روايات وقصص

المرأة التي هدمت عرشي ج 2 حكايات شروق

صوت الحطام الذي تركته وراءها كان أصدق من ألف صوت رصاص. خلال ساعات قليلة، بدأ الخبر يتسرب في كواليس السوق ورجال الأعمال، وفي عالم المافيا والنفوذ، الدم والجوع لا يرحمان الضعفاء. من كان يخشى اسم “يوسف الشرقاوي” أمس، بدأ يتساءل اليوم عن حقيقة هذا الانهيار المفاجئ، وبدأت الأسنان تبرز في الظلام من قبل الحلفاء قبل الخصوم.

رن هاتفي المكسور على الأرض بطريقة مزعجة ومتقطعة. كان رقم نور يضيء على الشاشة المهشمة. نظرت إليه طويلاً ببرود تام. للمرة الأولى، لم أكن أرغب في الهروب إلى جناحها السري، ولم تعد كلماتها المعسولة تعني لي شيئاً.

لقد أدركت أخيراً أن نور لم تكن سوى مرآة لغروري الأحمق، بينما كانت مريم هي الحقيقة الوحيدة التي بنيت عليها حياتي. ضغطت على زر الرفض بقدمي، ثم أغلقت الهاتف نهائياً وألقيت به في سلة المهملات. فتحت درج المكتب القديم، وأخرجت المسدس الحقيقي هذه المرة.

 

. المسدس الحقيقي المحشو بالرصاص الثقيل، ذلك الذي كنت أحمله في أيام البدايات الصعبة على أرصفة القاهرة قبل أن يبتلعنا الجشع والثروة. وضعت المسدس في جيب معطفي الأسود، ونظرت إلى وجهي في مرآة الحائط الكبيرة. رجل في الثانية والأربعين، يملك إمبراطورية من الديون والعداوات، وطوفاناً من الندم الذي لا ينتهي.

خرجت من القصر الخاوي، وتركت خلفي كل شيء: الشركات المشبوهة، والرجال المرعوبين المنتظرين في الخارج، واسمي الذي بات لغزاً ومسرحية خاسرة. ركبت سيارتي وحدي، وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يكن هناك سائق ولا حراس يتبعون موكبي.

سرت في شوارع القاهرة الفجرية الهادئة والباردة، وأنا أدرك أنني أنطلق في رحلة بلا أمل في العودة، ليس لأبحث عن مريم لأعيدها بالقوة كما كنت أفعل مع أي شيء أملكه، بل لأبحث عما تبقى من إنسانيتي..

أو لعلني أذهب لأقف أمام الباب الذي تختارني هي خلفه، راضياً بأن أكون خاسراً تماماً، طالما أن الخسارة هي الثمن الوحيد لكي أعرف معنى أن يُحبني شخص بصدق.#حكايات_شروق_خالدسارت السيارة على الطريق الصحراوي الرابط بين القاهرة والإسكندرية، وكأن العجلات تسحب معها أثقال سنوات طويلة من الغرور والجشع.

الضباب كان كثيفاً يلف الطريق، تماماً مثل الغشاوة التي كانت تعميني طوال تلك السنين. لم يكن لدي وجهة دقيقة في البداية، لكن عقلي الباطن كان يقودني تلقائياً إلى المكان الوحيد الذي عرفناه قبل أن تبتلعنا أموال السلطة وعالم النفوذ.

شقة صغيرة متواضعة على شاطئ الإسكندرية، تلك التي قضينا فيها أيامنا الأولى بعد الزواج، حين لم نكن نمتلك سوى أحلامنا وبعض الجنيهات المعدودة. في ذلك الوقت، كانت مريم تنظر إلى عيني وتقول إن السعادة لا تحتاج إلى قصور، بل إلى قلبين يصدقان بعضهما.

وصلت مع أول ضوء للنهار. كانت الإسكندرية صامتة، والبحر يرسل أمواجه الباردة لتلامس الصخور بصوت رتيب يطرد صخب العالم القديم الذي تر خلفي. أوقفت السيارة بعيداً وترجلت منها أمشي على قدمي بخطوات بطيئة نحو ذلك المبنى القديم المتهالك الذي يحمل ذكرياتنا النقية الأولى.

هل ستكون هناك حقاً؟ أم أنني أسعى خلف وهمٍ آخر؟صعدت السلالم الخشبية العتيقة، وكأن كل خطوة تعيد تشكيل روحي من جديد وتجرّدني من ألقاب الزيف. توقفت أمام الباب الخشبي البسيط. لم يكن هناك حراس يقفون في الحراسة، ولا سيارات سوداء تتبعني، ولا أعداء يتربصون بي.

كنت أنا فقط.. بملابسي المنهكة، وغبار الندم يملأ روحي. مددت يدي المرتعشة لأطرق الباب. لم تكن طرقة آمرة وقاسية كعادتنا في القصور، بل كانت طرقة خافتة، متوسلة، كإنسان ضال يعود إلى أصله بعد طول ضياع. انفتح الباب ببطء. لم تكن مريم تحمل مسدساً ولا رسالة تحذير.

كانت تقف هناك بملابسها البسيطة المعتادة، وفي عينيها ذلك الهدوء العجيب الذي طالما هزم طغياني دون أن ترفع سلاحاً قط. نظرت إليّ طويلاً، كأنها تقرأ كل خيبة أمل وكل دمعة حبستها طوال الساعات الماضية، ثم تنحت جانباً وفتحت الباب على مصراعيه وقالت بصوت هادئ دافئ:”تأخرت طويلاً يا يوسف.

.. لكنك وصلت أخيراً.”دخلت من الباب، وامتزج عبق الماضي برائحة البحر المالحة التي كانت تملأ المكان. كأن الزمن قد تعطل هنا، متوقفاً عند تلك النقطة التي بدأنا منها قبل أن تسرقنا زحمة الدنيا وأموال السلطة.

 

أغلقت الباب خلفي بهدوء، ومع كل صوت صغير للإغلاق، شعرت بأن حملاً ثقيلاً كان يرتكز على كاهلي لسنوات طويلة قد انزاح تماماً عن كتفي. جلست على المقعد الخشبي القديم الذي عرفناه منذ أيام الشباب الأولى. نظرت إليكِ… عيناي تفيضان بدموع طال حبسها وراء قسوة الزعامة وكبرياء المزيفين.

تحركتِ في الصمت المعتاد، وذهبتِ لتحضير قدحين من الشاي الساخن بالنعناع، تماماً كما كنتِ تفعلين في ليالي الشتاء الباردة ونحن نبني حلمنا الأول من لا شيء. وضعتِ القدح أمامي وجلستِ مقابلتي، تنظرين إليّ بعينين لا يعرف الحقد طريقاً إليهما، لكنهما تحملان عمقاً ووضوحاً يفضحان كل أخطائي.

* “لقد خسرت كل شيء يا مريم”، قلتُ بصوت منخفض ومختنق بالندم. “الشركات، الأموال، النفوذ، وحتى اسمي الذي كان يخشاه الجميع…”نظرت إليّ مليّاً، ثم ابتسمت بابتسامتها الهادئة التي طالما كانت طوق نجاة في وسط عواصف حياتي.

* “أنت لم تخسر شيئاً يا يوسف”، قالت بهدوء يغسل روحي. “أنت فقط تخلصت مما كان يعميك عن رؤية الحقيقة. الإمبراطوريات تُبنى وتزول، والأموال تأتي وتذهب، لكن الإنسان إن خسر نفسه وقلبه، فلن تنفعه عروش الأرض قاطبة.

لقد كنت تبحث عن القوة في المكان الخطأ، بينما كانت القوة الحقيقية تكمن في القدرة على البدء من جديد بلا قيود.”مددت يدي المرتعشة لأمسك بيدكِ، تلك اليد التي طالما ضمّدت جروحي وصبرت على قسوتها.

ضغطتِ على أصابعي برفق، فشعرت بالدفء يسري في عروقي للمرة الأولى منذ سنوات. نظرت من النافذة الصغيرة المفتوحة على شاطئ البحر، حيث يبدأ الفجر الحقيقي في شق طريق وسط العتمة. أدركت حينها أنني وإن خسرت كل ما هددت به الآخرين، فقد استعدت نفسي.

.. واستعدت المرأة التي لم تكن يوماً تطلب مني سوى أن أكون الإنسان الذي أحببته بحق. رفعت نظري إليها، وهمست بصوت صادق لا يشوبه غرور: * “أنا لست يوسف الشرقاوي الباشا بعد الآن… هل تتقبلينني رجلاً بسيطاً يريد أن يبدأ الحكاية معكِ من جديد؟

“أومأت مريم برأسها، وبدت على شفتيها ابتسامة الرضا التي كانت أثمن ما امتلكته في حياتي قط. * “كنت أنتظر هذا السؤال منذ أحد عشر عاماً يا يوسف… أهلاً بك في بيتك.”#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى