
أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي على الكل، ولما جه وقال لي إن في عريس متقدم لي، رفضت من غير ما أفكر. بس أبويا قفل الباب وبص لي بجمود وقال: “الراجل شاري، ومستعد لكل طلباتك.. بس عنده شرط واحد غريب، مش عايز يشوف وشك ولا يقعد معاكي غير بعد ما المأذون يخلص كتب الكتاب وتقفلوا عليكم باب واحد.”
مقالات ذات صلة
أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي2
منذ 50 دقيقة
حكايات منى السيد 3
منذ ساعتين
حكايات منى السيد 2
منذ ساعتين
حكايات منى السيد 1
منذ ساعتين
الشرط كان يخوف ويوتر. ألف سيناريو دار في دماغي.. هو ليه بيعمل كده؟ هل في وشي حاجة مش هتعجبه؟ ولا هو خبيث ومستخبي ورا الشرط ده عشان يورطني؟ بس قدام إصرار أبويا وقسوته، ما كانش قدامي غير إن أسلم أمري لله. لبست الفستان، وحطيت على وشي طرحة بيضاء تقيلة زي ما طلبوا بالظبط، وقعدت في الأوضة مستنية.. قلبي كان بيدق زي الطبلة وأنا سامعة صوت المأذون بره وهو بيقول: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
الناس بره بدأت تبارك وتزغرط، وبعد دقائق الباب اتفتح وبدأت الخطوات تقرب. دخل وقفل الباب وراه بالراحة.
كان طويل وعريض، ولابس بدلة شيك جداً، بس أول ما بصيت له من تحت الطرحة، حسيت إن فيه حاجة مش مظبوطة.. خطواته كانت بطيئة وتقيلة، كأنه ماشي لمهلكته مش لليلة فرحه. وقف قدامي، ومد إيده وهي بترتعش عشان يرفع الطرحة. أنا وقتها غمضت عيني، وكنت مستنية أسمع منه كلمة تكسر خاطري أو أشوف في عينه خيبة أمل.
بس اللي حصل خلاني أفتح عيني بذهول.
أول ما الطرحة اترفت وعينه جت في عيني، ملامحه كلها اتغيرت في ثانية. لونه اتخطف ووشه بقى أصفر زي الورقة، وبص لي بنظرة مرعوبة كأنه شاف عفريت قدامه! أنفاسه بقت متقطعة وسريعة، وفجأة، رجله ما شالتوش.. وقع على ركبه على الأرض قدامي وبدأ يعيط بحرقة وبصوت يعصر القلب!
أنا اتسمرت في مكاني من الصدمة، ونزلت على ركبي جنبه وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل: “في إيه؟! أنت كويس؟ مالكجرى لك إيه؟!”
رفع وشه المبلول بالدموع، وكانت عينه متثبتة على جبهتي.. تحديداً على علامة الجرح القديمة اللي معلمة فوق حاجبي الشمال. الجرح ده اللي معلم في جسمي وفي حياتي من ٧ سنين، من يوم الحادثة الصعبة اللي قعدت بسببها في المستشفى شهور، والشخص اللي خبطني بالحرية هرب ومحدش قدر يوصل له.
إيده كانت بترتعش بشكل يخوف وهو بيمدها في جيب بدلته الداخلي، وطلع محفظة جلد قديمة. فتحها وطلع منها صورة مطبقة ومتهالكة.. كانت صورتي أنا! صورة بطاقتي القديمة اللي ضاعت مني يوم الحادثة!
بص لي بصوت مخنوق ومكسور وقال: “أنا دورت عليكِ في كل مكان.. أنا الشخص اللي خبطك بالسيارة وهربت زي الجبان من خوفي.. من يومها وحياتي جحيم، وعذاب الضمير بياكل فيا كل يوم، وحلفت ما أفرح ولا أتجوز.. أنا جيت هنا وأنا فاكر إني بتجوز واحدة تانية عشان أهرب من ذنبي.. إزاي أبوكِ جابني لحد عندك؟!”
قبل ما أستوعب كلامه أو أرد، سمعت صوت مفتاح بيلف في قفل الباب.. الباب اتفتح بهدوء، ودخل أبويا وهو بيبتسم ابتسامة باردة جداً، قفل الباب وراه بالمفتاح وقال بصوت واثق:
“أهلاً بيك في سجنك.. أنا بقالي ٧ سنين بدور عليك، ولما وصلت لك، كان لازم أجيبك لحد هنا برغبتك عشان الحساب
ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ بدت وكأنها أدهار. صمت ثقيل ومخيف، لا يقطعه سوى أنفاس العريس المتلاحقة وهو يجلس على ركبتيه، وصوت قطرات دموعه التي تتساقط على السجادة. كنت أنا أتنقل بنظراتي الذهولة بين أبي القائم عند الباب بابتسامته الباردة كجليد الشتاء، وبين هذا الرجل الغريب الجالس تحت قدمي، والذي تبين أنه هو الكابوس الذي يطاردني منذ سبع سنوات.
ارتجف جسدي بالكامل، وشعرت برود تسرى في أطرافي جعلتني غير قادرة على الوقوف. النظر إلى أبي في تلك اللحظة كان أصعب من النظر إلى الرجل الذي دهسني. كانت عينا أبي تتألقان ببريق غريب، بريق انتصار خطط له بعناية وشغف مريض طوال سنوات طويلة.
خطا أبي خطوات بطيئة نحو منتصف الغرفة، وكان صوت حذائه على الأرض الرخامية يضرب في رأسي كالمطرقة. وقف فوق رأس العريس المنهار، ورفع رأسه بقسوة من ذقنه ليجبره على النظر في عينيه مباشرة.
قال أبي بنبرة خالية تماماً من أي رحمة:
“فاكر إنك لما تفر بهربك وتستغل نفوذ فلوسك وأبوك المسؤول الكبير، إن الموضوع انتهى؟ فاكر إن دم بنتي هيروح هدر عشان أنت استخبيت ورا جدران القصر بتاعكم؟ سبع سنين يا إبراهيم.. سبع سنين وأنا بعيش كل ليلة على صوت صريخها في المستشفى، وعجز الأطباء وهم بيحاولوا يرجعوا لي بنتي اللي كانت بين الحياة والموت.”



