
أحمد وشه اتخطف وبص لمكحاميه بتوتر شديد.
كمل الأستاذ فاروق بصوت أشد نبرة:
— ثانياً، وبناءً على الادعاء الكاذب بالصوريه والتزوير… إحنا بنقدم للمحكمة اليوم هارد ديسك يحتوي على تفريغ كامل وتسجيلات صوتية وفيديو موثقة بالزمان والمكان، تم التقاطها داخل منزل الموكلة قبل أسبوعين فقط من نشوب القضايا!
ساد الصمت في القاعة كأن على رؤوسهم الطير.
— وفي هذه التسجيلات… يظهر المدعي ووالدته الحاضرة بالقاعة، وهما يخططان تفصيلياً لكيفية الاحتيال على الموكلة، واستغلال ثقتها لانتزاع توكيل إدارة وتنازل عن العقار، ويصرح المدعي بعظمة لسانه وبصوته الواضح: “البيت اللي باسمها يساوي أكتر من الجوازة دي كلها… وعزومة حلوة وكلمتين حب وهي هتمضي على أي حاجة”!
سكت الأستاذ فاروق للحظة، ثم أضاف:
— ونطلب تحويل الشهود فوراً للنيابة العامة بتهمة شهادة الزور، وتحويل المدعي ووالدته للنيابة بتهمة محاولة النصب والتزوير والشروع في الاستيلاء على ملك الغير!
هنا، الصدمة كانت أقوى من ضربة ساطور!
سهير شهقت بصوت عالي جداً وقامت وقفت: — تسجيلات إيه؟ دي كدابة! دي بتتبلى علينا!
القاضي خبط بالمطرقة بقوة: — سكون في القاعة!
أحمد رجله ما شالتهوش، قعد على الكرسي كأنه جثة، وشه بقى أبيض زي الورق، وعينيه زايغة بين القاضي ومحاميه اللي وشه اتغير وبدأ يرجع لورا ويقفل أوراقه كأنه بيتبرأ منه.
القاضي بص في التفريغ والتقرير الفني المرفق مع الهارد ديسك، وبعد دقايق ممرت كأنها دهور على أحمد وأمه، رفع القاضي رأسه وبص لأحمد وشهوده بنظرة قرف وازدراء.
— المحكمة تقرر:
أولاً: رفض الدعوى المقامة من المدعي لعدم الصحة والجسامة.
ثانياً: إحالة الشهود إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية بتهمة شهادة الزور.
ثالثاً: تحريز التسجيلات وإحالة أوراق المدعي ووالدته إلى النيابة العامة بتهمة محاولة النصب والاحتيال والتهديد.
رابعاً: ثبوت كافة حقوق المدعى عليها ندى في دعوى الطلاق للضرر مع إلزام المدعي بكافة المصاريف والتعويض المؤقت!
سهير وقعت على الكرسي وهي بتصوت وبتبكي بالدموع الحقيقية المرة دي… دموع الخيبة والفضيحة والورطة. الرجالة اللي جابوهم يشهدوا زور مسكوا في أحمد عند باب القاعة وزعقوا فيه: — يخرب بيتك أنت وأمك! وديتونا في داهية وحبسة!
أحمد مشي ناحيتي والكلابشات في إيد العسكري عشان يتأخذ للنيابة فوراً للتحقيق في شهادة الزور والنصب.
وقف قدامي، عينيه فيها ترجي وانكسار مش طبيعي، صوته كان بيرتعش كأنه طفل ضايع:
— ندى… أرجوكي… أرجوكي النائب العام هيرميني في السجن! أمي هتضيع! بلاش تعملي فيا كده… أنا آسف! والله العظيم آسف! سامحيني واكسري الشر ده!
بصيت له من فوق لتحت ببرود، وشلت النظارة السوداء من على عيني عشان يشوف اللمعة الحادة اللي فيهم.
قربت منه خطوة واحدة، وقلت له بصوت واطي ومسموع له لوحده:
— الشر مش أنا اللي عملته يا أحمد… أنت وأمك اللي زرعتوه، ودلوقتي بتجمعوا المحصول. أنت كنت فاكرني “بقرة ساذجة”… بس نسيت إن الست لما تفوق من وهم الحب، بتبقى أشرس من أي عدو ممكن تقابله في حياتك.
العسكري شده ومشي بيه، وسهير كانت بتجري وراه في الممر وهي بتلطم على وشها والناس كلها في المحكمة بتتفرج عليهم وبيتشاوروا عليهم بفضول وقرف.
خرجت من المحكمة، والريحة بره كانت ريحة هواء صلب وجميل. الشمس كانت طالعة ودافية، حسيت إن روحي أخيرًا اتغسلت تماماً من كل أثر لأحمد وأمه.
بس وأنا بركب عربيتي، اتصل بيا الأستاذ فاروق وقال بصوت فيه غموض:
— ندى… أحمد وأمه اتزنقوا في النيابة خلاص، بس في سر تاني خالص ظهر في تحريات المباحث عن نشاط أحمد المالي القديم… سر لو عرفتيه، مش بس هيخليهم يتسجنوا، ده هيفجر حقيقة تانية خالص كانت متغطية من سنين!
رجعت البيت، وسكون الشقة المرة دي ماكانش هدوء كئيب، كان هدوء انتصار وطمأنينة. صبيت لنفسي كوباية القهوة اللي حرمت نفسي منها من يوم ما سمعت كلامهم، وقعدت في البلكونة أستنى مكالمة الأستاذ فاروق.
ساعة واحدة والتليفون رن.
— ندى… السر اللي ظهر في التحريات هيخليكي تحمدي ربنا ألف مرة إنك فقتي في الوقت المناسب.
مسكت التليفون بتركيز: — سر إيه يا أستاذ فاروق؟
— أحمد ماكانش بس طمعان في بيت أهلك عشان يعيش مرتاح أو يرضي أمه… أحمد كان مديون لشبكة توظيف أموال وشركات وهمية بمبالغ طائلة! كان واخد قروض بضمانات كاذبة، والناس دول كانوا ب doضغطوا عليه وبيفكروا يرفعوا عليه قضايا ينحبس فيها بقعر السجن. خطته مع أمه كانت إنك تمضي على التوكيل، وفي نفس اليوم يرهن بيت أبوكي للبنك وياخد القرض يسدد بيه ديونه، والباقي يهرب بيه هو وأمه بره مصر ويتركك إنتِ تدفعي الثمن وتواجهي الديانة والبنك وتترمى في الشارع!
غمضت عيني، ونفس عميق خرج من صدري. البشاعة والغل اللي جواهم كانوا أعمق بكثير من مجرد طمع في شقة… دي كانت محاولة لتدمير حياتي بالكامل.
بعد أسبوع واحد، كانت الجلسة الختامية الحاسمة.
دخلت قاعة المحكمة بكتفين مرفوعين وخطوات أثبت من الجبال. أحمد كان واقف في القفص، هدومه متبهدلة، وشغفه وانكساره باينين على وشه بعد ما قضى الأسبوع في التخشيبة. وسهير كانت قاعدة في أواخر القاعة، كبرت عشرين سنة، وشهاتها الشاحبة ودموعها اللي جفت كانت بتقول إنها أخيرًا استوعبت إن كل اللي بنته بظلمها اتهدم فوق راسها وراس ابنها.
القاضي اعتلى المنصة، وخبط بالمطرقة، وساد الصمت التام.
قري الحكم بصوت جهوري هز أركان القاعة:
“حكمت المحكمة:
أولاً: بالتطليق النهائي للزوجة ندى من زوجها أحمد طلاقاً بائناً للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة حقوقها الشرعية والمالية من مؤخر وصداق ومتعة.
ثانياً: حبس المدعى عليه أحمد سنتين مع الشغل والنفاذ في قضية الشروع في النصب والتزوير وشهادة الزور.
ثالثاً: حبس المتهمة سهير سنة مع وقف التنفيذ لمراعاة السن مع غرامة مالية كبيرة بتهمة التحريض والمشاركة في التزوير والنصب.
رابعاً: إلزام المدعى عليه بردف كافة المبالغ المالية المسحوبة من حساب المدعية طوال فترة الزواج مع التعويض المادي والمعنوي.”
صوت المطرقة نزل زي المقصلة على رقبة أحمد. سهير صرخت صرخة مكتومة ووقعت على الأرض بتعيط، وأحمد مسك في قضبان القفص وعينيه مثبتة عليا، بيترجاني بنظرة أخيرة، نظرة واحد بيغرق وشايف الشاطئ بيضيع منه.
بصيت له للمرة الأخيرة. ما كانش في قلبي كره، ولا انتقام، ولا حتى حزن… كان في فقط برود تام ونهاية لصفحة سوداء اتطوت للأبد. درت ظهري ومشيت في ممر المحكمة، وصوت كعبي بيضرب على الأرض بثبات وقوة.
بعد شهرين…
الشمس كانت طالعة دافية على بلكونة المعادي. ريحة الياسمين كانت مالية المكان أكتر من أي وقت فات. غيّرت ديكور الشقة بالكامل، أعدت تجديد المطبخ والمكتب بنفسي وبفلوسي، وبقت كل زاوية في البيت بتتنفس حرية وراحة.
الأستاذ فاروق جالي الشقة، وحط قدامي الشيك الأخير للمبالغ والتعويضات اللي اتردتلي بالقانون من ممتلكات أحمد اللي اتحفظ عليها.
ابتسم وقال: — مبروك يا ندى… حقك رجعلِك للقانون، والبيت رجعلك صافي زي ما أبوكي الله يرحمه كان يتمنى.
بصيت للورق، وبعدين بصيت لصورة أبويا وأمي المتعلقة على الحيطة. ابتسمت وشرقت الشمس في قلبي. افتكرت كلمة أبويا: “البيت ده أمانك يا ندى… اوعي في يوم تسيبي حد يحسسك إنك غلطانة عشان بتحافظي عليه.”
رفعت رأسي فوق، وقلت بصوت واطي:
— حفظت الأمانة يا بابا… وفقت.
أحمد دلوقت بيقضي عقوبته ورا الأسوار، وأمه عايشة لوحدها في بيت مهجور بتدفع ثمن غلها وطمعها، وأنا هنا… في بيتي، وسطه ذكرياتي الشريفة، قوية، حرة، ومافيش أي قوة على الأرض تقدر تكسرني تاني.




