
سادت حالة من السكون التام في الصالة، محدش كان قادر يتنفس. النتيجة اللي كانت في الظرف قلبَت كل الموازين، أظهرت إن الطفل سليم ومش هيعاني من المرض، بس في نفس الوقت كشفت حجم الخطر والمرور على شفا جرف هار اللي كنا هنقع فيه بسبب السرعة والتسرع والكذب.
أحمد كان باصصلي بعينين مليانة رجاء ودموع، مستني مني كلمة، رحمة، أو حتى إشارة إني ممكن أرجع أو أسامح. لكن الصدمة اللي عشتها والخوف اللي جربته وأنا بهرب في ضلمة الفجر ما كانوش بالسهولة اللي تمحيهم ورقة تقرير طبي.
مسحت دموعي بهدوء، ورجعت خطوة لورا، وقلت بنبرة صوت جافة وباردة كأنها الجليد: * بالنسبة لك أنت وأمك… الثقة لما تتكسر وتتداس، ما بترجعش بتقرير طبي يا أحمد. أنت وأمك ما فكرتوش فيا كإنسانة، اتعاملتوا معايا كأنها أداة.. لعبة في إيدكم، تحركوها زي ما انتوا عاوزين، تخبوا عليها لما تحبوا، وتضحكوا عليها بكلمتين، ولما الأمور تتطرق لمعضلة.. يفكروا يمنعوا النبض اللي في بطنها من غير ما تعرف!
أحمد خطى خطوة ناحيتي، وإيديه بتترعش: * يا ندى حرام عليكِ.. أنا اعترفت بغلطي، أنا لفيت مصر كلها عشان أثبت لك إنني خايف، ومشتري عليكي وعلى ابننا! أنا لو كنت وحش أو مش باقِ عليكم ما كنتش دورت ولا سألت ولا جيت وراكي لحد هنا! أنا غلطت في حقك ونادم، ومستعد أعيش خدام تحت رجليكي أنتِ وابننا، بس بلاش تهدّي البيت اللي لسه بنبنيه!
أبويا اتنهد تنهيدة تقيلة، وقام وقف بيني وبين أحمد. بص لأحمد بنظرة كلها عتاب وألم، وبعدين بصلي وقال بصوت هادي بس محمل بالثقل: * اللي عمله أحمد وأمه غلط لا يغتفر يا ندى.. الغش والتكتم على موضوع زي ده من الأول جريمة في حقك وحق عيلتنا. بس دلوقتي الجنين سليم والحمد لله، وأحمد ندمان وجايلك مكسور وبيطلب السماح.. القرار قرارك يا بنتي، محدش هيجبرك على حاجة، بس فكري بعقلك قبل ما تاخدي قرار يهد حياتك.
رديت على أبويا وأنا بص بصة ثبات لأحمد: * أنا فكرت بعقلي يا بابا.. وعقلي بيقولي إن اللي يكذب مرة ويكمل الكذبة لشهرين، واللي يفكر يحط دوا إجهاض لمراته من غير علمها عشان يريح دماغه، ما أقدرش آمنه على نفسي ولا على ابني بعد كده. أنا مش راجعة معاك يا أحمد.. مش هأرجع الشقة دي تاني.
أحمد وشّه اتغير تماماً، الصدمة غطت ملامحه، وقال بصوت مخنوق بالبكاء: * يعني إيه يا ندى؟ عاوزة تتطلقي؟ عاوزة تحرميني من ابني قبل ما يتولد؟!
رديت عليه بصرامة: * أنا مش هحرمك من ابنك، ده حقك الشرعي والإنساني إنه يعرفك وتكون أبوه.. بس أنا مش هكون مرتك تاني. أنا هافضل في بيت أبويا لحد ما أقوم بالسلامة وأولد ابني، وفي الفترة دي.. مش عاوزة أشوف وشك ولا وش أمك!
أحمد حط إيده على راسه وبدأ يصرخ بعصبية ووجع: * لا يا ندى! مش هسيبك تضيعي من إيدي بالطريقة دي! أنا بحبك والله العظيم بحبك! أمي كانت خايفة عليا وعليكِ، وأنا كنت أعمى ومستسلم لها من خوفي، بس أنا اتعلمت الدرس! والله اتعلمت الدرس!!
أبويا حط إيده على كتف أحمد وزقه ببطء ناحية الباب وقال له: * خلاص يا أحمد.. سيبها تهدى وتستوعب اللي حصل، وانزل معايا دلوقتي.. السكينة والكلام في التوقيت ده مش هيجيبوا غير مشاكل أكبر.
أحمد بصلي بنظرة أخيره، نظرة غريق بيغرق وما حدش ممد له إيد النجاة. سحب رجله بالعافية وخرج مع أبويا ورانيا قفلت الباب وراهم. أول ما الباب اتقفل، انهرت على الأرض. كل الطاقة والقوة اللي كنت بمتنع بيها وبمثلها قدامهم تبخرت في ثانية. رانيا جرت عليا وحضنتني، وقعدت أعيط بحرقة كأن قلبي بيتقطع. الفرحة إن ابني سليم كانت طايرة بي في السما، بس الكسرة اللي جوة قلبي من خيانة الشخص اللي اخترته يكون سندي في الدنيا كانت بتطحن في عظامي.




