
صفارات الإنذار دوّت بهستيريا، وأصوات ضباط مكافحة الإرهاب بتصرخ في الميكروفونات: “اثبت مكانك أنت وهو! ارمي السلاح على الأرض وانبطح!”. الحارة اتقلبت ساحة مواجهة، وضرب نار متبادل في كل مكان، وإبراهيم نايم على أرضية البلكونة بيحمي الشنطة بجسمه، ورصاص بيخرم في حيطان البيت وإزاز الشبابيك بينزل علينا دش زي المطر. بعد عشر دقايق من الاشتباك اللي خلع قلوبنا في الحمام، صوت الرصاص سكت فجأة، وحل محله صوت كلابشات وأوامر صريحة بالقبض على كل التشكيل العصابي، وصوت الدسوقي وهو بيتجر على الأرض وبيصرخ بصوت ذليل مكسور بعد ما اتصاب في رجله واتحطت الكلبشات في إيديه.
الباب اتخبط علينا براحة، وصوت إبراهيم الحنين المنهك نده: “افتحي يا هدى.. افتحي يا أمي، ربنا نصرنا والغم انزاح”. خرجنا وإحنا بنترعش، لقيت إبراهيم واقف قدامنا، هدومه غرقانة تراب وعرَق، ودراعه اليمين بينزف دم نتيجة شظية إزاز، بس عيونه كانت بتلمع بعزة ونصر عمري ما شفت زيهم في حياتي، ووراه كان واقف اللواء محمود ومعاه رئيس نيابة أمن الدولة العليا عشان يستلموا الصندوق رسمي.
لكن وسط الفرحة والنصر ده كله، وقبل ما نلحق نتنفس الصعداء، دخل أمين شرطة بيجري ومعاه جهاز اللاسلكي وهو بينهج، بص للواء ولإبراهيم ووشه كان مخطوف ومسود من خبر شؤم سمعه في الجهاز، وقال بصوت متلجلج ومرعوب: “يا فندم.. جالنا إشارة عاجلة وسرية من سجن طرة المركزي حالا… فيه تمرد اتعمل في عنبر 4 مخصوص للتغطية على العملية دي، و…”
“انطق يا ابني! في إيه في عنبر 4؟” صرخ اللواء محمود وهو بيشد أمين الشرطة من كتفه، وعيون إبراهيم اتعلقت على شفايف الراجل وهو حابس أنفاسه، بينما صفاء ونهى وقفوا ورايا يتنفضوا كأن مسهم تيار كهربا. بلع الأمين ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: “يا فندم.. المساجين التابعين للدسوقي جوة ولعوا في البطاطين وعملوا شغب عشان يشتتوا الحراسة، ودخلوا على زنزانة طارق وسامح بأسلحة بيضا متهربة! الحرس اتدخل للسيطرة على الشغب، بس… الاتنين اتصابوا إصابات خطيرة جداً، ونقلوهم في عربيات إسعاف مصفحة على قصر العيني الفرنساوي بين الحياة والموت!”.
الصرخة اللي شقت البيت ساعتها ما كانتش من صفاء ولا نهى.. كانت من أمي! عكازها وقع على البلاط برنة وجع خرمت الودان، وجسمها كله ساب، وقعت بين إيديا أنا وإبراهيم وهي بتضرب على صدرها بضعف ونحيب يقطع نياط القلب: “ولادي.. ضنايا اللي شيلتهم على إيدي يا رب! استرهم يا رب ورد فيهم الروح.. إبراهيم! والنبي يا ابني خدني ليهم، عايزة أشم ريحتهم!”.
إبراهيم ماترردش لحظة، ملامحه اللي كانت صارمة لانت في ثانية واحدة بوجع راجل بيشوف دموع ولية عاجزة، بص للواء محمود وقاله بنبرة حاسمة: “يا سيادة اللواء، الأمانة والشرايط والصندوق في حمايتك وفي إيد النيابة، وأنا لازم أتحرك مع أمي فوراً للمستشفى، دول لحمها وعمرها ما هتسامح نفسها لو راحوا وهي مش جنبهم”. اللواء مسك إيد إبراهيم باحترام وتقدير وقال: “أنت راجل من ضهر راجل يا إبراهيم، عربية حراسة هتتحرك قدامكم تفتحلكم الطريق لحد المستشفى، وحق البلد وأبوك محفوظ”.
ركبنا العربية، صفاء ونهى فضلوا في البيت مع العيال والحاج عبد الصمد، وخدنا أمي اللي كانت بتتمتم بآيات وأدعية لسانها مبطلهاش ولا ثانية، وإبراهيم رابط دراعه المجروح بشاش أبيض وماسك دركسيون عربيته اللي كانت بتطير في شوارع القاهرة اللي لسه ساكنة قبل خيوط الفجر الأولى. وصلنا قصر العيني، كانت مدرعات الشرطة محاصرة بوابة الطوارئ، والدنيا مقلوبة أطباء وممرضين بيجروا بتروليات غرقانة شاش ودم.
جرينا ورا الترولي، لمحنا طارق وسامح.. المنظر كان يشيب له شعر الراس! الاتنين وشوشهم زرقة ووارمة، أجهزة التنفس الصناعي مغطية ملامحهم، والدم مسرّب من بطونهم وصدورهم، وإيديهم متكلبشة في جوانب السراير الحديد وحواليهم حراسة مشهددة. أول ما أمي شافتهم بالمنظر ده، زحفت على الترولي ومسكت إيد طارق المتلجة، وبقت تبوس صوابعه وتشهق: “سامحتكم يا ولادي.. سامحتكم دنيا وآخرة، بس عيشوا.. متكسروش قلبي عليكم، فتح عينك يا طارق، شوف إبراهيم جوز أختك اللي طردتوه، جه بدمه عشان ينجدكم!”.
في اللحظة دي، طارق فتح جفن عينه بالعافية، عينه كانت غايمة وبتدمع دم خفيف، لمح إبراهيم واقف جنب أمه وساندها، حرك شفايفه تحت ماسك الأكسجين بصوت ضعيف جداً مكنش مسموع غير كهمس محتضر: “سـ… سامحني.. يا… يا أخويا.. ضيعنا نفسنا.. وإنت اللي صونت الشرف.. سامحني”. مسك إبراهيم إيده المتكلبشة وضغط عليها بحنية راجل كبير وقاله بصوت مخنوق بالدموع: “مسامحك لوجه الله يا طارق.. قوم عشان عيالك وعشان أمك، شد حيلك وربنا غفور رحيم”.
دخلوهم أوضة العمليات الكبرى ورا الستارة، وفضلنا قاعدين في الممر الطويل بالساعات، الشمس بدأت تطلع وتفرش نورها على قزاز المستشفى، نور نهار جديد بعد أطول وأسود ليلة عشناها في حياتنا. بعد أربع ساعات، خرج رئيس الفريق الطبي، وشه مرهق وعرقه سايح، قلع الكمامة وبص لأمي وابتسم ابتسامة باهتة خلت روحي ترجعلي: “الحمد لله يا حاجة.. طلعنا النزيف الداخلي وخيطنا الجروح، عدا مرحلة الخطر بأعجوبة، هيفضلوا في العناية المركزة تحت الملاحظة، بس الروح لسه فيها نصيب يعيشوا ويصلحوا اللي فات”.
أمي سجدت على الأرض للمرة التانية، سجدت وحمدت اللي نجاهم، والكلابشات بدأت تتفك بأمر مباشر وصل من النيابة بعد التحقيقات العاجلة اللي أثبتت إنهم كانوا مجرد ضحايا ابتزاز وتوريط من الدسوقي، وإن التعاون اللي قدمه إبراهيم بالصندوق فكك الشبكة كلها، وتم تحويل قضايا الشيكات والتبديد لمسار تسوية قانونية تضمن خروجهم بعد فترة عقوبة مخففة لا تتعدى شهور لانقضاء الدعوى بالتصالح وسقوط تهم النصب. رجعنا البيت مع الضهر، الحارة كلها كانت واقفة مستنية، نسوان الحارة وزغاريدهم ملت السما، والرجالة شالوا إبراهيم على كتافهم من أول مدخل الشارع لحد باب البيت.
دخلنا الصالة، صفاء ونهى نزلوا باسوا راس أمي ورجلها، وبعدين لفوا لإبراهيم ودموعهم نازلة تغسل سنين الكبر والجهل: “حقك فوق راسنا يا أسطى إبراهيم، إحنا اللي كنا شياطين وعمينا عيون رجالتنا، ومن هنا ورايح إنت كبيرنا وتاج راسنا، ومالناش كلمة بعد كلمتك”. إبراهيم بص للبيت، وبص للصندوق الحديدي اللي كان لسه مفتوح في أوضة الخزين، وقعد جنب أمي على الكنبة، مسك إيدها وباسها وقال بهدوء ورضا: “الليل الطويل خلص يا ست الكل.. وكل واحد خد درسه، والأمانة رجعت لأهلها”.
لكن في اللحظة دي، دخل الحاج عبد الصمد ومعاه ظرف أبيض كبير ومختوم بختم رسمي لسه واصل حالا مع مندوب من المحكمة والشهر العقاري، بص لإبراهيم وقال بصوت جهوري خلى كل اللي في الصالة يسكتوا تماماً: “لسه فيه وصية أخيرة أبوكم كان سايبها مع الصندوق وما تفتحش غير لما كل أطراف القضية تخلص… وصية هتقلب موازين البيت ده كله من أول وجديد!”. سكتت الصالة كلها، والأنفاس اتكتمت من تاني لما مسك الحاج عبد الصمد الظرف الأبيض المختوم، تقدم خطوتين وناوله لإبراهيم.
إبراهيم فك الشمع الأحمر بحرص، وطلع ورقة قديمة بخط أبويا الله يرحمه، ورقة متوثقة رسمي بتاريخ قديم قبل وفاته بشهور. بص إبراهيم في الورقة، وعيونه اتملت بدموع حبسها بالعافية، وبدأ يقرا بصوت عالي سمعه كل اللي واقفين: “أنا عبد الرحمن، بكتب وصيتي دي وأنا بكامل قواي العقلية وعارف إني هقابل وجه كريم. عارف إن طمع الدنيا هيدخل بين ولادي، وعارف إن طارق وسامح عينهم على البيت والقرش وهيضيعوا نفسهم ورا السراب، وعارف إن بنتي هدى مالهاش ذنب. عشان كده، ربع البيت ده وأرض المخزن شيلتهم أمانة للي يصون أمهم ويشيل عارهم لو مال الزمان.. إبراهيم ابني بالرضا والشرع”.
صفاء ونهى قعدوا في الأرض يبكوا بدموع التوبة والندم، مفيش في عينهم ذرة اعتراض، بالعكس كانوا بيبوسوا إيد أمي ويحمدوا ربنا إن ليهم سقف يلم عيالهم وما اترموش في الشارع. الحاج عبد الصمد نزل راسه وقال: “أبوكم كان راجل حكيم، شاف اللي جاي بقلبه، وحط الحق في إيد اللي يستاهله”. مرت ست شهور كأنها نسمة صيف بعد عاصفة تقيلة. طارق وسامح خرجوا من السجن بعد انتهاء العقوبة المخففة والتصالح في كل الشيكات، خرجوا الاتنين مكسورين الجناح، بس نفوسهم اتطهرت من كل وسخ السنين.
أول خطوة خطوها برة السجن، كانت على بيت أبوهم، دخلوا الصالة ركعوا على ركابهم قدام رجلين أمي، وبكوا بكا عيال صغيرة، وأمي فتحت دراعاتها وحضنتهم ودموعها بتغسل قلوبهم: “المهم إنكم رجعتوا لربنا ولعيالكم برجولة وشرف”. طارق وسامح قاموا وراحوا لإبراهيم، وطوا راسهم عشان يبوسوا إيده، لكن إبراهيم شد إيده بحزم ورفعهم لحضنه وقال بصوت راجل أصيل: “محدش يبوس إيد حد هنا، إحنا إخوات والدم ميبقاش مية، المهم السكة العوجة متدخلوهاش تاني”.
إبراهيم ما رضييش يخليهم مذلولين، فتح ورشة الميكانيكا والحدادة الكبيرة من فلوس الشيك اللي اتفك، وخلى طارق وسامح شركا معاه بعرقهم وشقاهم، يشرفوا على الشغل وياكلوا لقمة حلال يعيشوا بيها هما وعيالهم بكرامة. وفي ليلة الجمعة، كانت الصالة مليانة بريحة البخور وصوت إذاعة القرآن الكريم، والعيال الصغيرين بيلعبوا ويضحكوا حوالين جدتهم، وأمي قاعدة في صدر البيت متسندة على المخدات وشها منور برضا الدنيا والآخرة، بتسبح وتدعي لكل اللي في البيت. دخل إبراهيم وشايل في إيده صينية الشاي بالنعناع، قعد جنبها وباس راسها، فبصتله وابتسمت ابتسامة ردت فيها الروح وقالت: “يا بخت اللي ربنا راضي عنه ورازقه بأصل زيك يا إبراهيم.. دخلت بيتنا غريب، وبقيت أنت عمود البيت وبركته”.
بصيت لإبراهيم، وبصيت لأمي، وحسيت إن ربنا عوضني عن كل دمعة خوف وكسرة بسبع سنين عز وأمان، وعرفت إن الدنيا مهما ضاقت وظلمت، مفيش باب مقفول ميتفتحش بدعوة أم راضية، ومفيش راجل بيشيل حمول الناس لوجه الله إلا وربنا يرفعه فوق كتاف الكل.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



