هدير فضلت طول الليل تفكر في كلام صلاح، وكل كلمة قالها كانت بتوجعها أكتر من اللي قبلها، مش عشان هو طلب منها تمشي وبس، لكن عشان اكتشفت إن الراجل اللي عاشت معاه سنين وخلفت منه عياله، مستعد يرميها في الشارع عشان يرضي واحدة تانية، وكأن عمرها معاه كان غلطة وهو بيحاول يتخلص منها.
بصت لعيالها وهما نايمين جنب بعض، ودموعها نزلت غصب عنها، خصوصًا لما ابنها الصغير صحي من تعبه وناداها بصوت ضعيف:
ماما، أنا عايز أشرب.
قامت جابت له المية، وساعدته يشرب، وبعدها مسحت على شعره وباسته في جبينه، وهو سألها ببراءة:
هو بابا زعلان منك يا ماما؟
السؤال كان كفيل إنه يكسر آخر حاجة متماسكة جواها، لكنها ابتسمت بالعافية وقالت له:
نام يا حبيبي، بابا مش زعلان من حد، إنت بس خليك كويس.
رجع نام، إنما هي فضلت قاعدة جنبه لحد الفجر، ولما أذان الصبح أذن، قامت صلت، وبعدها أخدت قرار كانت مأجلاه سنين بسبب خوفها على بيتها وعيالها. مش هتسيب حقها يضيع أكتر من كده.
استنت لحد ما صلاح خرج من البيت، وثريا خرجت وراه وهي بتضحك وبتتكلم معاه بدلع، وبعد ما اتأكدت إنهم مشيوا، دخلت أوضتها وطلعت علبة صغيرة كانت مخبية فيها أوراق جوازها، وشهادات ميلاد عيالها، وأي ورق يثبت حقوقها. لمت الورق في شنطتها، ولبست عبايتها، وبعدها راحت لأمها.
أول ما أمها شافتها، استغربت من شكلها الشاحب، وقالت لها بقلق:
مالك يا بنتي؟ إنتِ وشك مخطوف كده ليه؟ حصل إيه؟
هدير قعدت جنبها، وحكت لها كل حاجة من أول ما صلاح فتح الشقتين على بعض، لحد ما طلب منها تسيب البيت وتمشي بعيالها. أمها كانت بتسمع وهي حاطة إيدها على قلبها، وكل شوية تقول:
يا نهار أسود! هو صلاح وصل بيه الحال لكده؟ ده إنتِ شيلتيه في عينيكي، وعمرك ما قصرتي معاه ولا مع عياله!
هدير مسحت دموعها وقالت:
عياله يا أمي، عياله اللي هو مش بيسأل حتى إذا كانوا أكلوا ولا لأ، واللي لو واحد فيهم تعب، بيبقى أهم عنده إنه يرضي ثريا ويخرجها. أنا مش عارفة إزاي الراجل بيتغير كده، وإزاي يهون عليه العمر كله!
أمها قربت منها وقالت بحزم:
طيب وإنتِ هتعملي إيه دلوقتي؟
هدير رفعت راسها، وقالت لأول مرة من شهور بنبرة فيها إصرار:
هروح لمحامي يا أمي. أنا مش عايزة أظلم حد، ولا عايزة آخد حاجة مش من حقي، بس مش هسمح لحد يرميني أنا وعيالي في الشارع. صلاح فاكر إني هخاف وأسكت زي كل مرة، بس المرة دي لأ. أنا عايزة أعرف حقي إيه، وإزاي أضمن إن عيالي ما يضيعوش بسبب أبوهُم.
أمها مسكت إيدها وقالت:
وأنا معاكي يا بنتي، ومش هسيبك لوحدك. إنتِ غلطتي لما فضلتي تستحملي كل ده من غير ما تحطي حد للي بيحصل، لكن لسه قدامك فرصة تصلحي الوضع. بس خلي بالك، ما تعمليش أي خطوة من غير ما تعرفي حقك بالقانون.
هدير هزت راسها، وبعدها خرجت من عند أمها وراحت لمكتب محامي قريب من منطقتهم. دخلت المكتب وهي متوترة، ولما المحامي طلب منها تحكي اللي حصل، بدأت من أول جوازها من صلاح، وحكت له عن الشقة اللي كانت عايشة فيها، وعن فتح الشقتين على بعض، وعن طلبه الأخير إنها تسيب البيت.
المحامي سمعها باهتمام، وبعدها سألها:
الشقة اللي كنتِ عايشة فيها قبل ما الشقتين يتفتحوا، ملك مين بالضبط؟ باسم جوزك ولا باسم حد تاني؟
هدير ردت:
على حد علمي هي باسم صلاح، وأخوه كان بايع له شقته، وبعدها صلاح فتح الشقتين على بعض. بس أنا مش فاهمة، هو كده يقدر يطلعني من البيت عادي؟
المحامي وضح لها إن الموضوع محتاج مراجعة أوراق الملكية، وإن فتح الشقتين على بعض مش معناه تلقائيًا إن حقوقها القانونية ضاعت، ولا إن صلاح يقدر يخرجها من مسكن الزوجية بالطريقة اللي هو عايزها. وشرح لها إن حقوقها وحقوق أولادها بتتحدد حسب ظروفهم وأوراقهم، وإنه لازم يراجع المستندات قبل ما يحدد لها الإجراءات المناسبة.
وبعد ما سألها عن أولادها، ومصاريفهم، وطريقة تعامل صلاح معاهم، قال لها:
بصي يا مدام هدير، أهم حاجة دلوقتي إنك ما تمضيش على أي ورقة، وما تتنازليش عن أي حق تحت ضغط أو تهديد. هاتِ لي صور الأوراق اللي معاكي، وهنراجع موقفك القانوني، ونشوف أنسب إجراء يحفظ حقوقك وحقوق أولادك. ولو فيه امتناع عن الإنفاق أو تهديد بإخراجك من المسكن، هنحدد التصرف القانوني المناسب بناءً على التفاصيل.
هدير كانت بتسمعه وهي حاسة إن لأول مرة من سنين فيه حد بيتكلم معاها على إنها إنسانة ليها حقوق، مش مجرد زوجة مطلوب منها تستحمل وتسكت. سألته بقلق:
يعني ممكن صلاح يطردني فعلًا يا أستاذ؟
رد عليها بهدوء:
أنا مش هقدر أوعدك بنتيجة قبل ما أشوف الأوراق، لكن أقدر أقول لك إنك ما ينفعش تتنازلي عن حقوقك لمجرد إنه بيهددك. وكونه متجوز اتنين أو فتح الشقتين على بعض مش كفاية لوحده عشان نحدد مين له الحق في إيه. كل حاجة لازم تتراجع قانونيًا.
هدير شكرت المحامي، وخرجت من المكتب وهي حاسة إن الحمل اللي فوق صدرها خف شوية. هي لسه ما كسبتش قضية، ولسه ما رجعتش حقها، لكن على الأقل بقت عارفة إنها مش مضطرة تواجه صلاح وثريا بإيديها الفاضية.
رجعت البيت قبل ما صلاح يوصل، وخبت الأوراق في مكان آمن، وبعدها بدأت ترتب مصاريف عيالها وتجمع كل ما يثبت احتياجاتهم والمبالغ اللي كانت بتصرفها عليهم.
وفي المساء، رجع صلاح لقى هدير قاعدة في الصالة، وعيالها حواليها بيذاكروا، فدخل وهو متعصب وقال:
إنتِ لسه قاعدة هنا؟ مش أنا قلت لك تشوفي لك مكان تاني؟
هدير رفعت عينيها له بهدوء وقالت:
وأنا قلت لك إني مش همشي من بيتي وبيت عيالي لمجرد إنك طلبت مني كده.
صلاح قرب منها وقال بحدة:
إنتِ فاكرة إنك لما تعاندي معايا هتكسبي؟ أنا قادر أخلص الموضوع ده في يوم وليلة!
هدير ردت من غير ما صوتها يهتز:
خلّصه بالقانون يا صلاح، وأنا كمان هعرف حقي بالقانون. أنا مش هسيبك تضيع حقي وحق عيالك، ومش هتنازل عن أي حاجة تحت تهديدك.
صلاح اتجمد مكانه، وبص لها باستغراب، وكأنه مش مصدق إن الست اللي كان بيزعق لها فتنزل عينيها وتدخل أوضتها، بقت بترد عليه بالشكل ده:
إنتِ بتتكلمي كده على أساس إيه؟ مين اللي حط الكلام ده في دماغك؟
هدير بصت له وقالت:
محدش حط حاجة في دماغي. أنا بس عرفت إن السكوت مش دايمًا بيحافظ على البيوت، وإن ساعات السكوت بيخلي اللي قدامك يفتكر إن مالكش حق أصلًا.
في اللحظة دي، ثريا خرجت من أوضتها بعدما سمعت صوتهم، ولما فهمت إن هدير مش ناوية تمشي، بصت لصلاح وقالت بغيظ:
إنت هتفضل واقف تسمع لها؟ ما تخلصنا منها بقى! هي فاكرة نفسها هتعمل لك حاجة يعني؟
صلاح بص لثريا، وبعدها رجع بص لهدير، وكان واضح إنه ممزق بين رغبته في إرضاء ثريا وبين خوفه من إن الموضوع يكبر ويتحول لمشكلة قانونية.
أما هدير، فقامت ولمت كتب عيالها وقالت:
أنا مش هتكلم أكتر من كده. لما تحب تتكلم في حقوقي وحقوق عيالك باحترام، أنا موجودة. إنما التهديد والطرد، خلاص يا صلاح، مش هيسكتوني تاني.
ودخلت أوضتها وقفلت الباب بهدوء.
ثريا فضلت واقفة مكانها، والغضب بيزيد جواها، لأنها كانت متأكدة إن هدير هتخاف أول ما صلاح يطلب منها تمشي، لكنها اكتشفت إن الست اللي فضلت شهور بتكسرها بكلامها وتصرفاتها، بدأت تستعيد قوتها. قربت من صلاح وقالت له بصوت واطي:
إنت سايبها تعمل اللي هي عايزاه ليه؟ دي لو رفعت عليك قضايا هتفضل تجري وراها في المحاكم، والناس هتقول عليك إيه؟
صلاح رد بعصبية:
أعمل لها إيه يعني؟ أطلعها بالعافية؟ مش عايز وجع دماغ!
ثريا سكتت لحظة، وبعدها قالت بنبرة خبيثة:
خلاص، سيبها لكام يوم، وأنا هعرف أتصرف. هي فاكرة إن المحامي هيحل لها كل حاجة، بس أنا هخليها هي اللي تطلب تمشي من البيت بنفسها.
لكن اللي ثريا ما كانتش تعرفه إن هدير، في الوقت اللي هي بتخطط فيه لإيذائها، كانت بتجهز نفسها لمواجهة مختلفة تمامًا؛ مواجهة مش هتدخلها بالصوت العالي ولا بالشتيمة، إنما بالأوراق والقانون، وبإصرار إنها مش هتسمح لحد يسرق عمرها وحق عيالها مرة تانية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




