سابهالي بعد ۏفاته. كانت متسددة بالكامل قبل الجواز، والأوراق كلها باسمي.
سألتني تاني
هو دفع فيها أي فلوس قبل كده؟
فيه أي قرض خاص بالشقة كان بيسدده هو؟
طيب، تكاليف التشطيب والفرش؟ ساهم فيها بأي مبلغ؟
هزيت راسي بالنفي.
هو شارك في مناقشة تفاصيل التشطيب، لكن كل الفلوس كانت من جيبي أنا.
وبعدها وضحت لها
قبل كده، اقترح عليا أكتر من مرة إنه يشارك في المصاريف، لكني قلت له إن مافيش داعي، وبعدها هو كمان ماعرضش يدفع أي حاجة.
وأنا بتكلم، حتى أنا نفسي حسيت قد إيه الموضوع مضحك ومؤلم في نفس الوقت.
قلت بسخرية مريرة
أنا كنت فاكرة إنه بيحبني ومش عايز يحملني فوق طاقتي.
طلع في الآخر…
إنه كان خاېف يحط فلوسه هو، وفي النهاية يطلع خسران!
منى بصت لي، لكنها ماعلقتش على كلامي.
فتحت درج مكتبها وطلعت منه ملف مستندات.
وبعدها سألتني
بكرة، إنتوا ناويين تمضوا اتفاقية ما قبل الزواج؟
هزيت راسي.
أيوه. أمه ضغطت علينا كذا مرة بخصوص الموضوع ده. وقالت إننا هنمضي الاتفاقية بكرة، في حفلة الخطوبة نفسها.
منى بصت لي باهتمام وقالت
قبل ما تمضي، من حقك تطلبي تعديل أي بند في الاتفاقية.
وبعدها سألتني
النسخة اللي هو بعتها لك مكتوب فيها إيه؟
جاوبتها
قال لي إنها مجرد اتفاقية عادية، وإن أي ممتلكات باسم شخص هتفضل ملكه، ومش هتتغير ملكيتها.
سكت لحظة، وبعدها قلت
لكن دلوقتي أنا شاكّة إن فيه بنود تانية مستخبية جوه الاتفاقية.
منى سألتني
معاكي نسخة من الاتفاقية دي؟
أيوه. هو بعتها لي إلكتروني، بس أنا لسه ماقريتهاش بالتفصيل.
منى هزت راسها وقالت بحزم
تمام. يبقى نقرأها دلوقتي.
طلعت موبايلي، وفتحت الملف اللي حسام كان بعتهولي.
المرة دي ماعدتش عيني على الكلام بسرعة زي ما كنت بعمل قبل كده.
بدأت أقرأ من أول سطر لآخر سطر، كلمة كلمة، وبتركيز شديد.
لحد ما وصلت للمادة السابعة.
وفجأة، صباعي وقف مكانه.
الكلام اللي ظهر على الشاشة كان واضح جدًا
طوال مدة العلاقة الزوجية بين الطرف الأول والطرف الثاني، إذا انتهت قريت البند مرة تانية.




