روايات وقصص

حكايات ندي 1

حماتي اتنهدت تنهيدة طويلة، وقعدت على الكنبة وقالت: أحمد عنده جين وراثي في العيلة.. مرض بيظهر تأثيره بالتدريج بعد الولادة، والدكاترة في التحاليل اللي عملناها قبل الجواز بأسبوعين بس.. حذرونا من احتمالية انتقاله للأطفال، وطلبوا منا تووخي الحذر الطبي الشديد!

الكلمات نزلت عليا بصعوبة، حسيت بركبي بتضعف وقعدت على الكرسي. أفكاري اتلخبطت، افتكرت كل لحظة، لما كانت بتقدم لي الحباية وتقولي “عشان تنبسطوا”، واهتمام جوزي اليومي. بصيت لأحمد وقلت بدموع: مرض وراثي؟ وتحاليل قبل الجواز؟ طب وليه ما قولتليش؟ ليه خليتوني أعيش في وهم إننا في ظروف عادية؟

أحمد قرب مني وقعد قصادي ومسك إيدي وقال بأسف: ندى، والله ما كنت قادر أصدمك قبل الفرح بأيام قليلة.. كل حاجة كانت جهزت، والمعازيم، والفستان.. ماما اقترحت نأجل الخلفة سنة أو سنتين لحد ما نستشير أطباء متخصصين في الخارج ونشوف الحلول الطبية المتاحة. ما أردتش أخسرك، وما أردتش أدخلك في الدوامة دي وأنتِ لسه في أول حياتك.

مسحت دموعي وقلت: ما أردتش تخسرني؟! بس خسرت صراحتك معايا.. كان ممكن أقف جنب أحمد ونفهم الحلول سوا، لكن إنكم تتعاملوا معايا بالطريقة دي.. دي اللي أثرت فيا. حماتي وقفت وقالت بصوت هادئ: اللي حصل حصل يا ندى.. الغلط كان في طريقة الإخفاء، بس إنتِ دلوقتي حامل، ولازم نستشير الأطباء المتخصصين في أسرع وقت لنطمئن على الحالة الصحية للجنين.

وقفت ورديت بقلب منقبض: استشارة طبية؟ يعني إيه؟ وإذا ظهرت أي تحديات.. ناوية تعملي إيه يا حماتي؟ حماتي سكتت وبصت لأحمد، والصمت كان هو الإجابة الأقسى.

مرت الأيام اللي بعد الموقف ده بكثير من التفكير والقلق. البيت اللي كان هادئ تحول لمتابعة طبية مستمرة. أحمد صار يقضي وقتاً أطول في العمل وهو شاعر بالذنب، وجدار الصمت زاد بيننا. بعد أسبوع، توجهنا لمستشفى متخصص في القاهرة عشان نعمل الفحوصات الطبية اللازمة للجنين.

الدكتورة تحدثت بلغة طبية دقيقة، وأنا قاعدة أنتظر بقلب خافق. سحبوا العينة، وقالت إن النتيجة ستصدر خلال أسبوعين.. أسبوعين كانوا الأطول في حياتي.

في الأسبوعين دول، حماتي كانت بتجيلي الشقة تطمئن عليّ، وتقعد جنبي وتبدي الكثير من التعاطف والقلق. وفي يوم، وأنا قاعدة في البلكونة أدعية ربنا يكتب لنا السلامة، حماتي دخلت وقعدت جنبي، وحطت إيدها على كتفي وقالت: ندى.. أنا عارفة إنك زعلانة من طريقتنا، بس صدقيني، أنا شفت معاناة قريبة في العيلة بسبب المرض ده، وما أردتش أشوف ابني وزوجته في نفس التجربة المؤلمة.. سامحيني يا بنتي.

بصيت لها وقلت: المسامحة تحتاج وقتاً لما تحس إن القرارات المصيرية اتخذت من غير مشاركتك.. أنا كنت أتمنى نواجه الظروف دي بصراحة ووضوح.

وفي اليوم الموعود.. جاء اتصال المستشفى. أحمد جاء من الشغل بسرعة، ووالدته حضرت فوراً. قعدنا كلنا، والتليفون على وضع مكبر الصوت، وصوت الدكتورة طلع هادئ لكن جاد: ألو.. أستاذ أحمد؟ مدام ندى.. نتيجة الفحوصات الطبية للجنين ظهرت.. ولضرورة المتابعة، يرجى حضور العيادة فوراً لمناقشة التوصيات الطبية القادمة!

أحمد مسك إيدي بقوة وقال بصوت مبحوح: دكتورة.. طمنينا.. هل هناك ملاحظات طبية تستدعي القلق؟! سكتت الدكتورة لثوانٍ معدودة، حسيت فيها أن أنفاسنا توقفت.. لحد ما قالت: الفحوصات توضح وجود مؤشرات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً ونقاشاً فورياً للخطوات القادمة معنا!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى