
نادية وحازم ويمنى.. لما الحقيقة ظهرت، كل واحد واجه نتيجة اختياراته
دخلت مكتب رئيسة القسم وأنا حاسة إن قلبي مقبوض، خصوصًا لما لقيت ملف مفتوح قدامها، ووشها مافيهوش أي تعبير يطمني.
بصت لي وقالت بجدية:
– اقعدي يا نادية، أنا محتاجة أفهم منك حاجة مهمة جدًا، وإنتِ لازم تكوني صريحة معايا في كل كلمة هتقوليها.
قعدت قدامها، وقلت بقلق:
– خير يا دكتورة؟ فيه إيه؟
فتحت الملف وطلعت منه ورقة، وحطتها قدامي وقالت:
– فيه شكوى اتقدمت ضدك بخصوص حالة مريض كان موجود في القسم من يومين، والشكوى بتقول إنك قصرتي في متابعة حالته، وإن التأخير في تنفيذ بعض التعليمات الطبية تسبب في تدهور حالته.
بصيت لها بصدمة، وقلت بسرعة:
– إيه الكلام ده؟! أنا ماقصرتش في شغلي، ولا عمري أهملت مريض! هو مين اللي قدم الشكوى دي؟
ردت عليَّ:
– الدكتور حازم هو اللي قدمها، وبيقول إنك كنتِ المسؤولة عن متابعة الحالة في الشيفت بتاعك.
حسيت إن الدم انسحب من وشي، وفضلت أبص لها وأنا مش مستوعبة إن الراجل اللي كنت لسه خارجة من مكتبه من شوية، واللي كنت فاكرة إن أكبر مشاكلي معاه هي الخلافات الزوجية، وصل بيه الأمر إنه يحاول يضرني في شغلي كمان.
قلت لها وأنا بحاول أسيطر على انفعالي:
– دكتورة، أنا فعلًا كنت مسؤولة عن الحالة، لكن لازم حضرتك تعرفي إن الشيفت ده ماكانش شيفتي الأصلي، وأنا كنت شايلة جزء من شغل المتدربة يمنى بناءً على طلب الدكتور حازم، لأنه قال لي إنها لسه بتتعلم ومحتاجة مساعدة.
رئيسة القسم رفعت عينيها من الملف وقالت:
– وإيه علاقة ده بالشكوى؟
– العلاقة إن حضرتك لو راجعتي جدول الشفتات، هتلاقي إن فيه مهام كتير كانت المفروض تكون مسؤولة عنها يمنى، لكن اسمي اتحط مكان اسمها. أنا ماكنتش باعترض، لأني كنت فاكرة إني بساعد جوزي في تدريبها، لكن واضح إن الموضوع أكبر من كده.
سكتت شوية، وبعدين قالت:
– أنا مش هقدر أحكم من كلامك وحده يا نادية، لازم أراجع الجدول وسجل متابعة المريض والتعليمات الطبية، ولو فيه أي تقصير فعلًا، لازم نعرف مين المسؤول عنه بالضبط.
هزيت راسي وقلت:
– وده حقي يا دكتورة، وأنا بطلب من حضرتك تراجعي كل حاجة، لأني واثقة من شغلي، ومش هقبل إن حد يشوه سمعتي المهنية لمجرد خلاف شخصي.
خرجت من مكتبها وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتضيق عليَّ، لكن المرة دي ماكنتش ناوية أضعف.
اتجهت ناحية غرفة التمريض، ولقيت زميلتي اللي كانت ورّتني جدول الشفتات قاعدة مستنياني، وأول ما شافتني قامت وسألتني:
– عملوا معاكي إيه يا نادية؟ سمعت إن فيه شكوى اتقدمت ضدك!
حكيت لها اللي حصل، فبصت لي بصدمة وقالت:
– أنا مش مصدقة إن حازم يعمل فيكي كده! ده مش بس بيخليكي تشيلي شغل يمنى، ده كمان بيحاول يحملك مسؤولية أي مشكلة تحصل!
قلت لها بوجع:
– أنا نفسي مش قادرة أصدق. كنت فاكرة إن مهما اختلفنا، عمره ما هيأذيني في شغلي، لكن الظاهر إني ماكنتش أعرفه أصلًا.
مسكت إيدي وقالت:
– اسمعيني كويس، إنتِ لازم تحافظي على نفسك. أي حاجة بتعمليها من هنا ورايح لازم تكون متسجلة، وأي تعليمات تاخديها لازم تبقى واضحة، وماتوافقيش تشيلي مسؤولية حد تاني على حساب نفسك.
كلامها خلاني أفكر، وقررت إني من اللحظة دي مش هسمح لحد يستغلني تاني، لا في الشغل ولا في حياتي الشخصية.
رجعت لعملي، وبدأت أراجع سجلات الشيفت اللي اتقدمت بسببه الشكوى، وكنت متأكدة إن فيه حاجة مش مظبوطة، لأن الحالة اللي بيتكلموا عنها كانت تحت متابعة الفريق الطبي، وكل إجراء عملته كان متسجل في ملف المريض.
وأنا براجع الأوراق، لقيت إن فيه تعليمات طبية اتسجلت في وقت أنا ماكنتش موجودة فيه أصلًا، ومع ذلك اسمي مكتوب قدام تنفيذها!
فضلت أبص للتوقيت، وأراجعه مرة واتنين، لحد ما اتأكدت إن فيه حاجة غلط.
روحت لرئيسة القسم، وطلبت منها مراجعة سجل التمريض الإلكتروني مع سجل الدخول والخروج، ووضحت لها إن التوقيت المكتوب مش متوافق مع وقت وجودي في القسم.
وبالفعل، طلبت مراجعة السجلات، وقالت لي إن أي نتيجة هتظهر هتتضاف للتحقيق الرسمي.
كنت لسه خارجة من عندها، لما لقيت حازم واقف في الطرقة، مستنيني.
قرب مني وقال بصوت واطي:
– نادية، ممكن نتكلم دقيقتين؟
بصيت له ببرود وقلت:
– لو الكلام يخص الشكوى، اتفضل قدم كل اللي عندك في التحقيق. ولو يخص حياتنا الشخصية، فمفيش بينا كلام في المستشفى.
مسك دراعي بخفة وقال بعصبية:
– إنتِ هتفضلي تتعاملي معايا بالطريقة دي لحد إمتى؟! إنتِ فاكرة إن اللي بتعمليه ده هيحل المشكلة؟
سحبت دراعي من إيده وقلت:
– إنت شايف إن المشكلة في طريقتي معاك؟! مش في إنك كنت بتقضي وقتك مع يمنى، وبتقول لها إنك مش بتحبني، وبعدها قدمت شكوى ضدي في شغلي؟!
بص حواليه لما لاحظ إن فيه ممرضتين واقفين قريب مننا، وقال:
– اخفضي صوتك يا نادية، مش كل حاجة تتحكي قدام الناس!
ضحكت بمرارة وقلت:
– غريبة! وإنت ماخفتش حد يسمعك وإنت بتقول ليمنى إنك مش بتحبني، ولا لما وعدتها إنك هتشيل شغلها وتخليني أنا اللي أتعب مكانها!
قرب مني وقال بلهجة حادة:
– إنتِ كده بتصعبي الأمور على نفسك، وأنا مش عايز أوصل معاكي لطريق مسدود.
بصيت في عينيه وقلت:
– إنت اللي اخترت الطريق ده يا حازم، وأنا مش مسؤولة عن اختياراتك. وبالنسبة للشغل، التحقيق هو اللي هيحدد مين غلطان، مش إنت اللي هتقرر تعاقبني عشان واجهتك بالحقيقة.
وسبته ومشيت.
لكن قبل ما أوصل آخر الطرقة، سمعت صوت يمنى بتنادي عليه من ورايا:
– حازم! إنت هتسيبني وأمشي لوحدي؟!
وقفت غصب عني، ولفيت راسي ناحيتهم.
يمنى كانت واقفة قدام باب المكتب، ماسكة شنطتها، وبتبص له بنفس الطريقة اللي شفتها قبل كده.
حازم بص لها، وبعدها بص ناحيتي، وكأنه بيحاول يعرف إذا كنت لسه واقفة براقبهم ولا لأ.
لكن المرة دي مااهتمتش.
كملت طريقي، وأنا مقررة إن حياتي مش هتفضل واقفة على تصرفاته.
رجعت البيت في آخر اليوم، وكنت مرهقة لدرجة إني مش قادرة أغير هدومي. دخلت أوضة النوم، وبدأت أجهز شنطة صغيرة أحط فيها شوية هدوم وحاجاتي الأساسية.
ماكنتش لسه أخدت قرار نهائي بالطلاق، لكن كنت عارفة إني مش هقدر أعيش معاه في نفس البيت وكأن مافيش حاجة حصلت.
وبينما أنا بلم هدومي، سمعت صوت مفتاح الباب، وبعدها دخل حازم.
دخل الأوضة، ولما شاف الشنطة فوق السرير، وقف مكانه وسألني بحدة:
– إيه ده يا نادية؟ إنتِ بتعملي إيه؟
رديت من غير ما أبص له:
– شايفني بعمل إيه.
قرب من السرير، ومسك الشنطة وحاول يقفلها، وقال:
– إنتِ مش هتخرجي من البيت ده.
رفعت عيني له وقلت:
– البيت ده بيتي زي ما هو بيتك، لكن أنا مش مضطرة أفضل فيه مع راجل مش بيحترمني.
حط الشنطة على السرير وقال بعصبية:
– عشان إيه كل ده؟! عشان شفتيني بتكلم مع يمنى؟! ما أنا قلت لك إنك فاهمة الموضوع غلط!
بصيت له طويلًا، وبعدها سألته:
– طيب جاوبني على سؤال واحد يا حازم، ومن غير كذب. إنت بتحبها؟
سكت.
ولأول مرة من ساعة ما واجهته في المستشفى، ماحاولش يرد بسرعة، ولا لقى حجة جاهزة يدافع بيها عن نفسه.
فضل ساكت ثواني، وبعدها قال:
– أنا مش عارف أجاوبك على السؤال ده دلوقتي.
حسيت إن قلبي اتكسر، لكن الغريب إني ماعيطتش.
ابتسمت ابتسامة موجوعة وقلت:
– يعني حتى بعد كل اللي شوفته بعيني، لسه مش قادر تقول لي إنك مش بتحبها؟!
قرب مني وقال:
– نادية، إنتِ مراتي، وعشرة عمري، والبيت اللي بنيته معاكي مش هقدر أهدّه عشان علاقة عابرة.
رجعت خطوة لورا وقلت:
– علاقة عابرة؟! إنت شايف إن اللي بينك وبينها مجرد علاقة عابرة؟! طب وأنا إيه يا حازم؟ أنا بالنسبة لك إيه؟ ست مضمونة بتستناك في البيت، وبتشيل شغلك في المستشفى، وبتسامحك مهما عملت؟!
رد بعصبية:
– إنتِ عايزاني أقول لك إيه؟! أنا غلطت، آه، بس مش معنى كده إننا ننهي حياتنا كلها!
قلت له وأنا ببص له بوجع:
– الحياة اللي بتتكلم عنها دي، أنا كنت عايشاها لوحدي يا حازم. إنت كنت موجود بجسمك، لكن قلبك واهتمامك كانوا مع واحدة تانية. وأنا كنت آخر واحدة تعرف الحقيقة.
مد إيده يحاول يمسك إيدي، لكني بعدت عنه.
– أنا محتاجة أبعد عنك شوية، ومش عايزة أسمع منك أي وعود دلوقتي.
وشه اتغير، وقال بلهجة حادة:
– لو خرجتي من البيت، ممكن تندمي بعد كده.
رفعت الشنطة من على السرير، وقلت له:
– أنا ندمت فعلًا يا حازم، بس مش على إني خرجت من البيت. أنا ندمانة على كل مرة سكت فيها عن حقي، وكل مرة صدقتك فيها وإنت بتقول لي كلام مش حقيقي.
وخرجت من الأوضة.
كنت فاكرة إن أصعب لحظة في اليوم هي إني أكتشف اللي حصل بينه وبين يمنى، لكني ماكنتش أعرف إن اللي جاي أصعب بكتير.
لأن أول ما وصلت بيت أهلي، وفتحت موبايلي، لقيت رسالة من رقم غريب، مرفق معاها صورة لحازم ويمنى وهما خارجين سوا من المستشفى.
وتحت الصورة كانت فيه رسالة قصيرة خلت إيدي ترتعش:
«لو فاكرة إن دي أول واحدة في حياته، تبقي ماتعرفيش جوزك كويس يا نادية… اسأليه عن الدكتورة اللي كانت قبليها!»
فضلت باصة للرسالة وأنا مش قادرة أستوعب معناها. دكتورة قبليها إيه؟! هو حازم كان في حياته واحدة تانية قبل يمنى؟! وفضلت أسأل نفسي: هو أنا كنت عايشة مع راجل عمري ما عرفته بجد؟!
مسكت الموبايل واتصلت بالرقم، لكنه كان مقفول. حاولت أبعت رسالة، لكن مفيش أي رد.
وقتها قررت إني مش هضيع وقتي في البحث عن المجهول، وإن كان فيه سر في حياة حازم، هعرفه بنفسي.
تاني يوم، وأنا في بيت أهلي، اتصل بيا حازم أكتر من مرة، لكني ماردتش عليه. لحد ما بعت لي رسالة بيقول فيها إنه جاي ياخدني، وإنه مش هيسمح إن خلاف بينا ينهي بيتنا.
رديت عليه لأول مرة من ساعة ما مشيت:
– أنا مش راجعة يا حازم، ولو عايز نتكلم، تعالى بيت أهلي واتكلم قدام أبويا وأمي.
وبالفعل، بعد ساعة تقريبًا، وصل حازم، وأول ما دخل البيت حاول يتصرف وكأن مفيش حاجة حصلت.
قعد قدام أبويا وقال:
– يا عمي، أنا ونادية حصل بينا سوء تفاهم، وأنا جاي أصالحها وأرجعها بيتي.
أبويا بص له بغضب وقال:
– سوء تفاهم إيه يا حازم؟! بنتي جاية لي وهي تعبانة نفسيًا، وبتقول إنك مش مخلص ليها، وفوق ده كله بتأذيها في شغلها! إنت فاكر جواز بنتي لعبة؟!
حازم حاول يدافع عن نفسه، لكني سبقته بالكلام:
– أنا مش عايزة أسمع تبريرات يا حازم. أنا شفتك بعيني، وسمعتك بودني، وإنت بنفسك قلت إنك مش بتحبني، وإنك متمسك بيا عشان مصلحتك.
رد بعصبية:
– أنا كنت متعصب، والكلام اللي سمعتيه كان بيني وبين يمنى، ومش كل كلمة بتتقال وقتها تبقى حقيقة!
بصيت له وقلت:
– طب وإيه حقيقة إنك قدمت شكوى ضدي في المستشفى؟ وإيه حقيقة إنك خليتني أشيل شغلها عشان تفضل قاعد معاها؟!
سكت، وأبويا وقف وقال له بحزم:
– بنتي مش راجعة معاك دلوقتي. لو عايز تصلح اللي عملته، صلح نفسك الأول، وسيبها تاخد وقتها وتقرر هي عايزة إيه.
حازم خرج وهو بيبص لي بضيق، وقبل ما يقفل الباب قال:
– إنتِ ممكن تندمي يا نادية على اللي بتعمليه ده!
لكن المرة دي ماخفتش من كلامه.
عدت أيام، وبدأت أركز في شغلي وأتابع التحقيق اللي اتفتح بسببي. وبعد مراجعة سجلات المستشفى، ظهر إن فيه تعليمات اتسجلت في توقيت ماكنتش موجودة فيه، وإن فيه خلل في توزيع المسؤوليات بيني وبين يمنى.
والأهم إن المراجعة أثبتت إن مافيش دليل على إني أهملت المريض، وإن الشكوى اللي اتقدمت ضدي محتاجة مراجعة إضافية قبل ما يتاخد أي إجراء.
أما حازم، فتم استدعاؤه للتحقيق بخصوص الشكوى وتوزيع الشفتات، خصوصًا بعد ما زميلتي قدمت إفادتها عن طلباته المتكررة إني أشيل مهام يمنى.
وفي نفس الوقت، قررت إني مش هسيب الرسالة اللي وصلت لي تعدي من غير ما أعرف حقيقتها.
بدأت أسأل زميلاتنا عن الدكتورة اللي كانت شغالة مع حازم قبل يمنى، لحد ما واحدة منهم قالت لي إن فيه دكتورة اسمها سارة كانت قريبة منه جدًا، وفجأة سابت المستشفى وانتقلت لمكان تاني بعد مشكلة حصلت بينهم.
طلبت منها وسيلة أتواصل بيها مع سارة، وبعد تردد طويل وافقت تساعدني.
اتصلت بسارة، وعرفتها بنفسي، ولما سمعت اسم حازم، سكتت فترة قبل ما تقول:
– كنت عارفة إن اليوم ده هييجي، وإن واحدة غيري هتكتشف حقيقته.
حسيت بقلبي بينقبض وسألتها:
– يعني إيه؟ إنتِ كان بينك وبينه حاجة؟
ردت بحزن:
– حازم كان بيقرب مني بنفس الطريقة اللي بيقرب بيها من يمنى دلوقتي. كان بيقول لي إنه مش مرتاح في حياته الزوجية، وإنه لاقى معايا الحب اللي كان محروم منه. ولما صدقته، اكتشفت إنه متجوز، وإنه مش ناوي يسيب مراته ولا يغير حياته. ولما واجهته، حاول يقلب الموضوع ضدي ويظهرني إني أنا اللي كنت بسعى وراه.
غمضت عيني وأنا بحاول أستوعب كلامها، وسألتها:
– وإنتِ سكتّي ليه؟
قالت:
– خفت على سمعتي وشغلي، وقررت أبعد. لكن لما عرفت إنه بيكرر نفس اللي عمله معايا، حسيت إني لازم أتكلم.
شكرتها وقفلت المكالمة، وأنا أخيرًا فهمت إن المشكلة ماكنتش في يمنى وحدها، ولا في إني قصرت معاه، زي ما كنت بلوم نفسي في البداية.
المشكلة كانت في حازم نفسه، اللي اتعود ياخد اهتمام أي ست تعجبه، من غير ما يتحمل مسؤولية مشاعره ولا يحترم بيته.
بعد أسبوعين، اتفاجئت بحازم جاي بيت أهلي، لكن المرة دي كان مختلفًا. وشه مرهق، وصوته هادي، وأول ما قعد قدامي قال:
– نادية، أنا عارف إني غلطت في حقك، ومستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعي.
بصيت له وقلت:
– حتى لو رجعت، هقدر أثق فيك إزاي؟ هقدر أصدقك لما تقول إنك بتحبني، وأنا عارفة إنك قلت نفس الكلام لستات تانية؟
نزل عينيه للأرض، وبعد لحظات قال:
– أنا قطعت علاقتي بيمنى، وندمان على كل اللي حصل.
سألته بهدوء:
– قطعتها عشان عرفت قيمتي، ولا عشان هي بدأت تطلب منك موقف واضح؟
اتلخبط، وسكوته كان كفاية يخليني أعرف الإجابة.
كملت كلامي:
– أنا مش هفضل طول عمري مستنية اللحظة اللي تزهق فيها من واحدة وتدور على غيرها. أنا عايزة أعيش مع راجل أحس معاه بالأمان، مش راجل كل يوم أصحى وأنا خايفة أكتشف مشكلة جديدة.
بدأ يعيط، وقال:
– طب نعمل إيه في السنين اللي عشناها سوا؟!
رديت عليه والدموع في عيني:
– نحترمها، ونحترم الأيام الحلوة اللي كانت بينا، لكن ده مش معناه إني أدفن نفسي في جواز انتهى من جوايا.
وقتها قلت له بوضوح إني قررت أنهي جوازنا، وإننا هنمشي في إجراءات الطلاق بالتراضي، ولو اختلفنا على أي حق، هنلجأ للطريق القانوني.
حاول يعترض، لكنه لما شاف إني مش بتراجع، سكت.
وبعد فترة من الإجراءات، انتهى جوازنا بالطلاق، وكل واحد فينا بدأ طريقه بعيد عن التاني.
أما يمنى، فتمت مراجعة وضعها التدريبي وتوزيع مهامها وفقًا للقواعد المهنية، بعيدًا عن أي علاقة شخصية.
وأنا رجعت لشغلي وأنا مرفوعة الرأس، وبعد ما انتهت مراجعة الشكوى، قدرت أرجع أركز في مستقبلي بدل ما أعيش في خوف من مشكلة جديدة.
وفي يوم، وأنا خارجة من المستشفى، زميلتي اللي كانت أول واحدة نبهتني للحقيقة وقفت جنبي وقالت:
– ها يا نادية، ندمانة إنك سيبتيه؟
بصيت لها وابتسمت، وقلت:
– أنا ندمانة إني صدقت إن التضحية من غير حدود هي الحب. كنت فاكرة إن الزوجة الشاطرة هي اللي تستحمل وتعدي وتسامح، لكن اتعلمت إن الحب مش معناه إني أتنازل عن كرامتي، وإن مساندة جوزي مش معناها إني أشيل أخطاءه على كتفي.
سكت لحظة، وبعدها كملت:
– أنا خسرت جوازي، آه، لكن كسبت نفسي، ودي خسارة عمري ما هقدر أندم عليها.
ومشيت وأنا حاسة لأول مرة من شهور إن الطريق اللي قدامي، مهما كان صعب، هو طريقي أنا، وإن محدش هيقدر يستغل طيبتي أو ثقتي تاني.
وبعد ما نادية أنهت جوازها.. بدأت الحقيقة تظهر للجميع
بعد ما نادية أنهت جوازها من حازم، كانت فاكرة إن الحكاية خلصت عند كده، وإن كل واحد فيهم هيمشي في طريقه، لكنها ماكنتش تعرف إن الأيام الجاية هتكشف لها حقيقة حازم ويمنى قدام المستشفى كلها، وإن الاتنين هيواجهوا نتائج تصرفاتهم وإهمالهم لمسؤولياتهم.
يمنى، من يوم ما نادية بعدت عن حازم، بدأت تحس إن الدنيا اتقلبت عليها. حازم اللي كان بيعمل لها كل حاجة، ويشيل عنها الشغل، ويخليها تقضي وقتها في الضحك والراحة، بقى مشغول بمشكلاته، خصوصًا بعد ما اتفتح التحقيق معاه بسبب الشكوى اللي قدمها ضد نادية.
وفي الوقت نفسه، إدارة المستشفى بدأت تراجع أداء يمنى، لأن المتدربة اللي المفروض تكون اتعلمت أساسيات شغلها خلال الفترة اللي فاتت، كانت لسه بتتهرب من المهام، وتعتمد على غيرها في أبسط المسؤوليات.
وفي يوم، كانت يمنى في شيفت صباحي، والمستشفى مزدحمة، وحازم مشغول بمتابعة أكتر من حالة في القسم.
دخلت لها ممرضة أقدم منها، وطلبت منها تراجع تعليمات الطبيب الخاصة بمريض محتاج دواء بجرعة محددة، لكنها كانت مستعجلة وعايزة تخلص بسرعة، فبدل ما تتأكد من بيانات المريض والجرعة المكتوبة في الملف، اعتمدت على فهمها السريع للتعليمات، وجهزت جرعة غير مطابقة للوصفة الطبية.
ولحسن الحظ، قبل إعطاء الدواء، لاحظت الممرضة المسؤولة وجود اختلاف بين الجرعة المجهزة والجرعة المسجلة في الملف، فأوقفت الإجراء فورًا، وطلبت مراجعة الطبيب والصيدلي، واتعملت الإجراءات اللازمة لحماية المريض.
لكن الموقف ماعداش بسهولة؛ لأن مراجعة الواقعة كشفت إن يمنى تجاوزت خطوات أساسية من التحقق، وإنها ماطلبتش المساعدة رغم إنها كانت عارفة إنها لسه مش متمكنة من الإجراء.
استدعتها رئيسة التمريض، وسألتها بصرامة:
– إنتِ كنتِ هتعملي إيه لو الممرضة ماخدتش بالها من الخطأ ده؟!
يمنى بدأت تعيط وقالت:
– أنا ماكنتش أقصد أضر المريض، والله أنا كنت مستعجلة، ومكنتش أعرف إن فيه مشكلة.
ردت رئيسة التمريض بحزم:
– إحنا مش بنتكلم عن نيتك يا يمنى، إحنا بنتكلم عن حياة مريض. الشغل هنا مش مكان للتجربة أو التسرع، وأي إجراء مش متأكدة منه لازم ترجعي فيه للمسؤول المختص.
وبناءً على الواقعة، تم إيقافها عن ممارسة المهام السريرية لحين انتهاء التحقيق، وإحالة الواقعة إلى لجنة مختصة لمراجعة مدى التزامها بمتطلبات التدريب والسلامة المهنية.
أما حازم، فلما عرف باللي حصل، راح لمكتب رئيسة التمريض وقال بعصبية:
– إنتوا مكبرين الموضوع ليه؟! البنت لسه متدربة، ومش معقول تحاسبوها على كل غلطة!
بصت له وقالت:
– المتدرب بيتعلم تحت إشراف، لكن ده مش معناه إن حد يسيبه يتصرف من غير مراجعة، ولا إننا نتجاهل واقعة كان ممكن تعرض حياة مريض للخطر.
حازم حاول يدافع عنها، لكن الإدارة طلبت مراجعة دوره في تدريبها، خصوصًا بعد الشكاوى السابقة المتعلقة بتوزيع الشفتات والمهام.
ومع مراجعة سجلات العمل، ظهرت مشكلة أكبر؛ حازم كان بيتولى مهام أكتر من قدرته على المتابعة، وبيعتمد على نقل مسؤولياته لنادية سابقًا، وبعد خروجها من حياته المهنية والشخصية، بدأ يتأخر في إنجاز بعض المهام، ويترك متابعة حالات لزملاء من غير تسليم واضح للمسؤوليات.
وفي واقعة تانية، اضطرت ممرضة تتدخل بسرعة لاستكمال متابعة حالة مريض بعد ما اكتشفت إن جزءًا من إجراءات المتابعة المطلوبة ما اتنفذش في موعده.
اتعملت مراجعة كاملة للواقعة، واتأكدت الإدارة من إن المريض تلقى الرعاية اللازمة، لكن تكرار المشكلات خلّى الإدارة تعتبر الأمر خطرًا مهنيًا لا يمكن تجاهله.
استُدعي حازم للتحقيق، واتواجه بالسجلات وشهادات العاملين، لكنه حاول يبرر موقفه بضغط العمل، وقال:
– أنا كنت شايل القسم كله تقريبًا، ومحدش كان بيساعدني!
رد عليه المسؤول الإداري:
– ضغط الشغل مش مبرر لتعريض المرضى للخطر، ولو حجم العمل أكبر من قدرتك، كان لازم تطلب دعمًا رسميًا بدل ما توزع مسؤولياتك بشكل غير منظم.
وبعد مراجعة الوقائع وسماع أقواله، قررت إدارة المستشفى إنهاء عمله وفقًا للإجراءات المعمول بها، بسبب المخالفات المهنية المثبتة في التحقيق، مع إحالة ما يلزم إلى الجهات المختصة.
أما يمنى، فبعد انتهاء التحقيق، صدر قرار بإنهاء تدريبها واستبعادها من البرنامج التدريبي، مع توثيق الواقعة وإحالتها للمراجعة المهنية وفقًا للوائح المستشفى.
وفي اليوم اللي صدر فيه القرار، كانت نادية داخلة المستشفى لاستلام بعض أوراقها الإدارية، لما شافت حازم خارج من مكتب الإدارة، شايل متعلقاته الشخصية، ووشه مليان ضيق وندم.
وقف قدامها وقال:
– إنتِ مبسوطة كده يا نادية؟! ده أنا خسرت شغلي وحياتي كلها!
بصت له بهدوء وقالت:
– أنا ماخسرتكش شغلك يا حازم، ولا أنا اللي خليتك تهمل مسؤوليتك. إنت اللي اخترت تستغل شغلك عشان تقرب من يمنى، وتسيب مسؤولياتك، ولما واجهتك بالحقيقة حاولت تضرني بدل ما تصلح غلطك.
قال بحزن:
– يعني مفيش أي فرصة إنك تسامحيني؟
هزت راسها وقالت:
– المسامحة حاجة، وإني أرجع أعيش معاك حاجة تانية. أنا مش بتمنى لك الأذى، لكن مش هقدر أشيل نتيجة اختياراتك بدل منك تاني.
وسابته ومشيت.
وبعد أيام، عرفت إن يمنى بتحاول تدور على فرصة عمل جديدة، وإن حازم بيواجه صعوبة في إيجاد وظيفة مناسبة بعد اللي حصل، وإن الاتنين بقوا بعيد عن الحياة اللي كانوا فاكرين إنهم يقدروا يعيشوها على حساب تعب غيرهم.
أما نادية، فكملت حياتها وشغلها، وبدأت تستعيد ثقتها في نفسها، وبقت كل ما تفتكر اللي حصل، تحمد ربنا إنها اكتشفت الحقيقة قبل ما تضيع سنين أكتر في علاقة ماكانش فيها تقدير ولا أمان.
وفي النهاية، اتعلمت نادية إن الطيبة مش ضعف، وإن مساعدة الآخرين مش معناها إننا نسمح لهم يستغلونا، وإن المسؤولية، خصوصًا لما تكون مرتبطة بأرواح الناس، مافيهاش مجال للتسرع أو المجاملة.




