
وبعدين رجعت قريته للمرة التالتة.
كنت عايزة أتأكد إني مش فاهمة الكلام غلط.
منى مدت إيدها وأخدت الموبايل مني، وبدأت تقرأ الاتفاقية بسرعة
وتركيز.
وبعد ما خلصت، رفعت راسها وبصت لي مباشرة.
إنتِ لسه قايلة إنكم هتمضوا الاتفاقية دي بكرة في حفلة الخطوبة؟
جاوبتها
أيوه.
منى حطت الموبايل قدامي على المكتب وقالت
لو مضيتي على الاتفاقية دي بالشكل ده، فكأنك بتسلمي له بإيدك حق المطالبة بالشقة.
وبعدها بدأت توضح لي الموقف
من الناحية القانونية، إنتوا لحد دلوقتي لسه مش متجوزين، ولسه في مرحلة الاستعداد للخطوبة والجواز.
لكن هو تعمد يحط البند ده في اتفاقية ما قبل الزواج. ولو اتجوزتوا فعلًا، وبعدها حصل الطلاق بالشروط المكتوبة في الاتفاقية، فالشقة اللي كانت ملكك ممكن تنتهي في إيده.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بنبرة جادة
خطيبك…
واضح إنه ماخدش القرار ده الليلة بس.
بصيت للموبايل اللي قدامي.
وفجأة، كل حاجة بدأت تبقى واضحة بشكل مخيف.
فهمت ليه كان مستعجل على موضوع الاتفاقية، وليه أمه كانت بتضغط علينا نمضيها قبل الجواز.
وفهمت كمان معنى كلامه عن إنه هيستحمل شوية كمان.
بالنسبة له، أنا ماكنتش البنت اللي المفروض يبني معاها حياة.
أنا كنت مجرد هدف.
هدف محتاج يصبر عليه شوية، وبعدها ياخد الشقة ويمشي.
رفعت عيني وبصيت لمنى.
وقلت بمرارة
في نظره، أنا مجرد غنيمة مستني اللحظة المناسبة عشان يستولي عليها.
منى ثبتت عينيها في عيني، وسألتني
طيب، دلوقتي ناوية تعملي إيه؟
جاوبتها من غير تردد
مش هعمل أي حاجة.
وبعدها كملت وأنا ببصلها بثبات
حفلة الخطوبة بكرة هتتعمل في موعدها، وكل حاجة هتمشي عادي جدًا.
هو دعا ناس كتير، وعزم كل معارفه وأصحابه…
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكن ملامحي ماكانش فيها أي أثر للفرحة.
وعلى الأقل، لازم أديه نهاية تليق بيه قدام كل الناس اللي عزمهم.
منى فضلت ساكتة شوية.
وبعد لحظة، ظهرت على شفايفها ابتسامة خفيفة، كأنها بدأت تفهم أنا بفكر في إيه.
وبعدين سألتني
إنتِ متأكدة من قرارك؟
بصيت لها بثبات، ورديت من غير ما أتردد ولو ثانية واحدة
متأكدة.
الجزء الأول حفلة الخطوبة اللي اتحولت لأكبر ڤضيحة في حياة حسام
خرجت من مكتب المحامية منى مع أول خيوط الفجر.
كنت ماشية جنب آدم، والملف اللي فيه نسخة من اتفاقية ما قبل الزواج في إيدي، لكن عقلي كان مشغول بحاجة واحدة بس.
إزاي قدرت أعيش مع حسام كل الفترة دي، وأنا ماعرفش إنه شايفني بالشكل ده؟
خمس سنين من الحب، وسنة كاملة من التجهيز للجواز، وفي الآخر اكتشفت إن الراجل اللي كنت فاكرة إني هقضي معاه عمري كله، كان بيحسبها
بالورقة والقلم، ومستني اللحظة اللي يقدر فيها يحط إيده على شقة أبويا.
شقة أبويا اللي تعب عمره كله عشان يسيبها لي.
شقة النيل اللي كان بيحب يقعد في بلكونتها كل يوم جمعة، ويشرب الشاي وهو بيتفرج على الميه.
قبل ما يتوفى، أبويا مسك إيدي وقال لي
يا نادين، البيت مش مجرد حيطان وفلوس. البيت هو الحاجة اللي تخليكي واقفة على رجلك مهما الدنيا اتقلبت عليكي. أوعي تسمحي لحد يخليكي محتاجة له عشان تعيشي.
وقتها، ماكنتش فاهمة هو بيأكد على الوصية دي ليه.
دلوقتي فهمت.
أبويا كان سايب لي أمان، وأنا كنت على وشك أتنازل عنه لراجل فاكر إن كلمة حب كفاية عشان يسرق مستقبلي.
آدم فتح لي باب العربية.
هتروحي البيت؟
هزيت راسي.
أيوه. محتاجة أنام ساعتين على الأقل، وبعدها عندي حفلة خطوبة لازم أجهز لها.
آدم فضل باصص لي شوية، وبعدين قال
نادين، لو غيرتي رأيك، نقدر نوقف كل حاجة. مش لازم تدخلي نفسك في مواجهة مش مستعدة لها.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
أنا مش خاېفة من المواجهة يا آدم. أنا بس مش عايزة أواجهه بالطريقة اللي هو متوقعها.
وإيه الطريقة اللي متوقعها؟
إنه يلاقيني بعيط، وأترجاه يفسر لي اللي سمعته، وبعدها يكدب عليا، فأصدقه عشان بحبه.
سكتُّ لحظة، وبعدين كملت
أنا مش هديه الفرصة دي.
آدم فتح باب العربية، لكن قبل ما أركب، سمعت صوته ورايا.
نادين.
لفيت له.
قال بجدية
أنا وعدت أبوكي إني أحميكي. والوعد ده مش معناه إني هاخد قرارات مكانك. لو عايزة تحاربيه، هقف جنبك. ولو عايزة تمشي وتبدئي حياة جديدة، هقف جنبك برضه.
الكلام ده لمس حاجة جوايا.
من خمس سنين، يوم ۏفاة أبويا، كنت مکسورة لدرجة إني مش قادرة أتكلم.
آدم كان أصغر تلميذ عنده، لكنه كان أكتر واحد وقف جنبي وقتها. هو اللي خلص الإجراءات، وهو اللي فضل معايا في المستشفى لما تعبت، وهو اللي اتأكد إني رجعت البيت بأمان.
بعد العزا، قال لي إنه هيفضل يحمي بنت أستاذه طول عمره.
لكن عمره ما حاول يستغل ضعفي أو يقرب مني بحجة إنه بيحميني.
كان موجود وقت ما أحتاجه، ويختفي وقت ما أكون محتاجة مساحة لنفسي.
عشان كده، لما الدنيا كلها اتقلبت في وشي الليلة دي، أول شخص جه في بالي كان هو.
ركبت العربية وقلت
أنا عايزة أكمل الخطة للآخر.
آدم هز راسه.
تمام. يبقى نعملها صح.
وصلت البيت الساعة ستة الصبح.
أول ما دخلت، خلعت الكعب ورميته جنب الباب، وبعدها مشيت ناحية أوضة أبويا.
الأوضة كانت زي ما هي.
المكتب الخشبي،
والمكتبة، والكوباية القديمة اللي كان بيحط فيها أقلامه، وحتى الصورة اللي كان واقف فيها جنبي يوم عيد ميلادي العشرين.
قعدت على
الكرسي بتاعه.
ومدّيت إيدي للصورة.
يا بابا، أنا آسفة.
صوتي خرج مبحوح.
أنا كنت فاكرة إني اخترت راجل كويس. كنت فاكرة إني لما أكون طيبة معاه وأثق فيه، هيقدر ده.
دموعي نزلت من غير ما أحاول أمنعها.
بس متقلقش. أنا مش هسمح لحد ياخد حاجة إنت تعبت عشانها، حتى لو كان الشخص ده هو الراجل اللي كنت ناوية أعيش معاه.
فضلت قاعدة شوية، وبعدها مسحت وشي وفتحت اللابتوب.
أول حاجة عملتها إني بعت نسخة الاتفاقية للمحامية منى.
وبعدها اتصلت بمدير البنك، وطلبت مراجعة أي معاملات مالية مرتبطة بالشقة، والتأكد من عدم وجود توكيلات أو طلبات اتقدمت باسمي من غير علمي.
بعدها كلمت المحامي المسؤول عن تركة أبويا، وطلبت منه نسخة حديثة من مستندات الملكية وشهادة تسجيل العقار.
ماكنتش عايزة أكتفي بالتسجيل الصوتي.
كنت عايزة أعرف إذا كان حسام حاول يعمل أي خطوة فعلية قبل كده.
الساعة تسعة الصبح، اتصلت بيا منى.
نادين، راجعت الاتفاقية مع زميل متخصص في القانون المدني والأسرة.
والنتيجة؟
أول حاجة، ما تمضيش أي نسخة. تاني حاجة، هنحتفظ بكل الرسائل والمستندات الأصلية. التسجيل اللي معاكي ممكن يكون دليل مهم، لكن استخدامه في أي إجراء رسمي لازم يتراجع قانونيًا حسب ظروفه. والأهم إننا نثبت إنك ما وافقتيش على أي تنازل عن الشقة.
سألتها
يعني أقدر أحافظ على الشقة؟
ردت بحذر
الشقة مسجلة باسمك وموروثة عن والدك، وده عنصر مهم جدًا في موقفك. لكن أي اتفاق مكتوب ممكن يثير ڼزاع لو اتوقّع، عشان كده لازم نراجع صياغته وآثاره قبل أي خطوة. إحنا مش هنفترض إن البند ده هيبقى نافذ تلقائيًا، ولا هنسيبك توقعي عليه من غير فهم.
ارتحت شوية.
على الأقل، لسه عندي وقت أتصرف.
لكن منى أضافت حاجة خلتني أركز معاها.
فيه نقطة تانية. ابعتي لي كل الرسائل اللي بينك وبين حسام بخصوص الشقة، خصوصًا لو فيه رسائل بيتكلم فيها عن ملكيتها أو عن الاتفاقية.
قفلت المكالمة، وبدأت أراجع محادثاتنا القديمة.
رسالة ورا رسالة.
لحد ما لقيت محادثة من حوالي شهرين.
كنت باعتة له صورة من البلكونة، وكتبت
تخيل لما نتجوز ونعيش هنا، كل يوم هنشرب القهوة وإحنا بنتفرج على النيل.
رد عليا وقتها
طبعًا يا حبيبتي. ده بيتنا، وأنا هحافظ عليه طول عمري.
قريت الرسالة أكتر من مرة.
وبعدين افتكرت إنه بعد أسبوع من المحادثة دي، بدأ يضغط عليا عشان نوقّع اتفاقية ما قبل الزواج.
وقتها قال إن أمه عندها مخاۏف من الجواز، وإنها عايزة تطمن إن محدش فينا هيظلم التاني لو حصلت مشاكل مستقبلًا.
كنت شايفة كلامه منطقي.
دلوقتي، فهمت إنه كان بيجهز
الأرضية من بدري.
بعتُّ كل الرسائل لمنى.
وبعدها أخدت قرار تاني.



