
ج 2 حكايات مني السيد حصري حبست نفسي، والصالة فجأة بقت شبه المقبرة مفيهاش صوت غير شخير نفسي اللي بيطلع بالعافية، وصوت عياط ريهام المكتوم وهي وشها في كفوف إيديها. حسيت إن الأرض بتلف بيا، والحيطان بتميل عليا، والتوأم في بطني بيتحركوا كأنهم حاسين فجأة.
نزلت بركبي على الأرض قصادها، مكنتش حاسة بوجع الحمل ولا بتحذيرات الدكتور؛ كل اللي كان شاغلني هو كلمة واحدة: دهبي اتباع عشان إيه؟.
مسكت إيديها الاتنين وشديتهم عن وشها بقوة عمري ما تخيلت إنها عندي في حالتي دي، وبصيت في عينيها المتورمة وصرخت بصوت مخنوق ومبحوح:
— عشان إيه يا ريهام؟! انطقي متسكتيش! دهبي اللي قلعته من رقبتي وإيدي، الدهب اللي شقا أبويا كان فيه وفرحة عمري، اتباع عشان إيه ومحمود وداه فين؟! والراجل اللي كان على الباب ده عايز ربع مليون جنيه ليه؟! اتكلمي قبل ما أموت في جلدي هنا!
ريهام كانت بتترعش زي الورقة في مهب الريح، شفايفها كانت بتتحرك بس مفيش صوت طالع، ولما شافت الانهيار اللي أنا فيه، اتخضت أكتر وخافت عليا، رمت دراعاتها حوالين كتفي وحضنتني جامد وهي بتعيط وتقول:
— اهدي يا سارة، عشان خاطر اللي في بطنك اهدي يا بنتي، والله العظيم محمود بيحبك ومقصدش يئذيكي، اسمعيني بس ومتحكميش عليه بالإعدام، القصة مش زي ما إنتِ فاكرة خالص!
زقيتها بعيد عني بإيدي الاتنين وقومت وقفت بالعافية وأنا سانة ضهري على الحيطة، وقلت بصوت بيقطع من البكا:
— مش ههدى! محدش يقولي اهدي! أنتوا عيشتوني في تمثيلية حقيرة.. أنتي طالعة نازلة تخدميني وتعمليلي الأكل وتطبطبي عليا، ومحمود يدخل يبوس راسي ويقولي إنتِ عيني اللي بشوف بيها، وانتوا من ورا ضهري عاملين مصيبة سودة! دهبي راح فين؟! ومصاريف الحقن المجهري والمستشفيات دي كانت منين طالما الدهب مراحش ليها؟!
ريهام مسحت دموعها بطرحتها وقامت وقفت قدامي، سندتني بالعافية وقعدتني على الكنبة، وقعدت على ركبها تحت رجلي ومسكت إيدي بتوسل:
— هحكيلك.. هحكيلك كل حاجة من طقطق لسلامو عليكم، بس توعديني تفضلي قاعدة مكانك ومتعمليش في نفسك حاجة. محمود أخو جوزي وأنا عارفة معدنه، وعارفة إنه غلط غلطة عمره بس كان غصب عنه.
خدت نفس عميق وبلعت ريقها وبدأت تتكلم، وكل كلمة كانت بتنزل على دماغي زي المرزبة:
— فاكرة يا سارة من تسع شهور، لما جه عماد جوزي وقالك إن المحل فيه مشكلة بضاعة وإنه محتاج يسافر بورسعيد أسبوعين يخلص ورق؟ ساعتها إنتِ ومحمود كنتوا لسه بتلفوا على مراكز الحقن المجهري، ومكنتوش لسه استقريتوا هتعملوا العملية فين.
هزيت راسي بذهول:
— أيوة فاكرة.. وعماد سافر ورجع وقال إن الدنيا اتسلكت.. إيه علاقة ده بدهبي؟
ريهام عينيها دمعت تاني وقالت بصوت واطي:
— عماد مكنش في بورسعيد يا سارة.. عماد كان محبوس في قسم الهرم! عماد كان دخل في صفقة أجهزة كهربائية مع ناس نصابين، ومضى شيكات على بياض، والبضاعة طلعت مضروبة ومسروقة، وأصحاب الشيكات رفعوا قضايا وخدوا عليه حكم حبس تلات سنين واجب النفاذ. يومها عماد كان هيروح في الرجلين، والبيت كان هيتخرب، وعيالي كانوا هيتشردوا في الشارع وأبوهم في السجن.
بصيتلها وتنحت، وعقلي بدأ يربط الخيوط ببعض، وسألتهابرعب:
— ومحمود عمل إيه؟
ريهام وطت راسها في الأرض وقالت بقهر:
— محمود أول ما عرف اتجنن.. عماد أخوه الكبير وسنده وأبوه بعد ما عمي مات. محمود مقدرش يشوف أخوه مكلبش وفي القفص وعياله بيعيطوا. المحامي قال مفيش حل غير إننا نسدد للناس فلوسهم كاش عشان يتنازلوا قبل ما الحكم يتثبت. الفلوس المطلوبة كانت أكتر من ربعمية ألف جنيه.. وإحنا مكناش نملك ربع المبلغ ده. في اليوم ده، محمود جه البيت عندي وكان زي المجون، وقالي أنا مش هسيب أخويا يتسجن لو على رقبتي، بس أنا محتار ومش عارف أعمل إيه.. سارة مجمعة دهبها عشان نعمل بيه الحقن المجهري، والدهب ده أملها الوحيد في الدنيا.
أنا هنا حسيت بسكاكين بتقطع في قلبي، وقلت بصوت مرتعش:
— قام محمود أخد دهبي يدفع بيه مصيبة أخوه؟ من ورايا؟! من غير ما يرجعلي؟! حرمني من حلمي وباع دهبي عشان يفك ضيقة أخوه وضحك عليا؟!
ريهام مسكت إيدي بسرعة وقالت:
— لأ يا سارة والله! اسمعي للآخر! محمود رفض في الأول يلمس دهبك، وقال ده حقها وعمرها ومقدرش أكسر قلبها. بس أنا وعماد مكناش لاقيين مليم، وأنا بعت شبكتي وكل حتة صايغة معايا ومكملتش تمانين ألف. محمود وقتها راح للمستريح اللي كان واقف على الباب ده.. الحاج فتحي تاجر خردة ومقاول بيدي فلوس بفوايد وربا.. محمود استلف منه فلوس عشان يفك عماد، والراجل مرضاش يديله غير لما رهن نصيب محمود في محل أبوه، وكتبه كمبيالات بربع مليون جنيه بفوايدها!
صرخت:
— أومال دهبي راح فين؟! إنتِ لسه قايلة محمود مخدش الدهب للعملية!
ريهام عيطت بصوت مسموع وقالت:
— دهبك اتباع يا سارة عشان يتسدد بيه جزء من فوايد الراجل ده عشان ميسجنهمش هما الاتنين! محمود مكنش معاه يسدد القسط الأول، والراجل هدد إنه هياخد المحل ويسجن محمود، فمحمود اضطر ياخد دهبك يبيعه عشان يسكت الراجل ويديله مهلة.. والفلوس اللي اتعمل بيها الحقن المجهري بتاعك، محمود مجابهاش من الدهب، محمود استلفها من البنك بضمان مرتبه، واستلف من طوب الأرض، ودخل في دوامة قروض عشان بس ميكسرش خاطرك ومتعرفيش إن حلمك اتأجل، وعشان متشيليش هم وتفضلي فاكرة إن دهبك هو اللي عمل العملية!




