عام

شفت جوزي مع جارتي حكايات رومانى مكرم الاخير

استقرت أوراق القضية والأحكام النهائية في حقيبتي الجلدية، وخرجتُ من مبنى المحكمة وأنا أشعر بكبرياء امرأة لم تسمح للغدر أن يكسرها، بل جعلت منه درعًا وصقلاً لشخصيتها. انطلقت السيارة بي وبوالدي وإخوتي نحو مقر الشركة، لكن هذه المرة لم نكن ذاهبين لترتيب الأوراق فحسب، بل لافتتاح عهد جديد تكون فيه الإدارة والسيادة لي وحده. وصلنا إلى مقر الشركة الرئيسي، كان الموظفون يقفون في الممرات بحالة من الترقب والوجوم بعدما وصلت بطلائع الأخبار من المحكمة.

خطوتُ بداخل البهو الرئيسي بخطوات ثابتة، ثوبي الأسود ينعكس على بلاط الرخام، وعيناي تطالعان اللوحة الكبيرة التي كانت تحمل اسم “طارق وشركاه”.توقفتُ أمام اللوحة لثوانٍ، والتفتُّ إلى مدير الصيانة والشؤون الإدارية وقُلت بنبرة هادئة وحاسمة: “اللوحة دي تنزل فوراً.. ومن النهاردة اسم المكان ده هيكون ‘مؤسسة سارة عبد الجواد للتجارة والاستثمار’.”صفق العاملون والموظفون، وارتفعت الهمهمات بتهنئتي، فقد كان الجميع يعلم أن طارق لم يكن سوى واجهة، وأن العقل المفكر والأموال التي أدارت هذا الكيان منذ اليوم الأول كانت نابعة من جهدي ومالي الشريف. دخلتُ المكتب الرئيسي، قعدتُ على الكرسي الكبير خلف المكتب الذي كان يجلس عليه طارق متغطرسًا.

أخرجتُ مفاتيحي، وفتحتُ الخزنة الرئيسية الخاصة بالمكتب، وبدأتُ مع شقيقي الأكبر والأستاذ حلمي مراجعة كافة الحسابات والاعتمادات المالية المستردة. في تلك الأثناء، وفي ظلمات سجن الترحيلات، كان طارق يجلس على الأرضية الباردة مكلبش اليدين، يحيطه صمت والمجرمين. أثر اللكمات على وجهه يزيد سواداً، وملابسه الممزقة أصبحت شاهدة على السقوط القاعي. دخل عليه ضابط يناديه بنبرة جافة: “طارق عبد اللطيف!.. عندك زيارة رسمية من محاميك وشقيقك”.قام طارق يجر قدميه بضعف، وعيناه المحمرتان تنظران للأرض. دخل غرفة الزيارة ليرى شقيقه ومحاميه يجلسا بوجوه متجهمة لا تحمل أي بشرى.

صاح طارق بنبرة مبحوحة يملأها الرجاء: “عملتوا إيه؟! سارة وافقت على أي تسوية؟ سامح تنازل عن القضية؟! قولوا لي أي حاجة تخرجني من هنا!”.ضرب شقيقه الطاولة بيده وقال بقسوة وكسرة: “تسوية إيه يا طارق؟! سارة خدت حكم بالطلاق للضرر، وثبّتت ملكية الشركة والعقار والشقة، وأحكام الشيكات صدرت بـ 6 سنين سجن مشدد واجبة التنفيذ! المحامي بيقول مفيش أي منفذ قانوني طالما هي رافضة التنازل!”.انهمرت الدموع من عيني طارق كالماء المنهمر، وصاح بجمود وذهول: “6 سنين؟! وسارة سحبت الشركة؟! يعني أنا بقيت سجين وبلا مليم وبلا شغلانة ولا بيت؟

!”.رد المحامي بأسف: “وللأسف قضية الزنا المرفوعة من سامح متأجلة للجلسة الجاية، وشهادة سارة في محضر النيابة حسمت التلبس.. أنت هتقضي أحكام متتالية يا طارق، وما حيلتكش حتى حق أتعاب الاستئناف لأن حساباتك كلها اتجمدت بقوة القانون لصالح ديون سارة!”.سقط طارق على الكرسي، يمسك برأسه ويتأوه بحسرة وندم، يتذكر لحظة إغلاقي للباب بالترباس النحاسي، وكيف كانت تلك “النقرة الناعمة” هي الإعلان الرسمي لإغلاق باب حياته المستقرة وفتحه لأبواب الجحيم بيده.

أما في شقتي، وبعد أن طُهرت تمامًا، كانت والدتي وشقيقاتي قد وصلن من الصعيد لإعادة ترتيب البيت وتغيير كل أثاثه وديكوراته ليمحوا أي أثر أو ذكريات لطارق ونهى. وقفتُ في المطبخ، أسكب لنفسي كوباً من القهوة الدافئة، وأبص من النافذة على الشارع الذي كان شاهدًا على الفضيحة والقصاص. رأيتُ سامح يخرج من العمارة وهو يحمل أوراق طلاقه الرسمي من نهى، مرفوع الرأس بعدما أخذ حقه بالكامل. اقترب والدي مني، ووضع يده على كتفي وقال بتأثر: “رضيتي يا سارة؟

“.نظرتُ إليه بابتسامة ناصعة وشديدة الثبات، وقُلت: “رضيت يا بوي.. لأن العدل لما بيتاخد بالقانون والعقل، بيبقى له طعم تاني.. واللعبة اللي بدأوها في الضلمة، نورت حياتي أنا في النور”.أخذتُ رشفة من القهوة، وأنا أعلم أن الماضي أُغلق عليه بالترباس النحاسي إلى الأبد، وأن آفاقًا جديدة من النجاح والقوة تنتظرني في الغد…مرت عدة أشهر على تلك الليلة التي تغير فيها كل شيء، وأصبحت الحياة تسير بإيقاع جديد مفعم بالقوة والسيطرة.

كانت مؤسسة “سارة عبد الجواد للتجارة والاستثمار” تشهد طفرة غير مسبوقة في السوق؛ إذ نجحتُ في عقد صفقات جديدة وتوسيع نطاق العمل ليشمل فروعًا في عدة محافظات، لتثبت الأرقام أنني كنت دائمًا المحرك الحقيقي لهذا النجاح، وأن طارق لم يكن سوى هامش أُزيل بجرعة ذكاء وثبات. في صباح يوم جديد، كنتُ أجلس في مكتبي الفخم ذي الإطلالة البانورامية، أراجع التقارير المالية لآخر الربع السنوي.

دخل الأستاذ حلمي المحامي، يحمل في يده حقيبته الجلدية وابتسامة هادئة تعلو وجهه، قائلاً: “صباح الخير يا سارة.. جيت أبلغك بأحدث التطورات القانونية عشان الملف يتفصل فيه بشكل كامل”.اعتدلتُ في جلستي وقُلت بثبات: “خير يا أستاذ حلمي؟ أظن الأحكام التنفيذية ماشية في طريقها؟”.أخرج حلمي ملفًا مستجدًا ووضعه أمامي قائلاً: “بالفعل.. طارق استنفد كل محاولات الاستئناف، وصدر الحكم النهائي المؤيد في قضية الزنا وانتهاب حرمة السكن المرفوعة من سامح، ليتجمع عليه مجموع أحكام المشدد يصل لـ 8 سنوات، بالإضافة إلى التنفيذ الجبري على ما تبقى من أملاكه الشخصية لسداد تعويض الأضرار المالية والأدبية لصالحك”.

تنفستُ بعمق وقُلت بنبرة خالية من أي شفقة: “ده الجزاء العادل لرجل استهان بالبيت والعرض والجيرة”.وواصل حلمي بلهجة تفصيلية: “مش بس كده.. أهله باعوا قطعة الأرض الأخيرة في الصعيد عشان يقدروا يسددوا المصاريف القضائية وديون متفرقة، وأصبح هو وعيلته خارج نطاق السوق تمامًا. أما نهى، فبعد طلاقها الرسمي من سامح وصدور حكم النيابة، أهالها أخدوها وعاشوا في مكان مجهول أطراف أقاليم الصعيد بعيد عن كل معارفهم بعد الخزي اللي لحق بيهم”.

في تلك الأثناء، وفي أحد السجون العمومية شديدة الحراسة، كان طارق يقف في طابور لارتداء الزي الأزرق الخاص بالمحكوم عليهم بأحكام مشددة. المظهر الأنيق الذي كان يتباهى به اختفى تمامًا، حل محله شعر أشعث، وجه شاحب تطوقه الهالات السوداء، وجسد نحف من قسوة الأيام وثقل الندم. جلس في ساحة أثناء ساعة الفسحة القليلة، ينظر إلى الفراغ الممتد أمامه، ويتذكر كيف كانت حياته قبل تلك اللحظة الشؤوم. كان يملك زوجة أصيلة وشريفة، بيتاً دافئاً، وشركة ناجحة ومكانة اجتماعية مرموقة.

. كل ذلك تبخر في لحظة طيش ورخص. اقترب منه أحد وقعد إلى جواره قائلاً بجفاء: “إيه يا طارق؟ سرحان في إيه؟ المحامي بتاعك ما جاش النهاردة ليه؟”.رد طارق بصوت خفيض بحّت فيه النبرة: “المحامي مش هيجي تاني.. خلاص، القضية أتقفلت والسحابة المظلمة بلعتني. أنا الخسران الوحيد.. سارة خدت كل حاجة ورجعت أقوى من الأول، وأنا بقيت مجرد رقم في دفتر “.

أما على الجانب الآخر، وفي العمارة التي شهدت الواقعة، كانت الحياة قد تطهرت بالكامل. أعدتُ تجديد الشقة بالكامل، واستبدلتُ حتى الباب القديم والترباس النحاسي بآخر حديث ومتطور، وكأنني أمحو آخر أثر مادي لتلك الذكرى، مع الإبقاء على الدرس في ذاكرتي للأبد. نزل والدي الحاج عبد الجواد من الصعيد في زيارة خاطفة ليرى سير الأعمال بنفسه. دخل المكاتب الجديدة في الشركة، ورأى إخوتي وهم يديرون القطاعات بكل كفاءة تحت إشرافي. وقف والدي في منتصف الممر الرئيسي، ونظر إليّ بعينين تفيضان بالفخر، ثم قال بصوته الصعيدي الأصيل: “كنت عارف إنك جبل يا سارة.

. العفّة والعقل لما يتجمعوا في امرأة، ما يقدرش عليهم أي خاين ولا أي زمن”.ابتسمتُ وقُلت: “تعلمت منك يا بوي إن الحق لما يتاخد بالقانون والعقل يفضل ثابت، وإن القوة مش في الصراخ والدموع، القوة في الثبات واللحظة المناسبة للرد”.وقفنا جميعًا نطل من شرفة الشركة على حركة الشارع والتجارة، وأنا أعلم أن السلسلة الممتدة من الخيانة والظلم قد انتهت حلقاتها تمامًا، ولم يتبقَ سوى المشهد الأخير الذي سيشهد الإغلاق النهائي لهذه الصفحة وإعلان الانتصار الكامل…مرت السنوات الثلاث، ودارت الأيام دورتها المحتومة لتضع النقطة الأخيرة في فصلٍ طال أمره، وتبدأ صفحة جديدة نصاعة في كتاب الحياة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى