
وقفت متسمرة مكاني على أول السلم، حاسة بقلبي هيخرج من بين ضلوعي من كتر الدق.
”مش هتقدري تسامحي أخوكي؟!”
الجملة دي نزلت عليا زي المية الساقعة.
شريط العشرين سنة اللي عشتهم مع سامح عدى قدام عيني في لحظة.
الناس كلها فاكرة إن سامح مسافر شغال وبيشقى علشان يبعت لنا مصاريفنا، وفاكرين إن غيابه ده تضحية علشاني وعلشان بنتي وأمه.
لكن الحقيقة اللي محدش كان يعرفها غيري… وغير حماتي… كانت أتقل بكتير من إني أشيلها لوحدي.
سمعت صوت سلوى وهي بتتكلم بنبرة كلها غل وعصبية: حصري علي روايات واقتباسات
“أخويا ماله يا ماما؟! هو سامح اللي طردك من شقتك الكبيرة وجابك تقعدي في الدور الأرضي هنا؟ سامح اللي رماكي وخلاكي تاكلي في ورق زي المتشردين؟ ولا الهانم مراته اللي مسيطرة عليه وبتفرّق بينه وبين أهله؟”
صوت حماتي طلع ضعيف، بس كان حاسم:
“اسكتي يا سلوى… اسكتي بدل ما تنطقي كلمة تندمي عليها بقية عمرك. مرات أخوكي شيلاني في عينيها، والورق اللي بتتكلمي عليه ده هي عملاه علشاني أنا… بعد ما أيدي الشمال خذلتني ومبقتش قادرة أمسك
حتى معلقة، وخوفت على نفسي لما الكوباية اتكسرت في إيدي من شهرين وجرحتني.”
سلوى سكتت ثانية، كأنها اتفاجئت، لكن كبريائها منعها تتراجع، وقالت:
“ماشي، نعدي حكاية الأطباق… طب والشقة يا ماما؟ الشقة التمليك اللي فوق اللي المفروض نصها بتاعي ونصها بتاع سامح بعد عمر طويل؟ سامح قايلي بنفسه إنه باعها لنادية بمؤخر صداقها! وإنك انتِ مضيتي على البيع شهادة!”
هنا بقى مقدرتش أمسك نفسي أكتر من كده.
رجلي اتحركت لوحدها، ونزلت درجات السلم بخطوات سريعة، ودخلت الأوضة وأنا باصة في عين سلوى مباشرة.
سلوى اتخضت لما شافتني واقفة في وشها. حصري علي روايات واقتباسات
بصتلي وقالت ببرود مصطنع:
“كويس إنك جيتي… أهو تسمعي بنفسك علشان متقوليش بنتكلم ورا ضهرك.”
بصيت لحماتي، لقيت عينيها مدمعة وبتهز راسها بحزن كأنها بتقولي: “بلاش يا نادية… متقوليش.”
لكن الصبر اللي شيلته سنين كان خلاص فاض بيه الكيل.
قلتلها بصوت ثابت رغم الرعشة اللي في صدري:
“أنا مكنتش بتصنت يا سلوى… بس انتِ جاية بيتي وبتتهميني في أمانتي وفي أصلي. أخوكي هو اللي
قالك إني خدت الشقة بمؤخري؟”
سلوى ردت بحدة:
“أيوه! كلمني الأسبوع اللي فات وقالي إنه مزنوق في فلوس ومش عارف يتصرف لأن نادية حاطة إيدها على كل حاجة ومخلية أمي تمضي لها على كل مليم، وإنه هربان من البيت بسبب المشاكل والديون اللي انتِ ورطتيه فيها!”
ضحكت… بس كانت ضحكة كلها وجع ومرارة.
بصيت لسلوى وقلتلها:
“أخوكي مسافرش يشتغل يا سلوى… أخوكي هربان.”
سلوى برقت بعينيها:
“هربان؟! هربان من إيه؟ سامح مهندس محترم والكل يشهد له!”
حماتي حطت إيدها على وشها وبدأت تعيط بصوت مكتوم.
قربت من حماتي، طبطبت على كتفها وبصيت لبنتها وقلت:
“أخوكي المحترم دخل في تجارة مشبوهة وخسر كل مليم وراه وقدامه… حتى دهب أمه وخواتمها اللي كانت في إيديها خدهم منها وباعهم، وكان عليه شيكات بملايين لو مكنتش اتسددت كان زمانه مرمي في السجن من سنتين!”
سلوى وقفت مذهولة، وشها اصفر وبصت لأمها:
“الكلام ده بجد يا ماما؟!”
حماتي بصتلها والدموع نازلة على خدها المجعد:
“بجد يا بنتي… ونادية هي اللي باعت ورثها من أبوها، وباعت دهبها ودهب بنتها، وسددت
جزء من ديونه علشان تفديه من الحبس، والشقة دي اتكتبت باسمها بعد ما أخوكي كان رايح يرهنها لناس بلطجية كانوا هيطردونا في الشارع!”
سلوى بلعت ريقها بالعافية، بس عنادها كان لسه مسيطر عليها:
“ولو ده حصل… ليه مقولتوليش؟ ليه خبيتوا عليا؟ وليه سامح يقولي كلام غير ده خالص ويقولي إن نادية هي اللي بتطرده؟”
قربت من سلوى خطوة واحدة، وقلتلها بعينين مليانة غضب مكتوم:
“خبينا عليكي علشان أمك مرضيتش تفضح ابنها قدامك وقدام جوزك وأهله… رضينا نشيل الهم إحنا الاتنين، وأنا أخدمها وأراعيها وأقعد أداري على خيبته وهو كل كام شهر يتصل بيا يهددني لو مبعتلوش فلوس هيعمل ويسوي!”
سلوى اتراجعت خطوة لورا، باين عليها الصدمة، بس فجأة تليفونها رن.
بصت في الشاشة، وشها اتغير أكتر…
وقالت بصوت واطي:
“ده… ده سامح بيتصل بيا دلوقتي!”
حماتي اتنفضت من مكانها وقالت برعب:
“اوعي تردي عليه وتقوليله إنك هنا يا سلوى!”
لكن سلوى فتحت الخط بسرعة… وقبل ما تنطق، سمعنا صوت سامح طالع من السماعة وهو بينهج ومرعوب:
“سلوى… الحقيني! أنا وصلت المطار ومعايا
مصيبة، والناس بتوع الشيكات عرفوا طريقي ومستنيني تحت البيت عند ماما!”
#حكايات_منــال_عـلـي



