
ساد الذهول والتوجس أرجاء غرفة الإفاقة. كان هواء الغرفة محملاً برائحة المعقمات الصديقة للمستشفيات، لكنه بالنسبة لمريم صار أثقل من القطران. غطت وجهها بكفيها المرتجفين، بينما اقتحمت نوبة من البكاء الصامت أحشاءها المجهدة من جرح القيصرية. لم يكن الجرح في جسدها سوى وخزة بسيطة مقارنة بتلك السكينة الغادرة التي غرسها حسام في شرفها وأمومتها.
اقترب محمود من الضابط بملامح حادة كالسيف، ووجه يغلي بالدم المغلي، متحدثاً بنبرة هادئة لكنها تتفجر بالوعيد:
* “حضرتك بتقول إيه؟ أختي مريم أشرف من الشرف نفسه! حسام ده نذل ومجرم، وكان محضر اللعبة دي من بدري لما فشل إنه يعطل رحَمها ويربط أمعاءها في المستشفى التاني! التقرير اللي معاه ده مزور زي ما كان هيزور تقرير الولادة بالظبط!”
رد الضابط ببرود مهني وهو يضع أوراقه في المجلد الأسود:
* “يا أستاذ محمود، أنا مش جاجي أحكم أو أتهم.. أنا بصلّغك بأمر النيابة. الزوج قدم بلاغ رسمي ومعاه تقرير طبي صادر من مركز عقم معروف، وبيطالب بعدم إثبات نسب الطفل له. القاضي أصر على التحفظ على الأوراق ورصد حالة الأم والجنين، والمحضر هينعرض على النيابة الصبح.. طبعاً مراعاة لحالتها الصحية، الأطباء أفادوا إنها محتاجة 44 ساعة رعاية قبل التحرك للطب الشرعي.”
انسحب الضابط برفقة أمين الشرطة، ليترك الغرفة تغرق في دوامة من التساؤلات المرعبة. التفت محمود نحو مريم، وكانت عيناه تتفحصان ملامحها للوهلة الأولى بنوع من الحيرة القاتلة.. حيرة سريعة تداركها فوراً عندما رأى الانهيار الصادق في عيني أخته، لكن تلك اللحظة القليلة من الشك كانت كافية لتذبح مريم من الوريد إلى الوريد.
توسلت مريم وهي تشد على يد شقيقها بكل ما أوتيت من قوة:
“محمود.. أنت شاكك فيا؟ والله العظيم ده ابنه! أنا عمري ما دخلت حد بيته ولا شفت راجل غيره! حسام بيعمل كده عشان يحرق قلبي، وعشان يغطي على الجريمة اللي كنت هقفشها عليه في المستشفى الاستثماري! الحقني يا محمود.. ده عايز ياخد مني شرفي وابني في يوم واحد!”
انحنى محمود وقبل رأسها بدموع حارقة، وشد على يدها:
* “وحق لبن أمك اللي رضعناه، ما تشكي لحظة إني أفرط فيكي ولا أصدق الندل ده! الطفل ده ابن اختي وابن حسام، وحقك هجيبه من نفوخه.. بس لازم نفهم السر، ليه بيلعب اللعبة الخبيثة دي؟ ليه يرمي شرفه في الطين بنفسه؟”
في تلك الأثناء، وفي شقة فاخرة في حي راقٍ، كان حسام يجلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، يدخن سيجارته ببطء شديد، وعيناه متسمرتان على خزينة حديدية مفتوحة أمامه. كان يتصفح أوراقاً صفراء قديمة؛ إنها وصية والده المتوفى منذ ثلاثة أعوام.
لم يكن سر حسام مرضاً ولا امرأة أخرى.. بل كان الشَرط المظلم الذي وضعه والده في الوصية: “تؤول جميع العقارات والشركات وأسهم البنوك للابن حسام، بشرط أن ينجب ولداً ذكراً يحمل اسم العائلة قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره، وفي حال عدم إنجابه ذكراً أو عدم قدرته على الإنجاب، تتوزع نصف الثروة على الجمعيات الخيرية والنصف الآخر يذهب لأعمامه وأولادهم.”
كان حسام يدرك سرّه الخفي الذي خفاه عن الجميع حتى عن مريم: هو بالفعل كان يعلم قبل زواجه بضعف شديد في عيّناته يجعل نسبة الإنجاب شبه مستحيلة، وكان قد أجرى جراحة سرية في الخارج للتعافي، لكنها نجحت بنسبة ضئيلة جداً. عندما حملت مريم بالولد، استشاط حسام خوفاً وشكاً في البداية، ولكنه عندما تأكد طبياً أن المولود ابنه بالفعل وأن الجراحة القديمة أثمرت، أدرك أنه حقق شرط الوصية وضمِن الثروة التي تقدر بعشرات الملايين.




