
إبراهيم.. هذا كان اسمه الذي سمعته لأول مرة. انكمش إبراهيم على نفسه، وأغلق عينيه بشدة وهو ينتحب بصوت مكتوم، متلعثماً وهو يحاول الحديث:
“أنا.. أنا والله ما كان قصدي.. أنا خفت.. كنت صغير وطائش، والظلمة كانت شديدة ومارفتش أتصرف.. أبويا هو اللي أخدني وسافرني بره ومسح كل الخيوط.. بس والله العظيم ما عرفت أذوق الطعم للنوم يوم واحد.. الذنب كان بيخنقني!”
ضحك أبي ضحكة قصيرة، جافة ومجردة من أي مشاعر، ثم التفت إليّ. نظرت إليه والتقت أعيننا، ورأيت في عينيه ذلك الجانب الصارم والقاسي الذي طالما ارتحبت منه طوال حياتي، لكن هذه المرة كان ممتزجاً بقدر هائل من الحقد المكتوم.
قلت بصوت يرتجف، وأنا أحاول لمس يد أبي:
“يا بابا.. أنت عملت إيه؟ أنت جوزتني له؟ إزاي تعمل كده؟ أنت حطيتني في الخطة دي من غير ما أعرف؟”
التفت إليّ أبي، وكانت نبرته حازمة وصارمة كعادته، لكن مع لمسة من الشفافية المريرة:
“كان لازم تعملي كده من غير ما تعرفي يا بنتي.. لو كنتِ عرفتي، ما كنتيش هتعرفي تمثلي الخوف أو الخضوع، وشك وتوترك كانوا هيفضحوا كل حاجة. الشرط الغريب اللي هو حطه إنه ما يشوفكيش غير بعد كتب الكتاب، كان هو الخيط اللي سحبته بيه لل مصيدة! هو كان فاكر إنه بيهرب من ذنبه وبيتجوز عروسة عادية ما يعرفهاش عشان يرضي ضميره أو يقفل باب الزواج، وأنا استغليت ده.”
بدأت الصورة تتضح في عقلي، لكنها كانت تتضح بأسوأ طريقة ممكنة. أبي لم يكن يبيعني لغني مستبد كما ظننت، بل كان يستخدم زواجي كطعم في رحلة انتقام شخصية.
استطرد أبي وهو يخرج من جيب معطفه ملفاً أصفر قديم، أوراق مطوية يبدو أنها جمعت على مدار سنوات من التحريات السرية:
“من سبع سنين، لما الضابط قال لي: ‘القضية تقيدت ضد مجهول، وما فيش كاميرات جابت نمرة العربية’، أنا أقسمت إني مش هعتمد على عدالة الأرض الضعيفة. بعت كل ما أملك، واشتغلت مع مقتفين ومحققين خاصين، ووصلت للورشة اللي اتصلحت فيها عربيتك المتهشمة في الساعات الأولى من الفجر. ومن الورشة وصلت لاسمك.. ومن اسمك عرفت أبوك.. وعرفت إنك هربت بره مصر.”
كان إبراهيم يستمع وكل كلمة تنزل عليه كالسياط. يداه كانتا تطوقان رأسه وهو يئن:
“ولما رجعت.. ليه ما بلغت أجهزة الشرطة؟ ليه عملت اللعبة دي؟”
سار أبي نحو نافذة الغرفة المظلمة، ونظر إلى الخلاء بره قبل أن يلتفت إلينا بجمود:
“عشان الشرطة كانت هتسجنك سنتين أو ثلاثة مع إيقاف التنفيذ بسبب نفوذ أبوه، أو كانت هتطلعك بكفالة وتدفع ديّة.. وأنا دم بنتي وحياتها اللي اتدمرت ما يتوزنوش بفلوس ولا بأحكام صورية! أنا كنت عايزك تخش هنا بقدميك، تكتب عقد بملكية حياتك ونفسك، وتكون تحت إيدي برغبتك القانونية والشرعية!”
وقف إبراهيم بصعوبة، مستنداً على حرف الفراش. كان وجهه شاحباً ، ودموعه تسيل على وجنتيه، لكن ظهرت في عينيه لمحة من الاستسلام العجيب. لم يحاول الهرب، ولم يحاول الصراخ أو طلب المساعدة، بل قال بصوت خافت:
“طب والمأذون؟ والناس اللي بره؟ وأبويا اللي فاكر إني بتجوز بنت حد من معارفه؟”
رد أبي بابتسامة خبيثة:
“المأذون صح، والعقد صحيح مئة في المئة، والشهود بياخدوا فلوسهم وبره بياكلوا ويشربوا. أنت دلوقتي جوز بنتي رسمياً وشرعياً أمام القانون والسماء. ومحدش بره الأوضة دي يعرف أي حاجة عن الحقيقة.. أبوك فاكر إنك بتصلح حياتك وبتبدأ من جديد، وما يعرفش إنك دخلت العرين بنفسك.”
في تلك اللحظة، رفعت رأسي ونظرت لإبراهيم. لم أكن أرى فيه مجرماً سفاحاً، بل رأيت رجلاً مكسوراً بالكامل، حطمه الذنب قبل أن يطاله انتقام أبي. لكن الوجع الذي كان بداخل رأسي، والعلامة التي على جبهتي، والمستشفى التي قضيت فيها شبابي، كل ذلك جعل مشاعري تتخبط بين الكراهية والشفقة، وبين الذهول من القسوة التي يمارسها أبي.
نزلت من على الفراش وقفت بينهما، وأنا أتنفس بسرعة:
“وأنا يا بابا؟ أنا موقعي إيه في كل اللعبة دي؟ أنت استخدمتني كحجر شطرنج؟ خلاني أتجوز الراجل اللي حياتي من غير ما أملك خيار؟ أنت ما فكرتش في مشاعري ولا في مستقبلي؟”
نظر إليّ أبي، ولأول مرة رأيت عينيه تدمعان ببطء، لكن قسوته لم تتزحزح:
“أنا عملت ده عشانك يا بنتي.. عشان لما تبصي في المراية وتشوف الجرح ده، تعرفي إن حظك ما ضاعش، وإن اللي عمل فيكي كده بيلحس تراب جزمتك بيكفر عن ذنبه تحت رجليكي! الزواج ده مش زواج طبيعي.. ده مؤبدة.”




