صعدت مريم درجات السلم بخطوات متزنة وواثقة، وكان صوت حذائها يرن في البناء الخالي كإيقاع نصر متتابع. فتحت باب شقتها ودخلت، ثم أغلقت الباب وراءها بهدوء شديد، وأسندت ظهرها عليه لثوانٍ معدودة.
أغمضت عينيها واستنشقت نفساً عميقاً متواصلاً. لم تكن أنفاس هزيمة أو حسرة، بل كانت زفرة راحة لروح كانت مسجونة تحت ركام الإهانة، واليوم فقط تحررت بالكامل.
في الأسفل، كان حازم يتخبط في الشارع كالمصدوم. ينظر إلى باقة الورد التي انثنت أوراقها بين يديه، وإلى رسالة الاعتذار التي باتت بلا قيمة. ألقى بالورد على الأرض بحزن، وأسند يده إلى حائط البناية بندم أثقل صدره.
كبرياؤه الذي كان يدفعه سابقاً للتعالي والتقليل منها، تحول الآن إلى شعور بالعجز أمام ثباتها ورقيها. بات يسأل نفسه بذهول: كيف لتلك الفتاة التي كانت تداري خجلها وتتحمل قسوته أن تتغير إلى هذا الحد؟ كيف أصبحت هذه الشخصية القوية التي لا تصل إليها محاولات استرضائه؟
مرت الأيام التالية ثقيلة على حازم. لم يكن يستطيع النوم أو ممارسة حياته الطبيعية. صورة مريم بالفستان الأحمر، ببريق عينيها وبشرتها الصافية، كانت تطارده في كل لحظة.
ترك عمله لعدة أيام، وأصبح يقضي معظم وقته في مقهى الشارع يراقب مدخل بنايتها، علّه يلمح طيفها، أو يحظى بفرصة لينظر في عينيها، علّ الجفاء يتراجع.
لكن مريم كانت أذكى من أن تمنحه حتى متعة رؤيتها. كانت تخرج لعملها الجديد الذي تقدمت إليه مؤخراً بكامل أناقتها وحضورها في أوقات متغيرة، متجاهلة وجوده تماماً.
في أحد الأيام، وبينما كانت مريم تجلس في صالة المنزل برفقة والدتها، رن جرس الباب.
فتحت الأم لتجد والدة حازم تقف على العتبة، وعلى وجهها علامات الانكسار والحرج. دخلت السيدة واعتذرت بكلمات مضطربة، ثم انهمرت في الدموع وهي ترجو مريم ووالدتها أن يمنحا ابنها فرصة أخيرة.
قالت بنبرة توسل:
“يا مريم يا بنتي، حازم ندمان جداً، وبقاله أيام مش عارف يعيش حياته بشكل طبيعي. عارف إنه غلط، وجاي يعتذر لك قدام الكل.. سامحيه يا بنتي، المسامح كريم، وإحنا أهلك وناسك.”
خرجت مريم من غرفتها بخطوات هادئة، وكانت ترتدي ثوباً بيتياً أنيقاً. جلست أمام والدة حازم بكل احترام، لكن عينيها كانتا حازمتين.
قالت بصوت هادئ ونبرة قاطعة:
“يا طنط، حضرتك على رأسي من فوق، ولكِ كل التقدير والواجب. بس حازم ما جرحنيش أنا بس، حازم كسر الثقة والأمان اللي بين أي اتنين مقبلين على بيت.
اللي يتخلى عن إنسان وقت ضعفه، ما ينفعش يطلب منه يرجع لمجرد إن ظروفه اتغيرت. الموضوع انتهى، والرجوع بقى بعيد.”
حاولت السيدة الاستعطاف مجدداً، لكن موقف مريم الصارم والمدعوم بثباتها جعل السيدة تدرك أن القرار محسوم.
في مساء اليوم التالي، كانت مريم عائدة من مركز العناية بالبشرة بعد جلسة اهتمام دورية. كانت تمشي بخطوات واثقة، ووجهها يفيض بالحيوية.
وفجأة، خرج حازم من بين الأشجار على جانب الشارع، واستوقفها.
قال بصوت ملؤه الندم والرجاء:
“مريم! اسمعيني للآخر، ومش هسيبك تمشي المرة دي!”
وقفت مريم دون أن تفزع أو تتراجع، بل رفعت حاجبها بنظرة هادئة وقالت:
“صوتك ما يعلاش يا حازم، وخليك في حدودك. لو عندك كلام، قوله بسرعة، عشان مش فاضية.”
سقطت دمعة سريعة من عين حازم وهو ينظر إليها، وينظر إلى التحول الكبير فيها؛ من فتاة كانت تداري خجلها وتعمل فوق طاقتها، إلى امرأة قوية، واثقة، تفيض بالحضور والكرامة.
جلس حازم على ركبتيه في منتصف الشارع، أمام أعين بعض الجيران الذين بدأوا يطلون من الشرفات، وقال بصوت مكسور:
“أنا غلطت يا مريم.. سامحيني! أنا عرفت قيمتك متأخر. أنا مستعد أصلح كل اللي حصل، ومستعد أعمل كل اللي أقدر عليه.. بس اديني فرصة أخيرة.”
نظر الجميع إلى المشهد بدهشة.
لكن مريم لم تضعف. كل ما تذكرته في تلك اللحظة هو كلامه القاسي في وقت كانت فيه مريضة ومتعبة، وكيف جعلها تشعر بأنها غير مقدَّرة.
اقتربت منه خطوة واحدة وقالت بصوت منخفض وصارم:
“الرحمة دي تطلبها من ربنا يا حازم.. مش من قلب إنت جرحتَه بقسوة. أنا مش قاسية، أنا بس بقيت بشوف الأمور على حقيقتها.
دموعك مش هتغير اللي حصل، والندم المتأخر مش هيرجع الثقة اللي ضاعت. قوم وخد قرارك باحترام، لأن الصفحة دي اتقفلت.”
قالت كلماتها وتركته، ثم صعدت إلى شقتها لتستعد لليوم التالي؛ اليوم الذي سيتقدم فيه طارق رسمياً، الرجل الذي رأى جوهرها وقيمتها، وقبل أن يتطلع إلى مظهرها، احترم شقاءها وأصلها الطيب.
أشرقت شمس اليوم التالي محملة بعبير جديد، ودانت لبيت مريم نغمة استثنائية من البهجة والارتياح.
كانت الشقة تفوح برائحة البخور والورد، والديكورات البسيطة تضفي دفئاً على المكان، بينما كانت مريم تقف أمام مرآتها في غرفتها، ترتدي فستاناً هادئاً باللون الأزرق الملوكي ينسدل بنعومة، ومظهراً أنيقاً يبرز صفاء بشرتها وبريق عينيها الواثقتين.
لم تكن هذه التجهيزات لمجرد استقبال خاطب جديد، بل كانت احتفالاً بذاتها التي رممتها من التعب، وبكرامتها التي استردتها بكامل الثقة.
على الجانب الآخر من الشارع، كان حازم يقبع في شقته، والستائر مغلقة والغرفة غارقة في الصمت.
كان يجلس على حافة سريره، يمسك هاتفه بين يديه، وعيناه تنظران من خلف الستارة إلى مدخل بناية مريم. كان ينظر إلى العمال وهم يدخلون باقات الزهور الكبيرة، وشعور بالفقد يسيطر عليه.
كانت الفكرة التي تطارده هي أن رجلاً آخر سيشارك مريم حياتها، رجلاً آخر سيقدر حضورها ويعاملها باحترام افتقدته معه.
في تمام الساعة السابعة مساءً، توقفت سيارة سوداء أنيقة أمام بناية مريم.
نزل منها المهندس طارق برفقة والده ووالدته. كان طارق رجلاً ثلاثينياً، يفيض بالرزانة والوسامة المتزنة، تعلو وجهه ابتسامة دافئة ونظرات تنطق بالاحترام والتقدير.
صعدت العائلة إلى المنزل، وكان الاستقبال بحفاوة بالغة من والدة مريم وأقاربها.
عندما دخلت مريم الصالون تحمل صينية الضيافة، لفت حضورها انتباه الجميع. لم تكن مجرد فتاة جميلة، بل كانت امرأة تشع بالثقة والأصل الطيب.
نظرات طارق لها لم تكن نظرات تقييم، بل كانت نظرات تقدير حقيقي لرقيها ورزانتها.
جلس طارق بجوارها بعد أن أذن له الجميع، وبدأ الحديث بنبرة هادئة تحمل كل معاني التقدير:
“يا مريم.. أنا سمعت عنك كتير من أمي وقرايبنا، سمعت عن شقاكِ، وعن أصلك الطيب، وعن شهامتك مع أهلك. والنهاردة لما شفتك، عرفت إن الكلام كان قليل جداً في حقك.
أنا مش جاي أدور على عروسة وخلاص، أنا جاي أطلب إيد إنسانة يشرفني تكون شريكة حياتي، إنسانة أشيلها على رأسي وأقدر كل لحظة تعب عاشتها.”
كانت كلمات طارق تقع على قلب مريم براحة، وتمسح آخر آثار الجروح التي تركها كلام حازم.
ابتسمت مريم بوقار، وقالت بصوت ناعم ومستقر:
“شكراً لكلامك يا باشمهندس طارق.. اللي بيقدر معدن الإنسان وبيحترم ظروفه، هو اللي يستاهل يتفتح له باب جديد.”
وفي الوقت الذي كان يتم فيه الاتفاق بين العائلتين وسط أجواء البهجة، كان حازم يسير في الشارع بحيرة وندم.
لم يتحمل منظر أضواء شقة مريم ولا أصوات الضحكات الخافتة التي تصل إلى الشارع.
جمع ما تبقى من شجاعته، وسار بخطوات مضطربة نحو البناية، مصمماً على أن يطلب فرصة أخيرة.
صعد حازم السلم بسرعة، وعندما وصل إلى باب الشقة، وقف يلتقط أنفاسه. رفع يده ليدق الباب، لكن قبل أن تلمس يده الخشب، انفتح الباب فجأة.
كان طارق ووالده يهمان بالخروج للترتيب لبعض الأوراق مع والد مريم.
وقف حازم مبهوتاً، وعيناه تنتقلان بين طارق بحضوره الهادئ والواثق، وبين مريم التي كانت تقف في الخلفية بجوار والدتها، تبتسم بأناقة وهدوء.
نظر طارق إلى حازم باستغراب، ثم التفت إلى مريم وسألها بهدوء:
“في حاجة يا مريم؟ مين الأستاذ؟”
تقدمت مريم بخطوات هادئة وثابتة، وقفت بجانب طارق، ونظرت إلى حازم بثبات خالٍ من التردد.
ثم قالت لطارق ووالده:
“ده الأستاذ حازم.. جارنا في الشارع، وكان خطيبي السابق. شخص ما عرفش يقدرني وقت ما كنت محتاجة تقدير، وجاي النهارده يطلب فرصة تانية.”
ثم التفتت مباشرة إلى حازم وقالت:
“خير يا أستاذ حازم؟ في حاجة نسيتها هنا؟ ولا جاي تبارك للبشمهندس طارق على الخطوبة؟”
اتسعت عينا حازم بذهول، وتلعثم لسانه وهو ينظر إلى طارق الذي فهم الموقف فوراً.
لم يغضب طارق ولم ينفعل، بل قال بهدوء وحزم:
“أظن يا أستاذ إنك سمعت الآنسة مريم كويس. البيوت ليها حرمتها، والست اللي تختار راجل يقدرها لازم قرارها يتحترم.
اتفضل انزل بالهدوء، وخلي الموضوع ينتهي باحترام.”
شعر حازم بثقل الندم. كانت مريم تقف بكل ثقتها وأناقتها بجوار رجل يقدرها ويحترم قرارها.
تراجع حازم خطوة إلى الخلف، وعيناه تسيلان بالدموع والحسرة. نظر إلى مريم التي لم تمنحه لحظة شفقة، ثم أدارت ظهرها له وعادت إلى الصالون.
نزل حازم الدرجات بخطوات متعثرة، وخرج إلى الشارع والندم يثقل قلبه.
الكلمات التي ألقاها على مريم يوم مرضها ظلت تتردد في ذهنه، لكنه أدرك الآن أن الكلمات القاسية لا يمكن محو أثرها بسهولة.
عادت مريم إلى الصالون، وأغلقت الباب وراءها، لتتلقى نظرات التقدير من طارق وعائلته الذين ازدادت مكانتها في أعينهم بسبب ثباتها ووضوحها.
وقفت أمام النافذة، ونظرت إلى الشارع، ثم أغلقت الستارة البيضاء بهدوء، معلنةً إغلاق الصفحة القديمة، والاستعداد لفصل جديد من حياتها، عنوانه الثقة والكرامة والاختيار الصحيح.




