روايات وقصص

يوم فرش شقتي الاخير حكايات زهرة حصري

عدت تلات أيام، وأنا محپوسة في أوضتي، لا ليا نفس آكل ولا أشرب، وكل ما أمي تدخل عليا تقوللي
بطلي عياط بقى، ده إنتِ المفروض تحمدي ربنا إني لحقتك من الجوازة دي!
كنت ببصلها من غير ما أرد. نفسي أقولها إنها ملحقتنيش، دي كسرتني، وإن الفلوس اللي كانت بتدور عليها مش هتعوضني عن الإنسان اللي حبيته، بس كنت عارفة إن الكلام معاها مش هيغير حاجة.
وفي اليوم التالت، موبايلي رن. لقيت سعيد بيتصل بيا.
رديت، وأول ما سمعت صوته حسيت إن قلبي رجع يدق من تاني.
قاللي بلهفة
إنتِ عاملة إيه؟ أكلتي حاجة النهارده؟
كدبت عليه وقلتله إني كويسة، لكنه عرف من صوتي إني تعبانة.
قاللي
بصي يا حبيبتي، أنا مش هسيبك كده، ولا هسمح إننا نضيع بعض بسبب عناد أمهاتنا. أنا كمان من يومها مش باكل كويس، ومش قادر أعيش طبيعي. عايزك تساعديني.
سألته بقلق
أساعدك إزاي؟
قاللي
نعمل

اتفاق. إنتِ مش مطالبة تعاندي مامتك ولا تقللي منها، وأنا مش هعاند أمي، بس هنفضل متمسكين ببعض، ونفهمهم إننا مش هنقدر نعيش من غير بعض. هنرفض إن حياتنا ترجع طبيعية وكأن مفيش حاجة حصلت، لحد ما يحسوا إنهم بيخسرونا بجد. بس أوعديني إنك متهمليش صحتك، تاكلي وتشربي كويس، لأن أنا مش عايز أخسرك بسبب الزعل.
وافقت، واتفقنا إننا منستسلمش، وإننا نفضل متمسكين ببعض من غير ما نغلط في أهلنا.
ومن اليوم ده، أنا بقيت قاعدة في أوضتي، رافضة أخرج أو أتكلم مع حد، وكل ما أمي تحاول تقنعني إني أنسى سعيد، أقولها
أنا مش هتجوز غيره يا ماما. إنتِ اللي لغيتِ الجوازة، مش أنا اللي بطلت أحبه.
وفي الناحية التانية، سعيد كان قاعد في أوضته، رافض يخرج مع أصحابه أو يرجع لحياته الطبيعية، وكل ما أمه تقوله إنها هتدورله على عروسة تانية، يرد بهدوء
براحتك يا أمي، بس متتعبيش
نفسك، لأني مش هقبل بواحدة غيرها.
في الأول، أمه كانت فاكرة إنه مجرد زعل يومين وهيعدي، لكن لما لقت ابنها بيخس ووشه اصفر، وكل يوم يرجع من شغله يقعد لوحده بالساعات، بدأت تخاف عليه.
وفي نفس الوقت، أمي كانت شايفة إني حزينة ومش عايزة أخرج من أوضتي، ولما دخلت عليا في يوم لقتني قاعدة على السرير ووشي شاحب، قعدت جنبي وقالتلي
يا بنتي، إنتِ هتفضلي كده لحد إمتى؟
بصيتلها وقلت
لحد ما تحسي إن اللي حصل كان غلط. أنا مش بطلب منك تحبي أمه، ولا بطلب منك تنزلي من كرامتك، أنا كل اللي بطلبه إنك تسيبيني أتجوز الإنسان اللي اخترته.
أمي سكتت، ولأول مرة ملقتش رد تقوله.
وفي نفس الليلة، موبايلها رن. كانت أم سعيد.
أمي اترددت ترد، لكنها في الآخر فتحت المكالمة، وسمعتها بتقول بصوت مكسور
إزيك يا أم العروسة؟ أنا عارفة إن اللي حصل يوم الفرش كان صعب، وإن الكلام اللي
اتقال مينفعش يتقال، بس
وابني حالته صعبة أوي. أنا مش بكلمك عشان ألومك، أنا بكلمك عشان الولاد.
أمي ردت ببرود في الأول
وإنتِ فاكرة إن بنتي كانت مبسوطة وهي بتمشي من بيتك قدام الناس؟
أم سعيد قالت
والله ما نسيت منظرها وهي بټعيط، ولا نسيت إن ابني وقف عاجز قدامي. أنا غلطت لما خيرته، حتى لو كنت متعصبة، وهو ملوش ذنب. بس دلوقتي إحنا لو فضلنا كده هنضيع مستقبلهم بإيدينا.
فضلوا يتكلموا شوية، وكل واحدة تحاول تدافع عن نفسها، لكن في الآخر أم سعيد قالت
تعالي نتقابل، ونحط كرامتنا على جنب شوية عشان خاطر ولادنا. لا أنا هطلب منك تعتذري قدام الناس، ولا إنتِ تطلبي مني حاجة تكسرني. نتكلم بهدوء ونشوف حل.
أمي سكتت لحظات طويلة، وبعدين وافقت.
تاني يوم، اتقابلوا في بيت خالتي، وقعدوا قدام بعض وهما مش طايقين يبصوا في وش بعض. في البداية، كل واحدة كانت شايلة جواها كلام
كتير، لكن لما أم سعيد حكت لأمي عن حالة ابنها، وإنه رافض حتى يسمع سيرة أي عروسة تانية، أمي بدأت تحس إن الموضوع مش مجرد عناد.
وأمي كمان حكتلها إني بقيت حزينة ومش عايزة أخرج من أوضتي، وإنها خاېفة عليا.
في الآخر، أم سعيد قالت
إحنا مش لازم نبقى أصحاب، ولا لازم نحب بعض، بس لازم نعرف إن ولادنا هما اللي هيدفعوا تمن خلافاتنا. أنا موافقة نرجع الجوازة، بشرط إن كل واحدة فينا تحترم التانية، ومفيش إهانة تاني.
أمي ردت بعد تردد
وأنا كمان موافقة، بس بنتي متتظلمش عندك.
اتفقوا إن الجوازة ترجع، وإن كل واحدة تحاول تتعامل باحترام، حتى لو المحبة مش موجودة.
لكن كان فيه مشكلة أخيرة، وهي حلفان أم سعيد إنها مش هتنزل الفرش ولا هيكون فيه جواز.
أم سعيد كانت خاېفة تكون ارتكبت ذنب بسبب يمينها، فقررت تروح لشيخ وتسأله عن الحكم الشرعي والكفارة المناسبة لحالتها.
والشيخ وضحلها إن كفارة اليمين بتكون إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، واللي مش قادر على ده يصوم تلاتة أيام، ونصحها تتأكد من تفاصيل حالتها وتعمل اللي عليها شرعًا.
خرجت من عنده وهي مرتاحة إنها عرفت تعمل إيه، وقررت تصلح اللي حصل بدل ما تفضل متمسكة بكلمة قالتها وقت الڠضب.
بعدها بيومين، سعيد اتصل بيا وقاللي
جهزي نفسك يا عروسة، إحنا راجعين نكمل فرحتنا.
أنا فضلت أعيط من الفرحة، وأمي دخلت عليا ولما عرفت، حضنتني وقالت
ربنا يسعدك يا بنتي، أنا يمكن كنت فاكرة إني بحميكي، بس الظاهر إني كنت بوجعك.
فرحت بكلامها، رغم إني كنت عارفة إن اللي حصل مش هيتنسي بسهولة.
وجاء يوم الفرح، واتجمعت العيلتين من جديد. سعيد كان واقف جنبي، لكن كل ما أمه تبص لأمي، أم سعيد تشيل عينيها بعيد، وأمي تعمل نفسها مش واخدة بالها. كانوا موجودين عشان خاطرنا، لكن واضح إن الچرح
لسه موجود.
حتى وقت الصور،
طلب من الأمهات يقفوا جنب العرسان، كل واحدة وقفت في ناحية، وبينهم مسافة كبيرة.
أنا بصيت لسعيد، وهو بصلي، وابتسمنا لبعض. كنا عارفين إننا مش هنقدر نمسح اللي حصل، لكن على الأقل قدرنا نتمسك بحبنا.
وبعد الفرح، بدأت الحياة الحقيقية. سعيد كان بيحاول يرضي أمه ويحافظ على بيته في نفس الوقت، وأنا كنت بحاول أحافظ على الاحترام بيني وبين حماتي، من غير ما أسمح لأي حد يهينني.
كل واحدة فيهم كانت بتحاول تتجنب الاحتكاك بالتانية، وأي زيارة كانت بتخلص بسرعة، وأحيانًا كان يحصل خلاف صغير، لكن إحنا كنا بنتدخل من البداية قبل ما الأمور تكبر.
ومع مرور الشهور، سعيد بدأ يثبت لأمه إن حبه لمراته مش معناه إنه نسيها أو قلل من مكانتها، وأنا كنت دايمًا بقوله
يا سعيد، أنا مش عايزاك تختار بيني وبين أمك تاني، أنا عايزاك تحافظ على حقنا إحنا الاتنين، وكل واحدة تعرف مكانتها من غير ما
تظلم التانية.
وكان يرد عليا
ربنا يخليكي ليا، إنتِ فهمتيني إن الواحد يقدر يحب مراته ويحترم أمه من غير ما يجرح حد فيهم.
وأمي، مع الوقت، بدأت تفهم إن سعادة البنت مش في الشقة الكبيرة ولا العفش الغالي، لكن في راجل يصونها ويقف جنبها.
أما حماتي، ففضلت فاكرة اليوم اللي حلفت فيه، وكل ما حد يجيب سيرة الفرش، وشها يتغير، وتسكت شوية قبل ما تقول
ربنا ما يجيبش يوم زي ده تاني.
وبعد سنة، في عيد جوازنا الأول، سعيد فاجأني بهدية بسيطة، ولما فتحتها لقيت صورة صغيرة لينا يوم الفرح، وتحتها كاتب
اليوم اللي عرفنا فيه إن الحب مش كفاية لوحده، وإننا لازم نحارب عشان نحافظ عليه.
حضنته وأنا بعيط، وقلتله
إحنا تعبنا أوي عشان نوصل لليوم ده.
رد عليا
بس وصلنا، ومحدش قدر يفرقنا.
والحقيقة إننا لما تمسكنا ببعض، قدرنا نخلي الكل يحترم اختيارنا، ومع الوقت حتى اللي كانوا رافضين الجوازة بدأوا يشوفوا
إننا مناسبين لبعض.
لكن مهما عدت سنين، ومهما بقينا أسرة سعيدة، هيفضل يوم فرش شقتنا ذكرى عمرها ما هتتنسي، لأنه كان اليوم اللي كنا هنخسر فيه بعض للأبد، واليوم اللي عرفنا فيه إن أوقات أصعب اختبار للحب مش بيكون بين اتنين بيحبوا بعض، لكن بين اتنين بيحاولوا يحموا حبهم من خلافات الناس اللي المفروض يكونوا أكتر ناس بيدعموهم.
واللي حصل يومها علّمنا إن العناد ممكن يهدم بيوت، وإن كلمة وقت الڠضب ممكن ټجرح قلوب وتفضل علامتها سنين، لكن الاعتراف بالغلط ومحاولة الإصلاح ممكن ينقذوا حاجات كتير كانت خلاص هتضيع.
إحنا مخليناش أمهاتنا يحبوا بعض بالعافية، لكن تمسكنا ببعض لحد ما فهموا إن سعادتنا مش معناها خسارتهم، وإن احترام كل واحدة للتانية هو اللي هيخلينا نعيش في سلام.
وهكذا كملنا حياتنا، وكل ما نفتكر يوم الفرش نبتسم بحزن، ونفتكر قد إيه كنا قريبين من النهاية
قبل ما نبدأ حكايتنا
الحقيقية.
تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى