روايات وقصص

رجعت البيت بدري الاخير

جمعت باقي حاجته في شنط كبيرة وحطيتها جنب الباب، وبعد ما المحامي جابلي قرار بالتمكين الحصري والتأمين القانوني، غيرت كالون الباب والترباس. قعدت في بلكونة المعادي، وشربت القهوة وأنا بتفرج على فرع الياسمين اللي أخيرًا حاسة إنه بيتنفس معايا.
بس اللي كنت عارفاه كويس عن سهير وأحمد… إنهم مش من النوع اللي يستسلم بسهولة. الجشع لما يعمي العيون، بيخلي صاحبه يتصرف بغشم.
بعد يومين بس، وبدأت حرب من نوع تاني.
كنت قاعدة في الصالة بالليل، سمعت خبط شديد ورزع على الباب. خبط متواصل وبغل. بصيت من العين السحرية، لقيت أحمد ومعاه اتنين رجالة غراب وشكلهم يخوف، وسهير واقفة وراهم وبتحرضهم:
— افتحي يا ندى بدل ما نكسر الباب! البيت ده بيت ابني وله فيه حق، مش هنسيبهولك ببرودة أعصابك دي!
ما اتوترتش. التوتر والخوف ماتوا جوايا من اليوم اللي سمعت فيه كلامهم. طلعت تلفوني بهدوء شديد، اتصلت بالأستاذ فاروق المحامي، وفي نفس الوقت اتصلت بشرطة النجدة وبلغت عن محاولة اقتحام وتهديد.
أحمد كان بيزعق من ورا الباب بصوت هيستيري:
— افتحي يا ندى! أنتِ فاكرة إنك ناصحة؟ الورق اللي معاكي ده بله واشربي ميته! أنا ليا حق التمكين زوجية، والقانون في صفّي!
رديت عليه بصوت واثق وواضح من ورا الباب عشان يسمعني ويسمعه اللي معاه:
— الشرطة في الطريق يا أحمد، والشارع كله شايف ومسجل اللي بتعمله. لو الباب ده اتلمس بس، البلاغ هيبقى اقتحام وترويع، والتسجيلات كلها بتروح للنيابة في نفس اللحظة.
سهير لما سمعت سيرة الشرطة والنيابة، اتوترت ومسكت إيد ابنها:
— امشي يا أحمد دلوقتي… امشي مش هنوسخ إيدينا، القضايا هي اللي هتأدبها.
نزلوا قبل ما الدورية توصل، بس الحركة دي أكدتلي إن أحمد ناوي يلعب بدناءة لأخر نفس.
تاني يوم الصبح، الأستاذ فاروق طلبني في المكتب. لما دخلت لقيت قدامه أوراق كتير ومحاضر.
— ندى، أحمد رفع عليكي دعوى “تمكين مشترك” من الشقة باعتبارها بيت الزوجية، وكمان عمل بلاغ كاذب بإنك استوليتي على مبالغ مالية وذهب يخصه كان في الخزنة.
ابتسمت بسخرية: — ده كان متوقع.
الأستاذ فاروق كمل بثقة:
— المتوقع بقى إحنا جهزناله رد يعلمه الأدب. أولاً، عقود الملكية المسجلة من زمان بتبتنع إنها تكون شقة زوجية مملوكة للزوج. ثانياً، بلاغ الذهب والمبالغ؟ إحنا محضرين شهادة حركات الحسابات البنكية اللي بتثبت إنه هو اللي كان بيسحب من حسابك أنتِ شخصياً على مدار السنتين اللي فاتوا بتوكيلات قديمة تلغوها. إحنا مش بس هنرفض دعواه… إحنا هنرفع عليه قضية تبديد واستيلاء على أموال.
في نفس الأسبوع، جالي إشعار بقضية الطلاق للضرر اللي رفعتها عليه، مرفق معاها التسجيلات الصوتية ومستندات السحب المالي.
أحمد بدأ يحس إن الحبل بيبدأ يتلف حوالين رقبته. الفلوس اللي كان بياخدها مني عشان يصرف بيها على فشله وتجارته الخسرانة اتفطمت، والبيت اللي كان فاكر إنه هيورثه أو ياخد نصيبه فيه ضاع منه، فوق ده كله القضايا بقت بتهدده بالسجن.
في يوم، جالي اتصال من رقم غريب. ردت لقيت صوت أحمد… بس المرة دي ماكانش الصوت المتكبر، ولا الصوت اللي بيضحك بثقة. كان صوت مكسور، ملين رجاء ورعب.
— ندى… أرجوكي اسمعيني.
سكت وما رديتش، سبته يتكلم.
— ندى… أمي هي اللي كانت بتزقني، أنا والله العظيم بحبك وعمري ما تخيلت أذيكي. أنا خسرت شغلي، والقضايا اللي رفعتيها عليا هتضيعني وندخل في سجن ودوشة. ارجوكي نتنازل عن القضايا وتديني مهلة، وأنا مستعد أطلقك بهدوء وأبعد عن حياتك خالص!
رديت عليه ببرود أشد من التلج:
— اللي بيحب ما بيسميش مراته “بقرة ساذجة” يا أحمد. واللي بيحب ما بيخططش يسلبها حق أهلها ويرميها في الشارع. أنت ما خسرتش عشان أمك… أنت خسرت عشان طمعك.
— يا ندى حرام عليكِ! أمي تعبت وأغمى عليها لما عرفت إن الحسابات اتجمدت وإن القضية شغال فيها محامي كبير! أنتِ عايزة تخربي بيتنا وعيلتنا؟
— بيتكم اتخرب يوم ما بنيتوه على الخداع. والقضايا مش هتقف… كل قرش أخدته مني بالباطل هيرجع للقانون، وحق أبويا وأمي اللي كنت عايز تسرقه، هيدفعك تمنه غالي أوي.
قفلت السكة في وشه قبل ما يسمع مني أي كلمة ثانية.
بعدها بيومين، الأستاذ فاروق كلمني وقالي إن أحمد وأمه رايحين جايين على المحكم يحاولوا يلاقوا أي ثغرة في العقود أو الأوراق، بس كل باب بيلاقوه مقفول بضبة ومفتاح. سهير كانت بتصوت في الممرات وبتقول إن ندى ضحكت عليهم وضحكت على ابنها، بس محدش كان بيلتفت ليها لأن الأوراق الرسمية هي السيدة.
وقفت في بلكونة بيتي، الشوارع تحت هادية، وبصيت للسما. حاسة إن كابوس الـ ١١ سنة بيتلاشى خطوة بخطوة، والست اللي كانت فاكرة إن الحب هو السكوت على الظلم، كبرت وعرفت إن الأمان مش راجل… الأمان هو إنك تكوني قوية وعارفة حكايتك وحقك فين.
أحمد وسهير كانوا فاكرين إن دي نهاية المعركة وأنهم مجرد خسروا شقة… بس هما ماكانوش يعرفوا إن المفاجأة الكبيرة اللي حضرتهالهم في الجلسة الجاية، هتخليهم يتمنوا لو كانوا سابوني في حالي من أول يوم.
مرت الأيام وثقل القضايا بدأ يضغط على رقبة أحمد وأمه زي الملقاط. أحمد المحاكم بدأت تطارده في قضايا التبديد والاستيلاء، وأمه اللي كانت فاكرة إن اللسان الطويل والردح في ممرات المحاكم هيجيب نتيجة، لقيت نفسها قدام واقع أسود: ابنها مهدد بالسجن، والفلوس اللي كانوا بيسحبوها من حسابي اتقفلت الحنفية عنها تماماً.
لكن الجشع لما بيتوجه لحيطة سد، بيتحول لغل أعمى.
في يوم أربع الصبح، اتصل بيا الأستاذ فاروق وصوته فيه نبرة جدية وحذر:
— ندى، أحمد وأمه قدموا طعن بالتزوير على أصل عقد البيت اللي أبوكي كتبهولك، ورفعوا دعوى جديدة بيطالبوا فيها بإثبات صورية العقد، وجايبين اثنين شهود زور من قرايبهم هيشهدوا إن البيت ده كان أحمد مشارك في ثمنه بنسبة ٥٠٪؜ وإنه ادالك الفلوس كاش زمان!
ما اهتزتش، بس حسيت بقرف شديد من رخصهم.
سألته: — شهود زور؟ للدرجة دي؟
رد فاروق بابتسامة خبيثة:
— هما فاكرين إنهم أذكياء، وفاكرين إن المحكمة بتعتمد على الكلام الفاضي ده. بس هما وقعوا في الحفرة اللي حفرنوها بنفسهم. المفاجأة اللي جهزتهالهم للجلسة الجاية هتنهي المسرحية دي للأبد.
يوم الجلسة في محكمة الأسرة، القاعة كانت زحمة، والجو فيه توتر مكتوم.
قعدت في المقاعد الخلفية جنب الأستاذ فاروق، وأنا لابسة نظارتي السوداء وبدلة كحلي أنيقة، هادية وواثقة تماماً.
بعد دقائق، دخل أحمد مع أمه سهير ومحاميهم. أحمد كان شكله متبهدل، وشه شاحب، وتحت عينيه سواد سنين، كأنه كبر عشر سنين في كم أسبوع. أما سهير، فكانت رافعة رأسها بتصنع، وبتبصلي بنظرات غل وحقد وكأنها عايزة تتلهمسني بعينيها.
نادى القاضي على القضية:
— رول رقم ٢٤… قضية إثبات صورية وادعاء بالمشاركة!
وقف محامي أحمد وبدأ يتكلم بصوت جهوري ومسرحي:
— سيادة القاضي، موكلي الأستاذ أحمد قضى ١١ سنة مع المتهمة ندى، وكان بيحط كل شقاه وعرقه في البيت ده! هما اتفقوا زمان إن البيت يتكتب باسمها صورياً لدواعي عائلية، لكنه دفع أكتر من نص ثمن العقار والمباني والتجديدات، ومعانا اثنين شهود يثبتوا إن المبالغ اتسلمت كاش للمرحوم والدها!
وقف الشهود، اثنين من أعيان عيلتهم، وحلفوا اليمين كذب وبكل عين جرباء شهدوا إنهم شافوا أحمد وهو بيسلم أبويا الله يرحمه شنطة فيها فلوس كاش قبل الجواز!
سهير كانت قاعدة في الجلسة وابتسامة النصر المسمومة راجعة لوشها تاني، وبتبص لأحمد وكأنها بتقوله: “خلاص جيبناها في الشوال”.
القاضي بص للأستاذ فاروق وقال:
— دفاع المدعى عليها… عندك رد على الشهود والطعن؟
وقف الأستاذ فاروق بكل هدوء، شال نظارته وقفل الفولدر اللي في إيده، وبدأ يتكلم بصوت واثق ورصين هز القاعة:
— سيدي القاضي… سأوفر على المحكمة الموقرة وقتها في الاستماع لشهادات زور مأجورة.
المدعي ووالدته يدعون المشاركة والتزوير، ويجلبون شهوداً ليقسموا بالباطل على وقائع لم تحدث. ونحن لا نملك فقط العقود الرسمية الموثقة من الشهر العقاري منذ أكثر من ١٥ عاماً بملكية المرحوم والد الموكلة بالكامل… بل نملك ما هو أقوى من ذلك بكثير.
فوق الأستاذ فاروق ملف أسود كبير وحطه قدام المنصة:
— أولاً: بنقدم للمحكمة الموقرة كشف حساب بانكي موثق بالبصمة الإلكترونية يثبت إن المدعي أحمد طوال فترة الزواج البالغة ١١ عاماً لم يكن يملك أي دخل يتيح له دفع جنيه واحد في هذا العقار، بل على العكس… الملف يحتوي على إيصالات سحب وتحويلات مالية شهرية متواصلة من حساب موكلتي الشخصي لحسابه هو، لإنفاقه على مشاريعه الخاسرة وتجارته الفاشلة!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى