روايات وقصص

طبخت 7 كيلو لحمه

طبخت ٧ كيلو ونص لحمة بالساعات، وحماتي من غير حتى ما تسألني، حطّت ٥ كيلو منها في علب عشان تاخدهم لبنتها. ولما اعترضت، بصّتلي وقالت بكل بجاحة إيه يا بنتي، متبقيش بخيلة إحنا أهل! ماجادلتهاش. رميت الباقي اللي سابته بهدوء، ومسكت موبايلي. بس لما جوزي رجع وهو متعصب، ماكانش لسه عارف إن فيه ورقة أنا لقيتها على الترابيزة هتغيّر كل حاجة

الجزء الأول
إنتِ رميتي اللحمة في الزبالة؟! إنتِ اتجننتي؟! ابني بيشتغل ويتعب عشان تيجي إنتِ تضيّعي الأكل؟!
حماتي صرخت بصوت عالي لدرجة إن بنتي الصغيرة، اللي عندها أربع سنين، خرجت من أوضتها وهي حضنة عروستها وبتبص لنا بخوف.
أنا ما رديتش.
فضلت بس أبص للحلة الحديد التقيلة وهي مرمية جوه الزبالة، وسط قشر البيض وورق الخس.
من نص ساعة بس، الحلة دي كانت مليانة أكلة تعبت فيها طول النهار.
كنت جايبة ٧ كيلو ونص لحمة بقري من سوق قريب من بيتنا في شبرا، وكنت شارية اللحمة من فلوس المكافأة اللي خدتها على شغل خلصته.
اخترت لحمة نضيفة، وتبّلتها كويس، وشوّحتها بالتوم والبهارات، وبعدها سبتها تستوي على نار هادية بالساعات.
جوزي أحمد بقاله كام أسبوع كل شوية يقولي
وحشتني أكلتك بتاعة يوم الجمعة يا ندى.
وبنتنا ليان كانت مستنية الغدا بفارغ الصبر.
لكن حماتي، سعاد، أول ما شمّت ريحة الأكل، دخلت

المطبخ ورفعت غطا الحلة.
ابتسمت كأنها لقت كنز مش أكل أنا اللي دافعة تمنه وطابخته بإيدي.
الله! ما شاء الله حلو إنك عاملة كمية كبيرة. نجلاء نفسها في لحمة.
نجلاء كانت بنتها المفضلة.
ومن غير ما تستأذنني، فتحت الدولاب وطلعت علبتين كبار، وبدأت تحط فيهم أحسن قطع اللحمة، والبطاطس، وحتى الشوربة.
بصيت لها وقلت
يا حماتي، أحمد لسه ماجاش وليان كمان ماكلتش.
ردت وهي بتكمل تعبئة العلب بكل برود
يا بنتي متبقيش بخيلة كده. أحمد راجل، ياكل أي حاجة ويشبع. إنما نجلاء عندها عيال.
بخيلة.
الكلمة دي كانت لازقة في لسانيها كل ما أحاول أحط حدود.
بخيلة لما كنت بسألها ليه كارت المرتب بتاع أحمد لسه معاها.
وبخيلة لما كانت تاخد هدوم جديدة لليان وتديها لبنت أختها.
وبخيلة لما كنت أقول لها
يا ماما، لو سمحتي بلغيني قبل ما تعزمي حد يبات عندنا.
كل مرة كانت بتقلبها عليّا وكأني أنا الغلطانة.
وفي الآخر، أخدت تقريبًا ٥ كيلو لحمة، ومعاهم خضار وشوربة، وحطتهم في شنطتها.
وقبل ما تخرج قالت وهي فرحانة
أنا ماشية نجلاء هتفرح أوي. وهودي لها الأكل.
فضلت واقفة قدام الحلة.
الحلة اللي ما بقاش فيها تقريبًا غير حتتين لحمة صغيرين وجزرة.
بصيت لهم وسكت.
افتكرت الفلوس اللي دفعتها في اللحمة.
وافتكرت الأربع ساعات اللي قضيتهم واقفة قدام البوتاجاز.
وافتكرت بنتي اللي كانت مستنية طبقها.
وافتكرت أحمد وهو دايمًا بيقول نفس الجملة
دي أمي يا ندى سيبيها براحتها.
لما رجعت حماتي تاخد شنطتها، لمحت الحلة وهي جوه الزبالة.
وقفت مكانها.
إنتِ عملتي إيه؟!
رديت بهدوء
عملت اللي أنا عايزاه في حاجة أنا اللي شاريّاها وطابخاها.
وشها اتقلب، ورفعت إيدها كأنها هتمدها عليّا.
مسكت إيدها قبل ما توصل لوشي.
وبصيت لها في عينيها وقلت
إياكي ترفعي إيدك عليّا تاني.
سحبت إيدها بعصبية وقالت
استني بس لما أحمد ييجي هو هيعرف يحطك عند حدك.
هزيت راسي.
وبعدين أخدت شنطتي، وشلت ليان، وقلت
تمام. لحد ما ييجي، أنا هروح أجيب أمي.
ضحكت بسخرية
هتجيبي أمك تعمل إيه؟! هتدافع عنك الست بتاعة إمبابة دي؟
بصيت لها وقلت
لأ.
وسكت ثانية قبل ما أكمل
هتجيب حاجتها وتعيش هنا.
الابتسامة اختفت من على وشها في لحظة.
تعيش هنا؟!
أيوه. أمي هتنام في أوضة النوم الكبيرة. وإنتِ يا إما تروحي تقعدي عند نجلاء، يا إما تفضلي هنا وتحترمي قوانين بيتي.
شهقت وقالت
بيتك إنتِ؟! ده بيت ابني!
من غير ما أجادلها، طلعت موبايلي واتصلت بأحمد.
لما حكيت له اللي حصل، ما سألنيش حتى إذا كانت أمه حاولت تضربني.
أول حاجة قالها كانت
إنتِ رميتي اللحمة؟! يا ندى، ماكنش ينفع تسيبي أمي تاخد شوية لنجلاء؟!
سكت شوية.
وفي اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا انكسرت نهائي.
قلت له بهدوء
أحمد الشقة دي باسمي.
سكت.
كملت
أنا اللي اشتريتها قبل جوازنا، بفلوس أبويا ومدخراتي. وأنا اللي بدفع أقساطها لحد النهارده.
يعني إيه؟
يعني عندك ساعة واحدة تيجي تاخد والدتك من هنا.
اتعصب
إنتِ بتهدديني يا ندى؟!
رديت
لأ. أنا مش بتهددك.
وبصيت لبنتي اللي كانت واقفة جنبي
أنا بحط حدود.
وقلتها وقفلت المكالمة.
ليان بصتلي وهي ماسكة عروستها وقالت بصوتها الطفولي
ماما هي ليه تيتة خدت اللحمة كلها؟ مش إنتِ اللي عملتيها لينا؟
بصيت لها.
وفجأة استوعبت إن بنت عندها أربع سنين قدرت تشوف حاجة أنا قضيت تلات سنين كاملة وأنا بحاول أتجاهلها.
لكن اللي حصل بعد ما رجعت البيت ومعايا أمي
خلّى موضوع الحلة واللحمة اللي اترمت في الزبالة يبان إنه كان مجرد بداية.
لأن على ترابيزة السفرة، كانت مستنياني ورقة واحدة
ورقة أحمد نفسه ماكانش يعرف إنها موجودة.
ولما أمي قرتها، وشها اتغيّر وقالتلي
ندى إنتِ لازم تعرفي الحقيقة قبل ما أحمد يدخل من الباب.
لأني لأول مرة فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في اللحمة.
المشكلة كانت في سرّ حماتي وجوزي مخبّينه عني بقالهم سنين.
رجعت البيت وأنا ماسكة إيد أمي، وليان ماشية جنبنا وهي حضنة عروستها.
أول ما دخلنا، أمي بصّت حوالين المكان وسألتني
هي حماتك فين؟
عند نجلاء لحد ما أحمد ييجي.
أمي ماعلقتش.
راحت ناحية ترابيزة السفرة، وهناك شافت الورقة اللي كنت لاقيتها قبل

ما أنزل أجيبها.
كانت ورقة مطوية نصين، محطوطة تحت طبق فاضي.
فتحتها أمي، وقرت أول سطر.
وفجأة وشها اتغير.
ندى إنتِ متأكدة إنك ماشفتيش الورقة دي قبل كده؟
لأ. لقيتها وأنا بنضف الترابيزة.
مدتها لي.
كانت ورقة من مكتب محاماة، ومكتوب فيها
إقرار تنازل عن نصيب في العقار.
وتحتها اسم أحمد.
وتاريخ من حوالي سنة ونص.
بصيت لأمي باستغراب.
يعني إيه؟
أمي كملت القراءة، وبعدها قالت بهدوء
يعني جوزك كان متنازل عن أي حق ليه في الشقة دي من سنة ونص.
ما هو أصلًا ملوش حق الشقة باسمي.
استني.
قلبت الورقة.
كان فيه بند مكتوب بخط صغير
ويقر الطرف الثاني بأنه استلم مبلغًا ماليًا قدره…
أمي سكتت.
بصيت لها.
كام؟
قالت الرقم.
قلبي وقف.
المبلغ كان تقريبًا نفس المبلغ اللي والدي كان سايبهولي قبل وفاته، واللي كنت دايمًا بقول لأحمد إن جزء منه راح في مقدم الشقة.
بس أنا ماكنتش أعرف إن أحمد كان استلمه.
ولا حتى كنت أعرف إن فيه إقرار أصلًا.
رفعت عيني لأمي.
هو أحمد باع حاجة؟
أمي هزت راسها.
لأ.
وبعدين قالت
الورقة دي مش عقد بيع يا ندى.
أمال إيه؟
دي ورقة بتثبت إن أحمد استلم فلوس من حد مقابل إنه يتنازل عن حقه في حاجة.
حقه في إيه؟
أمي قلبت الورقة تاني.
وكان فيه سطر في آخر الصفحة
نظير التنازل عن أي مطالبات مستقبلية متعلقة بالميراث.
اتجمدت مكاني.
ميراث مين؟
أمي بصتلي نظرة طويلة.
أبو أحمد.
سكتنا إحنا الاتنين.
والد أحمد كان متوفي من حوالي أربع سنين.
لكن أنا كنت عارفة إن موضوع الميراث اتقفل من زمان.
حماتي قالتلي وقتها إن جوزها ماكانش سايب حاجة تقريبًا.
وإن البيت القديم اتباع واتقسم.
وأحمد قاللي نفس الكلام.
لكن الورقة كانت بتقول حاجة تانية.
وفي اللحظة دي، موبايلي رن.
أحمد.
بصيت لأمي.
قالت
ماترديش.
ليه؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى