عام

ممرضه1

أنا ممرضة في مستشفى، وجوزي دكتور بيشتغل معايا في نفس المستشفى. ومن فترة، جت متدربة جديدة تشتغل معانا اسمها يمنى، وكان جوزي هو المسؤول عن تدريبها.

في البداية، الموضوع كان عادي، وكنت شايفة إنه بيقوم بواجبه في الشغل، لكن مع الوقت بدأت ألاحظ إنه قرب منها بشكل مبالغ فيه. بقى يفطر معاها كل يوم، ويقضي أغلب وقته معاها، وكل ما أعدي عليهم ألاقيه واقف جنبها، بيشرح لها وبيطمنها، خصوصًا إنها كانت بتخاف من حاجات كتير، وبتتردد في تنفيذ مهام أساسية المفروض تتعلمها خلال فترة التدريب.

وجوزي، بدل ما يعلمها إزاي تتعامل مع طبيعة شغلنا، بقى يدلعها ويشيل عنها كل حاجة، وكأنها طفلة صغيرة مش متدربة جاية تتعلم مهنة محتاجة مسؤولية وتحمل.

والأغرب من كده إنه بدأ ياخد شغلها وشفتاتها، وفي كل مرة كان يطلب مني أساعده وأشيل عنه جزء من الشغل، كنت بوافق من غير تردد، على أساس إني بساعد جوزي وبخفف عنه ضغط الشغل.

أنا أصلًا مكنتش أعرف إنه بيخليني أشيل شغل يمنى، ولا كنت متخيلة إنه ممكن يستغل ثقتي فيه بالشكل ده.

لحد ما في يوم، زميلة ليا جت وقعدت جنبي، وطلعت جدول الشفتات، وقالت لي باستغراب:

– إنتِ مش واخدة بالك إنك بقيتي بتشيلي شغل يمنى كله تقريبًا؟

بصيت لها بعدم فهم وقلت:

– شغل يمنى إيه؟!

فتحت الجدول وورتهولي، وبدأت تحدد لي الشفتات اللي أنا كنت بشتغلها بدلًا منها، والمهام اللي اسمي اتحط فيها مكان اسمها، بينما يمنى كانت موجودة في الجدول بعدد ساعات أقل بكتير من المفروض عليها.

فضلت أبص للجدول وأنا مش مستوعبة، وبعدين سألتها:

– هو مين اللي عامل كده؟

ردت عليَّ بكل بساطة:

– جوزك يا ستي! هو اللي بيطلب إنك تشيلي شغلها، وبيقول إنك بتساعديه عشان هو مسؤول عن تدريبها.

حسيت وقتها إن الأرض بتتهز من تحتي. مش عشان الشغل زيادة، ولا عشان أنا تعبت، لكن عشان اكتشفت إني كنت بساعد جوزي بإيدي، وهو مخبي عني الحقيقة، ومستغل إني مراته وبثق فيه.

رفعت عيني وبصيت ناحية مكتب التمريض، لقيته قاعد مع يمنى، بيضحك معاها وبيحط قدامها كوباية قهوة، بينما أنا كنت واقفة في آخر الطرقة، ماسكة جدول الشفتات، وبحاول أستوعب إزاي الراجل اللي بشاركه بيتي وحياتي قدر يخليني أشيل مسؤولية واحدة تانية، لمجرد إنه يفضل جنبها أطول وقت ممكن.

وقت استراحتي، قررت إني مش هفضل ساكتة أكتر من كده.

خرجت من قسم التمريض واتجهت ناحية مكتبه، وأنا براجع الكلام اللي هقوله له، وبحاول أهدّي نفسي عشان المواجهة ما تتحولش لخلاف كبير.

لكن أول ما وصلت عند الباب، وقبل ما أمد إيدي عشان أخبط، سمعت صوته من جوه، بيتكلم بنبرة عمري ما سمعتها منه معايا.

كان بيقول لها بدلع واضح:

– يا حبيبتي، أنا هعمل لك كل شغلك، وإنتِ خليكي جنبي بس، عشان وجودك جنبي بيهوّن عليَّ الشغل. أنا شغلك هقوم بيه، أنا ونادية، وإنتِ ارتاحي وما تتعبيش نفسك ولا تشيلي هم أي حاجة طول ما أنا معاكي.

اتجمدت إيدي على مقبض الباب، وحسيت إن قلبي بدأ يدق بسرعة. كنت لسه بحاول أستوعب الكلام اللي سمعته، لما صوت يمنى وصل لودني وهي بتضحك:

– بجد يا ميدو؟ هتعمل كده عشاني؟ أنا بحبك أوي!

قربت من الباب وفتحته فتحة صغيرة جدًا، ولقيت يمنى قاعدة على رجله، حاطة إيديها حوالين رقبته، وبتبص له بنظرات مليانة اهتمام، وهو حاضنها وكأن المشهد ده طبيعي ومتكرر بينهم.

كانت بتضحك وهي بتلعب في ياقة قميصه، وتقول له:

– أنا كده هاخد على الدلع!

ضحك حازم، وقربها منه أكتر، وقال:

– هو أنا هسيبك يا قلب ميدو؟ ده أنا لو عليَّ، أفضل معاكي طول اليوم، لا شغل ولا مستشفى ولا أي حاجة تبعدني عنك.

ضحكت، وبعدين رفعت إيديها قدام وشه وقالت:

– طب بص بقى، إيدي لسه ناعمة أهي، أهو أنا سمعت كلامك ومش بعمل أي حاجة تتعبني.

مسك إيديها بين إيديه، وبعدها قال:

– الإيدين الحلوين دول ما يمسكوش قسطرة، ولا يركبوا محاليل، ولا يتعبوا نفسهم في شغل المستشفى. إنتِ خدي بالك من نفسك، وأنا أشيل عنك المسؤوليات كلها.

يمنى ضحكت، ومالت عليه وهي بتقول:

– يا سلام يا ميدو! طب وأنا هعمل إيه من غيرك؟ ده أنا من يوم ما عرفتك وأنا حاسة إني ملكة.

رد عليها وهو بيبعد خصلة شعر من على وشها:

– وإنتِ فعلًا ليكي مكانة كبيرة عندي يا حبيبتي، ومش عايز أشوفك بتتعبي ولا بتزعلي طول ما أنا موجود. إنتِ ليكي معاملة خاصة عندي، ولو حصل أي خلاف في الشغل، هحاول أحله بطريقتي.

يمنى سكتت لحظة، وبعدها سألته:

– طيب ومراتك؟

ضحك حازم وهو لسه قاعد جنبها، وقال بثقة:

– مراتي؟! إنتِ بتسألي عنها ليه دلوقتي يا حبيبتي؟ هو إحنا هنقعد نتكلم عن نادية في كل وقت؟!

يمنى رفعت حاجبها وقالت:

– ما أنا بسألك عادي يا ميدو، يعني هي مش هتاخد بالها إنك بتعمل شغلي، وإنك بتخلّيها هي اللي تشيل الشغل كله بدالي؟ مش ممكن تزعل؟

ضحك باستهانة، ورد عليها بكل برود:

– نادية تزعل من إيه بس؟ دي طول عمرها شايلة شغل البيت والمستشفى، ومتعودة على كده. وبعدين أنا جوزها، يعني لما أطلب منها تساعدني مش هتقول لي لأ. هي أصلًا بتفرح لما تحس إنها بتريحني وبتساعدني، وأنا مش هحرمها من الإحساس ده.

حسيت وقتها إن نفسي اتسحب مني، وإن كل كلمة بيقولها بتزود وجعي.

أنا اللي كنت بفتخر إني واقفة جنب جوزي، وإننا بنساعد بعض في شغلنا، طلعت بالنسباله مجرد واحدة مضمونة، يقدر يرمي عليها أي مسؤولية وهو مطمن إني مش هعترض، بينما هو بيدي واحدة تانية كل وقته واهتمامه، وبيشيل عنها أبسط واجباتها لمجرد إنها تفضل جنبه.

لكن اللي وجعني أكتر كان رد يمنى، اللي ضحكت وهي بتقول له:

– يا نهار أبيض! يعني مراتك بتشيل عنك الشغل كله، وإنت مريحني أنا؟ ده أنا لو مكانها كنت اعترضت من زمان!

حازم ضحك، وقال:

– عشان إنتِ غيرها يا قلب ميدو. نادية دي مراتي، وعارفة إن حياتنا ماشية إزاي، إنما إنتِ أنا مش عايز أشوف في عينيكي دمعة واحدة. وبعدين نادية مش هتقدر تستغنى عني، دي بتحبني أوي، ولو اتكلمت معاها شوية هترجع تصالحني بنفسها.

يمنى قربت منه أكتر، وقالت بصوت فيه ثقة:

– يعني إنت ضامنها كده يا ميدو؟

رد من غير ما يفكر:

– ضامنها؟ ده أنا عارفها أكتر ما هي عارفة نفسها. نادية مهما حصل مش هتسيبني، وعشان كده مش شايل همها. أنا عايز أعيش معاكي أنا، وأهتم بيكي وأشوفك مبسوطة، أما هي فخلاص، دي واخدة مكانها في حياتي من زمان.

في اللحظة دي، حسيت إن رجلي مش شايلاني.

مش عارفة إزاي قدرت أفضل واقفة مكاني، ولا إزاي قدرت أمنع نفسي من إني أفتح الباب وأواجههم، لكن يمكن الصدمة كانت أكبر من أي رد فعل ممكن يصدر مني.

وفجأة، يمنى قالت له وهي بتبص في عينيه:

– طب يا حبيبي، وإنت بتحبني أكتر منها؟

حازم من غير تردد رد عليها:

– أنا عمري ما حبيت نادية بالطريقة اللي بحبك بيها. نادية عشرة وجواز وبيت، إنما إنتِ اللي رجعتي لقلبي إحساس كنت فاكر إني فقدته. أنا نفسي كل يوم أخلص شغلي وأرجع لك، ومش عايز أي حاجة في الدنيا تعطلني عنك.

حطت يمنى إيديها حوالين رقبته، وقالت:

– طب ما تنهي جوازك يا ميدو، طالما مش بتحبها! إيه اللي مخليك متمسك بيها؟

اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه سرعان ما ضحك وقال:

– أنهي جوازي ليه يا حبيبتي؟ أنا كده مرتاح. عندي بيت ومراتي بتساعدني في كل حاجة، وعندي إنتِ اللي بتخليني مبسوط. هو أنا هخسر كل ده بإيدي ليه؟!

يمنى سكتت شوية، وبعدها قالت بنبرة فيها ضيق:

– يعني أنا أفضل كده على الهامش؟ كل ما أحتاجك أخاف مراتك تعرف، وكل ما أطلب منك نخرج تقولي عندي بيت ومراتي مستنياني؟ أنا مش عايزة أفضل في الوضع ده يا حازم، أنا عايزاك تكون واضح معايا!

مسك إيديها وقال لها:

– اهدي يا حبيبتي، كل حاجة ليها وقتها. إنتِ بس خليكي معايا، وسيبي الباقي عليَّ. إنتِ مش مضطرة تشيلي مسؤوليات كبيرة في الشغل، وأنا هرتب كل حاجة بطريقتي.

وقتها، ماقدرتش أستحمل أكتر من كده.

فتحت الباب مرة واحدة ودخلت.

الصوت اللي صدر من الباب خلّاهم ينتبهوا فجأة، ويمنى قامت بسرعة من على رجله، بينما حازم اعتدل في قعدته، وبص لي بصدمة واضحة على وشه.

فضلت واقفة عند الباب، عيني بتتنقل بينهم، من غير ما أنطق بكلمة واحدة.

حازم قام بسرعة وقال بتوتر:

– نادية؟! إنتِ بتعملي إيه هنا؟!

بصيت له، وبعدها بصيت ليمنى اللي كانت بتحاول ترتب هدومها، وقلت بهدوء غريب حتى عليَّ أنا:

– جاية أشوف جوزي يا يمنى، ولا هو بقى ممنوع عليَّ أدخل مكتبه؟

اتلخبط وقال:

– إيه الكلام ده؟! إنتِ فاهمة الموضوع غلط، وإحنا كنا بنتكلم في…

قاطعته وأنا بضحك ضحكة صغيرة من شدة القهر:

– بنتكلم في إيه يا حازم؟ في القسطرة؟ ولا في المحاليل؟ ولا في إزاي تخلي إيديها بعيدة عن الشغل، وتخليني أنا اللي أشيل مسؤولياتها؟!

وشه اتغير، وبص لي بحدة وهو بيقول:

– إنتِ كنتِ واقفة بتسمعي كلامنا؟!

بصيت له بعدم تصديق، وقلت:

– دي أول حاجة فكرت فيها؟! مش إن مراتك واقفة قدامك وعرفت إنك متعلق بواحدة تانية؟ مش إنك اتكشفت وإنت قاعد معاها بالطريقة دي في مكان شغلك؟! كل اللي شاغل بالك إني سمعتك؟!

يمنى تدخلت بسرعة وقالت:

– على فكرة يا نادية، إنتِ مكبرة الموضوع أوي، وإحنا ماعملناش حاجة تستاهل كل ده.

لفيت لها ببطء، وقلت:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى