روايات وقصص

انا متجوزه حكايات رومانى مكرم 3

الضلمة كتمت على صدورنا فجأة كأن السما وقعت على الأرض، ومع صوت فحيح التليفون، حسيت ريقي نشف ودقات قلبي بتدق في وداني زي طبول حر. التليفون كان على الاسبيكر، وصوت الدسوقي طالع منه بارد ومسموم، يخلي شعر الضهر يقف: “عشر دقايق بالتمام يا أسطى إبراهيم، تفتح باب العمارة وتنزل حاطط الشنطة بالورق والشرايط على الرصيف وترجع مكانك، غير كده… رجالة الغول محاوطين البيت بجراكن بنزين، والولاعة جاهزة، وولاد هدى التانيين في السجن مش هيستنوا للصبح، السكينة بتسن على رقابهم دلوقتي جوة العنابر”.

 

التليفون قفل بتكة ناشفة، والصمت اللي نزل بعد المكالمة كان أتقل من الصخر. صفاء ونهى برة في الصالة كتموا بؤ عيالهم بإيديهم وهما بيتنفضوا، حتى الصريخ خافوا يصرخوه، وأمي جوة الأوضة ساندة ضهرها على السرير وبتهمس بآيات الله بصوت مهزوز بس مليان يقين مبيتكسرش. الحاج عبد الصمد اترعش وتراجع خطوتين لورا، رجليه خبطت في الخرسانة المكسورة، وقال بصوت مخنوق: “يا ابني ده الدسوقي الغول، رجل أعمال وواجهة لعصابات تقيلة، ده مابيرحمش! إديله الورق يا إبراهيم وخلينا نطلع بالروح، البيت هيولع وإحنا عزل ملناش ضهر!”.

إبراهيم ماردش في ساعتها، كان وشه متصلب في الضلمة مش باين منه غير لمعة عينيه تحت ضوء شاشة التليفون الخافت. كان راكع على ركبة ونص جنب الحفرة، إيده بتمر على الملفات القديمة والشرايط المسجلة، ملامحه كانت بتتحول من الصدمة لغضب بارد وهادي يوجع أكتر من الزعيق. مد إيده بهدوء، لم كل الورق والشرايط وحطهم في كيس بلاستيك أسود سميك، وقفل الصندوق الحديدي برجله وهو بيقول بنبرة خلت دمي يبرد: “الندل لو إديته سلاحك عشان تشتري بيه روحك، أول ما ياخده هيدبحك بيه عشان يمسح أثرك.

الدسوقي مش عاوز الورق بس يا حاج، الدسوقي عاوز يمحي البيت وأهله عشان السر يدفن للأبد وما يفضلش شاهد واحد على جرايمه القديمة، ولو سيبناله الورق كده، هنولع برضه”. قام إبراهيم وقف بطوله، بصلي ومسك إيدي بإيده التانية اللي كانت سخنة زي الجمر، ضغط عليها ضغطة رجولة وثبات وقال بهمس سريع: “هدى.. ادخلي لمي أمك والعيال ونسوان إخواتك، وادخلوا الحمام اللي في منور الدور التاني، الحمام ده متبطن بخرسانة ومفيش فيه شبابيك على الشارع وفيها حنفية ماية مفتوحة لو حصل أي دخان، اقفلوا على نفسكم من جوة بالمفتاح والترباس، ومحدش ينطق ولا يفتح إلا بصوتي أنا.. سامعة؟ بصوتي أنا وبس!”.

مسكت في صدر قميصه وأنا بعيط بهستيريا مكتومة: “رايح فين يا إبراهيم؟ هترميلهم نفسك في الشارع؟ دول ديابة مسلحين وأنت لوحدك!”. باس جبيني بسرعة وقوة خلتني أثبت غصب عني: “أنا مش لوحدي، معايا ربنا وبركة دعا أمك اللي صونتها، والراجل مبيضيعش غير في يومه يا هدى.. نفذي اللي قولتلك عليه وما تبصيش وراكي!”.

جريت بالعيال وبصفاء ونهى وأمي، دخلنا الحمام وقفلنا الباب بالترباس الحديد، كان صوت تكتكات الخوف طالعة من سناننا كلنا، والعيال دافنين وشوشهم في عبايتي، وأمي قاعدة على الأرض حاطة إيدها على قلبي وتقولي: “إبراهيم محروس بدعايا يا هدى، ربنا مبيكسرش قلب راجل ستر ولية وكبر بخاطرها، إبراهيم منصور بإذن الله”. في الوقت ده، إبراهيم طلع على السطوح في الضلمة من غير ما يشغل أي نور، الحارة كانت ميتة ومافيهاش صريخ ابن يومين بعد ما قطعوا الكهربا عشان يغطوا على عملتهم.

من فوق السور الواطي للسطح، لمح عربيتين جيب سود واقفين على ناصية الحارة، وتلات رجالة متلثمين ماسكين جراكن وماشيين في خط السير ناحية مدخل بيتنا. إبراهيم مكنش خارج يستسلم، إبراهيم كان دماغه بتوزن الدهب بالمليم.. قبل ما يخلصوا العشر دقايق، نزل إبراهيم شقته بهدوء الصياد، فتح دولابه وطلع تليفون قديم بزراير كان سايبه للطوارئ، واتصل بنمرة كان مسجلها في كراسته القديمة من أيام ما كان بيخدم في الجيش، نمرة اللواء “محمود الصياد”، اللي كان دفعة والده وكان إبراهيم صلّحله عربيته الخاصة من شهرين والراجل قاله بحسن نية: “لو احتجت أي سند في أي وقت يا إبراهيم، رن عليا في أي ساعة”.

إبراهيم في دقيقة واحدة حط الراجل في الصورة، مش بس قاله الحقني، قاله: “معايا شرايط وتسجيلات قضية دفن النفايات والقتل العمد بتاعة سنة 1989 اللي هرب منها الدسوقي الغول زمان، والصندوق اتفتح، ورجالته دلوقتي محاصرين البيت عشان يطمسوا الأدلة ويحرقونا!”. الراجل على الطرف التاني صوته اتغير 180 درجة، مكنتش مجرد استغاثة مواطن، دي كانت قنبلة سيادية بتنفجر وبتفتح ملف قضية رأي عام دفنت من تلاتين سنة وعجزت أجهزة الدولة وقتها عن إثباتها بسبب غياب الشهود. اللواء صرخ في التليفون: “اثبت يا إبراهيم واقفل عليك، القوات الخاصة وقطاع الأمن الوطني هيتحركوا حالاً، أربع دقايق وتكون القوة عندك، اوعى تسلمهم ورقة واحدة!”.

بس الأربع دقايق في وقت الخطر بيعدوا كأنهم أربعين سنة. تحت على باب البيت، بدأ صوت سكب البنزين يرش على الخشب، وريحة الغاز والبنزين بدأت تخترق الممر والسلالم ووصلت لخياشيمنا في الحمام، وصوت الدسوقي رجع يصرخ من تحت بميكروفون عربية بصوت عالي كسر سكون الليل كله: “خلص الوقت يا إبراهيم! ارمي الصندوق من البلكونة حالاً وإلا الشرارة هتنزل والبيت هيبقى كوم رماد باللي فيه!”.

إبراهيم مكنش قدامه حل غير إنه يكسب كل ثانية لحد ما القوات توصل، فتح شباك الدور الأول ووقف بكبرياء وشموخ والشنطة السودة في إيده، وبص لتحت على الرجالة المتلثمين والدسوقي اللي كان واقف ورا عربية الجيب ولابس بدلة سودا ونظارة شمس بالرغم من عتمة الليل، وقال إبراهيم بصوت جهوري رج الحارة كلها: “أنا مش هرمي الورق يا دسوقي، الورق مش هتاخده إلا لما تسحب رجالتك لآخر الشارع وتركب عربيتك، عشان لو رميته من هنا وشرارتك لمست البيت، الشرايط دي هتدوس عليها برجلي وأحرقها بنفسي قدام عينك، وتضيع فرصتك الوحيدة إنك تقفل ملفك الأسود!”.

الدسوقي ضحك ضحكة شيطانية شقت سكون الشارع: “بتتفاوض معايا يا أسطى على دقيقة في عمرك؟ طب وحياة أمك لأدفنك مع الشرايط!”، ورفع ولاعته وادا إشارة للراجل اللي ماسك الجركن، والشرارة كانت خلاص هتلمس الأرض والبنزين هيمسك في أركان البيت، لكن فجأة… صوت رصاصة واحدة مباغتة وصادمة قطعت الهواء من مكان عالي في الشارع التاني، نزلت في كتف الراجل اللي ماسك الولاعة فطارت من إيده في الهوا، وفجأة اتحولت الحارة كلها لنور أبيض يعمي العيون من كشافات مدرعات العمليات الخاصة اللي سدت مدخل الحارة ومخرجها في ثانية واحدة!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى