
أوضة ياسين كانت متزينة كأنها من الجنة، نور هادي وورد في كل مكان، بس قلبه كان مقبوض ومخنوق كأنه في قبر.. واقف قدام سريره ومش مصدق اللي اكتشفه، الصدمة كانت أكبر من إنه يستوعبها، عقله واقف وقلبه بيدق بسرعة، دي مش أي واحدة، دي بنت عمه، اللي متربية معاه، اللي كان مديها الأمان ومديها اسمه، وحس فجأة بإن الثقة اللي بناها سنين اتهدمت في لحظة: “ليه خبيتي عليّ حاجات مهمة زي دي يا لمياء؟ ليه ما كنتيش واضحة وصريحة معايا من الأول قبل ما نربط مصيرنا ببعض؟”
كانت قاعدة على طرف السرير ببرود، كأنها سامعة موضوع عادي، وملامحها مفيهاش ذرة ندم، ومن جواها شايفة إنه هو اللي مكبر الموضوع: “انت مكبر الموضوع ليه يا ياسين؟ دي أمور حصلت في الماضي قبل ما تخطبني.. وأنا اخترتك أنت عشان كملت معاك”
ياسين حس إن الدم بيغلي في عروقه، هيتجنن من برودها، الوجع اللي جواه وجع راجل اتغدر بثقته في أكتر مكان كان مأمنه: “إنتي عارفة إنتي بتقولي إيه يا لمياء؟ الثقة مش هينة!”
كانت بتبصله على إنه بيبالغ في رد فعله، ومن جواها شايفة إنه مكبر الموضوع، ورأيها إن حياتها الشخصية قبل الخطوبة تخصها وحدها.. قالت ببرود: “هو أنت كنت فاكرني إيه؟ عيلة صغيرة ماليش تجارب؟ أنا عشت برا خمس سنين، وطبيعي تكون ليا تفاصيل وحياة سابقة، وأنا حرة فيها”
ياسين حس بقهر شديد، كرامته ورجولته اللي طول عمره شايلهم على كتفه كأنهم اتكسروا مرة واحدة، ووجعه الأكبر إنها بنت عمه، من لحمه ودمه، حاسس كأنه اتطعن في ضهره: “حرة؟ بس الأمان والصراحة هما أساس أي بيت، انتي كده هدمتي الثقة اللي بينا وبين اسم العيلة، اسم الجارحي اللي أبويا وعمي أمنوني عليه”
ضحكت ضحكة مستفزة، قامت وقفت قدامه وهي مش هاممها أي حاجة غير نفسها وبس، قلبها جامد وعينيها كلها تحدي: “وماله اسم الجارحي؟ ما أنا جارحي زيي زيك، وبعدين لو إللي عرفته وجعك أوي كدا طلقني، بس ساعتها هتفضح عمك وهتفضحني وهتخلي سيرة العيلة على كل لسان”
الكلمة رشقت في قلبه زي السكينة، هي عارفة بتلعبه إزاي، عارفة إنه لو اتكلم هيهد اسم العيلة وهيفضح عمه، وياسين مستحيل يقبل بكدا، واقف متكتف بين ناره وبين خوفه على اسم عمه اللي هيتفضح.. قالها بغضب: “أنا لا يمكن أقبل أن نكمل بالشكل ده وبفقدان الثقة ده، إنتي فاهمة؟”
وخرج من الأوضة وسابها وهو بيلعن اليوم اللي فكر يتجوزها وهو واثق في صراحتها لأنها بنت عمه، قلبه مليان قرف وغضب وماشي بيخبط في الحيطان.
في نفس الوقت تحت، القصر كان كله هادي بعد دوشة الفرح.. سكوت تقيل بعد يوم طويل.
في المطبخ كانت واقفة عديلة أكبر خدامة في القصر.. كانت جايبه مريم بنت جوزها عشان تساعدها في تنضيف القصر بعد ما الفرح خلص.
مريم بنت جميلة عندها 22 سنة.. بتشتغل في محل لعب أطفال عشان تساعد أبوها الغلبان في مصاريف علاجه، قلبها أبيض ووشها بريء بس الدنيا جاية عليها بدري.
حسنين أبو مريم كان بيشتغل بواب في قصر الجارحي.. واتجوز عديلة بعد ما أم مريم ماتت.. بس عديلة ست قاسية وقلبها جاف.. من يوم ما اتجوزته وهي بتعامل مريم بقسوة.. وحسنين ضعيف قدام مراته ومكسور بسبب المرض اللي جاله وقعده عاجز في البيت.. وعديلة ومريم هما اللي بيشتغلوا ويصرفوا على مرضه.
مريم كانت في الجنينة بتنضفها، لابسة فستانها البسيط وشايلة مقشة أكبر منها، جسمها بيترعش من التعب والبرد، وإيديها ساقعين، بس من جواها بتقول لنفسها استحملي عشان أبوكي، عشان لو عديلة مرات أبوكي غضبت عليكي.. هتسيب أبوكي من غير دوا.. وكانت بتهون على نفسها وتقول: “معلش يا مريم، استحملي، كله عشان أبوكي يقوم بالسلامة”
صوت عديلة جاي من المطبخ عالي وبتتأمر كأنها صاحبة القصر، صوتها كله قسوة: “إخلصي يا بت، إنتي لسه بتتدلعي؟ ده قصر الجارحي مش مكان للكسل”
مريم بلعت الإهانة وسكتت، عينيها كانت مليانة دموع بس بتحبسها، اتعودت إنها تبقى لوحدها دايما، وإن ملهاش حد يطبطب عليها.
ياسين كان نازل على السلم، كل خطوة بياخدها كأنها بتدوس على قلبه، وشه أحمر من الغضب والقهر، ونفسه طالع نازل، ومش شايف قدامه، فاكر إن القصر كله فاضي وإن الكل نايم، ومش واخد باله خالص إن في حد لسه موجود في الجنينة تحت.



