
خطيبي كلمني فون، وأنا بكلمه لقيته مخنوق وباين عليه التعب. فضلت أقوله: “مالك؟ مالك؟ احكيلي في إيه؟” مرداش يحكي، وبعد إلحاح عليه قالي: “عايزة الصراحة؟”
قولتله: “آه، احكيلي في إيه؟”
قال: “أنا مبقتش شايفك زي الأول، ومش حاسس بنفس الانجذاب، ومش شايفك مهتمة بنفسك زي زمان. وزيادة وزنك وإهمالك لنفسك بقوا واضحين.”
الكلام وقع عليا تقيل، خصوصًا لما بدأ يتكلم عن شكلي بطريقة جارحة، وقال إن مظهري ما بقاش عاجبه، وإنه مش حاسس بالحضور اللي كان بيحبه فيا.
كانت الصدمة نازلة على قلبي، ولساني اتعقد ومش عارفة أنطق كلمة واحدة. أسلوبه الجاف وهو بيعدد ملاحظاته كأنه بيحكم عليا، كان بيوجعني جدًا.
أنا قاعدة على السرير، سخونة نزلة البرد بتاكل في عظامي، وزوري تعبان ومش قادرة حتى أبلع ريقي، وهو فوق كل ده بيحملني كلام صعب.
“أنا مبقتش حاسس إنك مناسبة ليا زي الأول.”
الكلام كان بيدور في دماغي وكأنه بيتكرر ألف مرة. دموعي نزلت على خدي، وبصيت في شاشة التليفون لقيتها طفيت. قفل المكالمة بعد ما قال كلامه، وسابني أواجه المرض والتعب النفسي لوحدي.
أنا “مريم”، البنت اللي طوال عمرها شقيانة ومستحملة. نزلت الشغل وتحملت الشمس والتعب عشان أساعد في مصاريف جوازي.
وشي اتأثر من كتر الشغل، وجسمي زاد شوية في الفترة اللي قعدت فيها في البيت بسبب التعب وقلة الحركة.
كل ده بدل ما يتشاف على إنه مجهود وتعب من أجل المستقبل، اتشاف من الشخص اللي كنت فاكرة إنه هيسندني على إنه سبب كافي إنه يبعد عني.
فضلت خمس أيام مرمية في السرير مش قادرة أتحرك، والكلمات بترن في ودني، وكل ملاحظة قالها كانت بتأثر في ثقتي بنفسي.
في اليوم السادس، مسكت التليفون وإيدي بتترعش، واتصلت بيه.
رد عليا ببرود وكأنه مش عارف هو أثر فيا إزاي:
“أيوة يا مريم.. خير؟”
استجمعت كل القوة اللي فاضلة في روحي، ومسحت دموعي بإيدي، وقلت بصوت حاد لكنه ثابت:
“الخير إنك تلم لعبك ويا دار ما دخلك شر.. خطوبتنا انتهت يا حازم، وكل شيء قسمة ونصيب.”
سكت ثواني مصدوم. كان فاكرني هعيط وأترجاه، لكن كبريائي كان أقوى من أي وجع.
كملت قبل ما ينطق:
“اللي تشقى عشان تبني بيت، تستحق حد يقدّر تعبها ويشوف قيمتها، مش حد يحصرها في شكلها. الشبكة وحاجتك هتوصلك لباب بيتك بكرة.”
وقفت المكالمة، وقررت أبعد عنه تمامًا.
في اللحظة دي، بدأت أركز على نفسي، مش عشان أثبتله حاجة، لكن عشان أرجع أحب مريم اللي نسيتها وسط الشغل والتعب والاستعداد للجواز.
نزلت الصيدلية، واهتميت بروتين بسيط لبشرتي، ونظمت أكلي، وبدأت أتحرك وأمارس الرياضة بشكل مناسب، واهتميت بنومي وراحتي.
كل ما أحس بتعب أو كسل، كنت أفتكر قد إيه محتاجة أرجع لنفسي، وأفكر في كل مرة أهملت فيها راحتي عشان أرضي اللي حواليا.
عدى شهر كامل، شهر وأنا مركزة على نفسي وحياتي.
وزني رجع للمعدل اللي بيريحني، بشرتي اتحسنت، وشعري رجع يهتم بيه، والأهم من كل ده إن ثقتي بنفسي رجعت.
في يوم، كان عندي مناسبة في عيلة قرايبنا، وقررت أخرج للدنيا من جديد.
لبست فستان أحمر بسيط وأنيق، وطرحة بيضا، وحطيت مكياج هادي يبرز ملامحي.
وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي بثقة.
مابقتش مريم المكسورة والمجهدة.
بقت مريم اللي عارفة قيمتها، ومش مستنية شهادة من أي شخص عشان تحس إنها جميلة ومميزة.
نزلت من البيت ومشيت في الشارع بثقة، وفجأة، وأنا معدية من جنب القهوة اللي في أول الشارع، كان حازم قاعد مع أصحابه.
وبمجرد ما عينه وقعت عليا، سكت تمامًا.
جلس حازم على المقعد الخشبي قدام القهوة، يقلب كوب الشاي من غير تركيز، وعينيه ثابتة عليا.
كان فاكر إن مريم هتنهار، وإنها هتتصل بيه وتطلب منه يرجع.
لكن غيابها شهر كامل خلاه يعيد حساباته.
ولما شافها قدامه، اتفاجئ بالتغيير الكبير.
خطوات واثقة، فستان أنيق، وملامح هادية ومشرقة.
اتسعت عيناه، وسكت أصحابه وهم بيتابعوا المشهد.
لم تكن سوى مريم.
قام حازم واقفًا في ذهول.
هل هذه هي مريم التي تركها قبل شهر وهي تعاني التعب؟
مرت مريم من أمامه بثقة، ولم تلتفت إليه.
التجاهل كان كافيًا عشان يفهم إنها لم تعد تنتظر رأيه.
ترك أصحابه وذهب خلفها بخطوات سريعة، وقال:
“مريم!.. مريم استني هنا!”
وقفت مريم في منتصف الطريق، ولم تتفاجأ.
التفتت إليه ببطء وقالت بنبرة هادئة:
“نعم يا حازم؟ في حاجة نسيت تبعتها مع الشبكة؟”
وقف حازم أمامها مرتبكًا، وكلماته لم تكن مرتبة.
قال بصوت نادم:
“إيه ده يا مريم؟ إنتِ اتغيرتي كده إزاي؟ أنا مش مصدق إني شايفك بالشكل ده.”
بصت له مريم بهدوء وقالت:
“أنا مغيرتش نفسي عشانك يا حازم. أنا رجعت لنفسي.”
سكت.
كملت:
“الفرق إنك لما تعبت، شوفت عيوبي بس. وأنا لما تعبت، اكتشفت إني كنت محتاجة أهتم بنفسي وأفتكر قيمتي.”
حاول يتكلم، لكنها رفعِت إيدها تمنعه:
“مش كل علاقة لازم تنتهي برجوع أصحابها لبعض. أحيانًا النهاية بتكون هي البداية الحقيقية.”
فضل حازم ساكت.
أما مريم، فابتسمت ابتسامة بسيطة، وكملت طريقها من غير ما تبص وراها.
ولأول مرة، ما كانش هدفها إنها تخليه يندم.
كان هدفها إنها ما تسمحش لأي شخص تاني يخليها تنسى قيمتها.



