روايات وقصص

بنت الشارع الاخير حكايات زهرة حصري

طيب..طيب ليه أول ما شوفتوها اتأثرتوا… عرفتوها إزاي وهي منتقبة؟

أمي نزلت عيونها، والبنت قالت: عرفوني لأني لسه من فترة قريبة جيت لأمك عشان ترجعلي حق ابويا… بس هي رمتلي العبايه اللي أنا لبساها دي وقالتلي ابقي عدي كل شهر هديكي الهدوم اللي مبلبسهاش.

كنت هتجنن من كلامها، ومصدوم جدًا في أمي وأبويا، عمري ما تخيلت يكونوا كده.

مريم قامت من مكانها، ولمت حاجتها البسيطة، وقالت:
أنا مش جاية أطلب منكم فلوس، ولا جاية أعمل مشكلة. أنا كنت بحاول أوصل للحقيقة، ولما الظروف ضاقت بيا، لقيت نفسي تحت الكبري. ولما أحمد عرض عليا الجواز، ما كنتش أعرف إنه ابن الراجل اللي ظلم أبويا. عرفت الحقيقة لما دخلت البيت وشفت وش أمك.

اتصدمت من كلامها وقلت:
يعني إنتي ما كنتيش عارفة أنا مين؟!

هزت راسها وقالت:
لأ. أنا كنت عارفة اسم الشركة واسم أبوك، ومكان بيتكم لأني جيته قبل كده، لكن عمري ما شفتك قبل كده، ولا كنت أعرف إنك ابنه. أنا وافقت على الجواز لأنك عرضت عليا حياة كريمة، وكنت فاكرة إن ربنا بعتلي فرصة أبدأ من جديد. لكن أول ما جبتني هنا وقولتلي إن ده بيتك، فهمت إن القدر رجعني لنفس المكان اللي هربت منه طول عمري.

حسيت بالخجل من نفسي.
أنا اللي كنت فاكر إني بعمل حركة أغيظ بيها أهلي، طلعت اتجوزت إنسانة شايلة وجع سنين، وأنا حتى ما سألتهاش عن اسمها!

قربت منها وقلت:
أنا آسف يا مريم. أنا غلطت في حقك من أول لحظة، لأني ما فكرتش فيكي كإنسانة، فكرت فيكي كوسيلة أواجه بيها أهلي.

مريم بصتلي وقالت:
الاعتذار مش هيغير حاجة يا أحمد. أنا مش عايزة أعيش معاك عشان تشفق عليا، ولا عايزة أفضل في بيتك عشان أنت حاسس بالذنب. وأصلاً بعد اللي عرفته، وإنك ابن الناس اللي اتسببوا في وجع أبويا وضياعي، مستحيل أفضل هنا.

وقبل ما أرد، جرس الباب رن.
أبويا اتوتر بشكل غريب، وأمي قامت بسرعة تمسح دموعها.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة بسيطة وماسك ملف كبير في إيده. أول ما شاف مريم، وقف مكانه وقال:
الحمد لله إني لحقتك يا بنتي!

مريم جريت عليه وقالت:
كويس إنك وصلت بسرعة يا عم فؤاد.

الراجل بص لأبويا وقال:
كان لازم أجي يا بنتي. أنا كنت مستني اليوم ده من أكتر من عشرين سنة، وكنت عارف إن الحقيقة هتظهر مهما طال الزمن، بس كنت مستني لما تكملي ٢١ سنة وتقدري تاخدي حقك، لو مش بالذوق يبقى بالقانون.

أبويا اتراجع لورا، وقال بتوتر:
إنت بتعمل إيه هنا يا فؤاد؟!

فؤاد رد عليه:
جاي أرجع الحق لصاحبه. أنا كنت محاسب الشركة، وكنت شاهد على كل اللي حصل، لكنك ضغطت عليّ وقتها وقلقت على عيالي، فاضطريت أسكت. وبعد ما سافرت، احتفظت بنسخ من الحسابات والمستندات اللي تثبت براءة محمود.

فتح الملف وطلع منه أوراق قديمة، وحطها على الترابيزة.
وقال:
المستندات دي فيها كل التحويلات، والتوقيعات، والتواريخ. فيها دليل واضح إن محمود ما أخدش جنيه واحد، وإن الفلوس اللي اتهمته باختلاسها راحت لحسابات تخصك.

أبويا قعد على الكرسي كأنه فقد القدرة على الوقوف.
وأنا كنت ببص للأوراق، وحاسس إن حياتي كلها بتنهار قدامي.

فؤاد كمل:
أنا حاولت أوصل لمريم من سنين، لكن الظروف فرقتنا. ولما عرفت إنها بتدور على الحقيقة، اتواصلت معاها وبدأت أساعدها، ودلوقتي لما لقت الأستاذ أحمد جايبها هنا اتصلت عليا وقالتلي أجي.

مريم بصت لأبويا وقالت:
أنا مش عايزة أشوفك في السجن، ولا عايزة أظلمك زي ما ظلمت أبويا. أنا عايزاك تعترف بالحقيقة قدام الناس، وترجع الحقوق لأصحابها، وتقول إن محمود الشناوي كان راجل شريف.

أبويا حط وشه بين إيديه، وفضل ساكت وقت طويل.
وبعدين رفع راسه وقال:
أنا غلطت، ومهما عملت مش هقدر أرجع السنين اللي ضاعت. بس أنا مستعد أعترف بكل حاجة، وأرجع حقك.

أمي بصت له بذهول، وقالت:
إنت هتضيع نفسك بإيدك؟!

رد عليها:
أنا ضيعت نفسي من يوم ما ظلمت محمود. الفلوس اللي كسبتها وقتها ما جابتليش غير القلق، وكل يوم كنت بخاف إن الحقيقة تظهر.

في اللحظة دي، فهمت ليه أمي كانت مرتبكة لما شافت مريم. ما كانش قلقها من شكلها، ولا من إنها بنت بسيطة، لكن لأنها كانت شايلة الحقيقة اللي ممكن تهدم كل اللي بنوه على الظلم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى