روايات وقصص

المرأة التي عرشي ج 3. حكايات شروق

جلست هناك على المقعد الخشبي القديم، وأنا أحتسي الشاي الساخن الذي أعدته بيديها، وشعرت أن الهواء يعود إلى صدـ,,ـــري لأول مرة منذ سنوات. لم يعد هناك حراس ينتظرون في الخارج، ولا هواتف رنانة تطلب القرارات، ولا صفقات مشبوهة أو أعداء يتربصون.

كان هناك فقط صوت الأمواج المتلاحقة على شاطئ الإسكندرية، ودفء تلك اليد التي لم تتخلى عني رغم كل ما ارتكبته. مرت الأيام الأولى بطيئة، لكنها كانت مليئة بسلام لم أذقه طوال حياتي الصاخبة. بعنا ما تبقى من أثاث القصور الفخمة وتسوية الديون المعلقة لتبقى رؤوسنا مرفوعة أمام القانون، وتنازلنا عن كل ما يربطنا بالعالم القديم.

لم يعد “يوسف الشرقاوي” ذلك الباشا الذي يهابه الجميع، بل أصبحت ببساطة رجلاً أعاد اكتشاف نفسه بجوار المرأة الوحيدة التي أحبته لذاته لا لسطوته. في كل صباح، كنا نشسق هواء البحر معاً، نمشي على الشاطئ بلا قيود وبلا خوف من غدر الظلال.

 

«مربية ولاد زعيم المافيا كشفت السر اللي أخفى مرضهم سنين» ج1 #حكايات_شروق_خالد
منذ 3 أسابيع

أدركت حينها أن السعادة الحقيقية لم تكن أبداً في جدران القصور العالية، بل في الطمأنينة التي تسكن القلب عندما تجد من يعرف خطاياك ومع ذلك يختار أن يمسك بيدك من جديد. وهكذا، في تلك الشقة المتواضعة على حافة البحر الأبيض المتوسط، لم أكن قد فقدت شيئاً سوى الأوهام.

. ووجدت أخيرًا كل ما كنت أنشد طوال عمري.#حكايات_شروق_خالدمرت السنوات، وكأن الزمن أصبح صديقاً لا عدواً. لم يعد يهمنا ما آلت إليه تلك الإمبراطورية الوهمية التي بنيتها على أنقاض الخوف والغرور؛ فكل ما كان يهم حقاً هو طمأنينة الساعات البسيطة التي تجمعنا كل يوم.

افتتحنا مكتبة صغيرة متواضعة على كورنيش الإسكندرية، أقضي فيها وقتي بين الكتب القديمة وأحاديث المارة الهادئة، بينما كانت مريم ترتب أرففها بلمساتها الدافئة التي تضفي على المكان حياة ونوراً حقيقياً. في أحد الأيام، بينما كنا نجلس معاً على الشرفة وقت الغروب، مر أمام الواجهة شاب يبدو على وجهه التعب واللهاث خلف طموحات عمياء لا تنتهي.

وقف طويلاً يراقبنا من خلف الزجاج، كأنه يبحث عن شيء يفتقده في صخب العالم. نظرت إليه، وابتسمت بهدوء، وتذكرت ذلك الغريب المغرور الذي كنت أكونه قبل أعوام طويلة. مددت يدي لأمسك بكف مريم، وهمست لها بصوت دافئ: * “هل تمنيتِ يوماً أن نعود إلى هناك؟ إلى صخب القصور وسطوتها؟

“نظرت إليّ بعينيها الواسعتين اللتين طالما كانتا مرآة لروحي، وابتسمت بثقة تامة: * “لم أكن أتمنى سوى أن أجد الإنسان الحقيقي خلف كل تلك الألقاب… وقد وجدته أخيراً.”غربت الشمس في أفق البحر الأبيض المتوسط، تاركة خلفها لوحة من الذهب والنور، تماماً مثل تلك البداية الجديدة التي منحتنا إياه الأيام، حين أدركنا أن أثمن ما يملكه المرء ليس ما يسيطر عليه بقوة السلاح، بل من يختار أن يبقَى معه حين تسقط كل القناعات.

#حكايات_شروق_خالدوحين مال الليل بظلاله الهادئة على شاطئ الإسكندرية، وأغلقت المكتبة أبوابها الخشبية الصغيرة إيذاناً بنهاية يوم آخر هادئ، مشينا جنباً إلى جنب على الكورنيش. لم تكن هناك خطوات حراس من خلفنا، ولا سيارات مظللة تضيء الطريق بأضواء كاشفة؛

 

كان النور الوحيد الذي يضيء خطوتنا هو ضوء القمر المنسكب فوق صفحة البحر، وصوت الأمواج وهي تعزف لحن السلام الأبدي. توقفنا قليلاً لنتأمل الأفق الممتد بلا نهاية. أخذتُ نفساً عميقاً من الهواء النقي، وابتسمت وأنا أدرك أن أثقل دروع الدنيا وأقساها قد سقطت، ولم يتبقَ سواي وسواها.

التفتّ إليكِ، ووضعت يدي على كتفكِ برفق، وهمست بصوت يحمل كل معاني الحب والامتنان: * “تصبحين على خير يا كل حياتي.”نظرتِ إليّ بابتسامة تملأ قلبكِ طمأنينة، ورددتِ بصوت عذب يداعب مسامع الليل: * “وأنت من أهل السعادة يا يوسف.

.. نلتقي غداً في بداية جديدة أخرى.”وبهذا، أغلقنا صفحات الماضي المظلــ,,ـــــم تماماً، وبدونا نكتب معاً، يداً بيد، أجمل فصول العمر الذي طالما انتظره كلانا بصمت وصبر. المرأة التي هدمت عرشي
حكايات شروق خالد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى