منوعات

ابويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي الاخير

وقف الأب خلف الباب المغلق، وتركنا في صمت أثقل من الحيطان التي تطوقنا. كان الهوا في الأوضة مخنوقاً، ممتلئاً برائحة الخوف والذنب. إبراهيم يفضل قاعد على الأرض، حاطط رسه بين إيديه وبيترعش كأنه مصدوم بشدة كهربائية. كان شكله يرحم رغم كل حاجة.. بدلة الفرح الشيك، والساعة الغالية في إيده، كان شكلهم غريب جداً ومضحك وسط الانهيار ده.

مقالات ذات صلة

أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي 1
منذ 52 دقيقة

حكايات منى السيد 3
منذ ساعتين

حكايات منى السيد 2
منذ ساعتين

حكايات منى السيد 1
منذ ساعتين
أنا قعدت على طرف السرير، مسكت الطرحة البيضا التقيلة ورميتها على الأرض بعيد عني. كنت بحاول أتنفس، رأسي كان بيلف بين فكرتين: الراجل ده هو اللي دمر حياتي وجسدي من ٧ سنين، وأبويا هو اللي دمر روحي الليلة دي لما استخدم كرامتي ومستقبلي فخ عشان ينتقم!

رفعت رأسي وبصيت لإبراهيم، وقررت أنطق بعد الصمت الطويل ده:

“أنت هتفضل قاعد عندك كده كتير؟”

رفع إبراهيم رسه ببطء، عينيه كانت حمرا كأنها دم، ونظراته تايها بين الخجل والرعب. قال بصوت منبوذ ومخفوض:

“أنا مستعد لأي حاجة.. لو عايزه تقتليني دلوقتي، أنا مش هدافع عن نفسي. أنا مستحقش أعيش.”

ضحكت بصوت مرير، ضحكة خالية من أي فرحة:

“أقتلك؟ لا يا إبراهيم، أبويا خطط للعبة أكبر من القتل.. أبويا عايز يحول حياتك وحياتي لجحيم بطيء. أنت فاكر إنك بكده بتكفر عن ذنبك؟ أنت سلمت نفسك للجلاد، والجلاد ده يبقى أبويا!”

قام إبراهيم ببطء، وبدأ يمسح دموعه بظهر إيده بتوتر، ومشي خطوات قصيرة وهو حريص يبعد عني، كأنه خايف يلمسني أو يضايقني بوجوده:

“والله العظيم أنا ما كنت اعرف إن العروسة هي أنتِ.. أنا أبويا هو اللي ضغط عليا أتجوز عشان يغطي على قضايا الفساد ويظهرني قدام المجتمع إن بني آدم طبيعي ومستقر.. ولما أبوكِ ظهر في حياتنا وقدم نفسه كراجل أعمال وعرض الجوازة دي بشروطه، أنا وافقت وأنا فاكر إني بظلم بنت ناس تانية معايا، وقلت أكسر شرط الرؤية عشان ما أظلمهاش بمشاعري.. ما كنتش أعرف إن ربنا بيقودني لرجلي لحد عندك!”

وقفت قدامه، وقربت منه بخطوات ثابتة لحد ما بقيت على بعد خطوة واحدة، وعيني جت في عينه مباشرة:

“الذنب مش بيتمحي بالهروب يا إبراهيم، ولا بيتمحي بالخنوع لأبويا. أنت هربت زمان زي الجبان، وجاي دلوقتي تستسلم زي الضحية.. بس أنا مش هكون ضحية لثنين! مش هكون طعم لأبويا، ولا مسرح لجريمتك!”

قبل ما يرد، سمعنا صوت خبطة جامدة على باب الأوضة، وصوت أبويا الجاف جاي من بره:

“يا إبراهيم! اطلع بره الأوضة.. غير هدومك، من النهاردة مكان نومك هيكون في أوضة الخزين اللي في الجنينة بره! بنتي مش هينام جنبها مجرم.”

نظرت لإبراهيم بنظرة تحدي، وصرخت بصوت هز الأوضة كلها وسمع أبويا بره:

“لا يا بابا! الباب ده مش هيتفتح، وإبراهيم مش هيخرج من هنا!”

ساد الصمت بره لحظة، قبل ما نسمع صوت مفتاح بيلف في القفل بقسوة، والباب اتفتح على آخره. دخل أبويا وعينيه بتطلع شرار، ووشه مشدود من الغضب:

“أنتِ بتقولي إيه يا بنت؟ انتِ اتجننتي؟ نسيتي هو عمل فيكي إيه؟”

وقفت قدام أبويا بمنتهى القوة والصلابة، وحطيت إيدي في وسطي:

“أنا ما نسيتش يا بابا.. بس أنت نسيت إني بني آدمة! نسيت إني بنتك مش أداة انتقام! أنت بعتني وجوزتني للراجل ده عشان تروي غليلك، ودلوقتي جاي تمثل دور الأب المتربي؟ الراجل ده بقى جوزي بالقانون والشرع اللي أنت اختارته.. لو عايز تحاسبه، روح بلّغ الشرطة وخليهم يسجنوه! لكن إنك تحول بيتنا لسجن خاص وتخليني أنا السجانة أو التابوت اللي جواه، فده اللي مش هسمح بيه أبداً!”

أتصدم أبويا من كلامي، وملامحه اتغيرت من السيطرة للذهول. التفت لإبراهيم وهو يزعق فيه:

“أنت عملت لها إيه؟ سحرت لها في الكام دقيقة دول؟”

إبراهيم اتنفس بعمق، ولأول مرة يرفع رسه بثبات قدام أبويا، ورغم رعب عيونه، قال بصوت هادي ومسموع:

“هي عندها حق يا عمي.. أنت ما انتقمتش مني بس، أنت انتقمت منها هي كمان. لو عايز ترفع الأوراق للنائب العام وتوديني السجن، أنا مستعد اروح دلوقتي برغبتي ورجليا على المستشفى والسجن.. بس مش هسمح إن حياتها تتدمر أكتر من كده بسببي أو بسببك.”

أبويا بص لنا إحنا الاثنين، ووشه بقى أحمر من الغضب المكتوم. أدرك إن اللعبة اللي خطط لها سبع سنين بدأت تخرج عن سيطرته، وإن الضحية والجاني اتفقوا لأول مرة على رفض الجحيم اللي بنام عليه.

 

سحب أبويا المفتاح من الباب ورزعه بقوة وهو بيصرخ:

“أيامكم قادمة سواد.. ومحدش فيكم هيخرج من البيت ده إلا بشروطي أنا!”

خرج ورزع الباب وراه بكل قوته، وسابنا تاني في الأوضة، بس المرة دي.. النظرة بيني وبين إبراهيم كانت مختلفة تماماً.

استقرت أصداء رقعة الباب في أرجاء المنزل، لكن هذه المرة لم يكن الصمت الذي أعقبها صمت خوف أو استسلام، بل كان صمت هدنة غير معلنة بين طرفين جمعهما القدر في كفة واحدة ضد سجان واحد.

التفتّ نحو إبراهيم. كان يقف واجماً، يداه لم تعد ترتجفان بنفس الشدة، لكن نظرة العجز في عينيه كانت تتحدث عن سبع سنوات من الأرق والخوف.

قال إبراهيم بصوت خافت وهو ينظر إلى الباب المغلق:

“ليه دافعتِ عني؟ أنا أستاهل كل اللي أبوكِ يطلبه.. أستاهل أترمى في أوضة الخزين، وأستاهل أتسحل في السجون. أنا فعلاً دمرت حياتك.”

جلستُ على المقعد المباشر له، وأشرت له بالجلوس. جلس على حرف الكرسي الآخر بحذر شديد كأنه يخشى أن يترك أثراً.

قلت له بنبرة قاطعة:

“أنا مدافعش عنك يا إبراهيم، أنا دافعت عن نفسي. أبويا فاكر إنه بياخد حق الجرح اللي في وشي، بس هو في الحقيقة بيعمل جرح أكبر في روحي. هو عايز يحولني لمجرد ‘أداة عقاب’ يعذبك بيها، وأنا مش هقبل أكون السوط اللي بيضرب بيه، ولا هقبل أكون السجينة اللي بتعيش في البيت ده عشان تمثل دور الضحية طول عمرها.”

سكتّ لحظة وأنا أرمقه بنظرات فاحصة، ثم أردفت:

“أنت غلطت، وجريمتك كبّرتها بجهلك وهروبك، بس الاستسلام لأبويا مش هو الحل. أبوك نفوذه قوي، وأبويا معاه أوراق توديكم كلكم في داهية.. اللعبة دي لو استمرت بالشكل ده، محدش فينا هيطلع منها سليم.”

شبّك إبراهيم أصابعه ببعضها ونظر إليّ بجدية:

“طب والحل إيه؟ أنا تحت أمرك في أي حاجة تقوليها. لو عايزه أروح بنفسي للنيابة وأعترف بكل حاجة وأشيل شيلتي بعيد عن أبوكِ وعن أبويا، أنا مستعد.. المهم أنتِ تخرجي من الدايرة دي.”

قبل أن أجيبه، سمعنا حركة غير عادية في الصالة الخارجية. أصوات أقدام متعددة، وصوت أبي وهو يتحدث بنبرة حادة ومرتبكة على غير العادة، يليه صوت رجل آخر ذو نبرة جهورية وثابتة تمشي بخطوات واثقة داخل المنزل.

انقبض قلب إبراهيم فوراً وتغيرت ملامحه:

“الصوت ده.. ده صوت أبويا!”

قفزنا كلينا من مكاننا واقتربنا من الباب. كان صوت والد إبراهيم يتردد في الخارج بقوة:

“أنا جيت آخد ابني يا حاج! اللعبة القذرة اللي أنت لعبتها دي انتهت.. أنت فاكر إنك لما تستدرج إبراهيم بجوازة مزيفة وتدبّس ابن رجل أعمال ومعاه نفوذ، إننا هنفضل ساكتين؟”

رد عليه أبي بصوت مليء بالتحدي والغل:

“ابنك مجرم وداهس بنتي وهرب! والأوراق اللي معايا تحت إيدي تثبت فسادك أنت شخصياً وتطير فيها رقاب! أعلى ما في خيلك اركبه يا باشا.. ابنك مش هيخرج من هنا إلا لما يدفع التمن كامل!”

سمعنا صوت ضحكة ساخرة من والد إبراهيم:

“الأوراق اللي أنت فرحان بيها دي ملهاش أي قيمة دلوقتي.. لأن الكروت اتكشفت! وأنا أصلح لي أدخل ابن في قضية حادثة قديمة من إنه يفضل تحت تهديدك ويتقبض عليا بتهمة الفساد.. أنا بلّغت الشرطة بنفسي عن كل حاجة، والبوكس واقف تحت البيت دلوقتي!”

انفتح باب الغرفة فجأة بقوة!

كان أبي يقف وعلى وجهه علامات الذهول والصدمة، وخلفه يقف والد إبراهيم بحرسه، ومعهما ضابط شرطة برتبة كبيرة يرتدي زيه الرسمي.

نظر الضابط إلينا داخل الغرفة، ثم وجه كلامه لإبراهيم مباشرة:
“إبراهيم الألفي؟ أنت مطلوب للتحقيق في بلاغ دهس وهروب يعود لعام ٢٠١٩، وبناءً على البلاغ المقدم من والدك ومن واقع التحريات الجديدة، تتفضل معانا.”

التفتّ إلى أبي، فرأيت وجهه يتصبب عرقاً. خُطته التي بناها على مدار سبع سنوات للسيطرة والانتقام الخاص تهاوت في لحظة؛ والد إبراهيم قرر تضحية ابنه في قضية حادثة سير قديمة وتكفيل محامين له، على أن يترك نفسه تحت رحمة ابتزاز أبي بأوراق الفساد!

مقالات ذات صلة

أبويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي 1
منذ 53 دقيقة

حكايات منى السيد 3
منذ ساعتين

حكايات منى السيد 2
منذ ساعتين

حكايات منى السيد 1
منذ ساعتين
خطا إبراهيم خطوة نحو الضابط، لكنه التفت إليّ قبل أن يضع الكلبشات في يديه. كانت عيناه هادئتين لأول مرة منذ أن دخل هذه الأوضة.

قال لي بنبرة صادقة:

“دي أول مرة أحس إني بتنفس صح من سبع سنين. السجن أرحم بكتير من الهروب، وأرحم من السجن اللي أبوكِ كان عايز يحبسنا فيه.. أنا آسف على كل حاجة.”

نظر إليّ أبي بنظرة انكسار وغضب مكتوم، وقال بصوت يرتجف:

“أنتِ مبسوطة كده؟ حقك راح! القانون بفلوسهم هيطلعه بعد كام شهر بكفالة!”

أخذت نفساً عميقاً، ونظرت لأبي بثبات لم أعهده في نفسي من قبل، وقلت له أمام الجميع:

“حقك أنت اللي راح يا بابا.. عشان أنت كنت عايز تروي غليلك، مش تاخد حقي. الحق الحقيقي إنه يتحاكم أمام القانون، ومش إني أكون السلعة اللي بتدفع التمن في حربكم.”

ساق الضابط إبراهيم إلى الخارج، وتبعه والده بنظرات نصر باردة نحو أبي، بينما بَقيت أنا وأبي في الصالة.. المنزل أمدّ بالهدوء فجأة، ولكن هذه المرة، لم أعد البنت الخاضعة التي تخاف من كلمة أبيها، ولم يعد هو الرجل الذي يملك زمام أمري.

غادر الجميع، وإغلاق الباب الخارجي هذه المرة كان يعلن بداية فصل جديد تماماً. كانت الشقة فارغة إلا مني ومن أبي، الذي ظل واقفاً في منتصف الصالة كأنه تمثال من حجر، ينظر إلى اللاشيء بعدما انهارت خطته التي كرس لها سبع سنوات كاملة في غمضة عين.

مشيت بخطوات هادئة نحو الأريكة، وجلست عليها، وضعت طرحة الزفاف البيضاء جانباً. لم أعد أشعر بالخوف الذي كان يتملكني كلما انتصب أبي أمامي. الجدار الزجاجي الذي كان يبنيه بيني وبين العالم تحت مسمى “الحماية والسيطرة” انكسر إلى غير رجعة.

التفت إليّ أبي بصوت مكسور ومبحوح، خالي من كل معاني القوة التي يتظاهر بها دائماً:

“ضيعتِ حقك.. ضيعتِ التار اللي قعدت سنين أخطط له. بقيتِ مبسوطة وهو طالع مع الضابط ومطمن إن أبوه بنفوذه هيخرجه بعد كام شهر؟”

رددت عليه بصوت هادئ وثابت:

“أنا ما ضيعتش حقي يا بابا.. الحق مش إننا نتحول لمجرمين زيهم. أنت ما كنتش عايز حقي، أنت كنت عايز تمارس سلطتك وتنتقم لكرامتك اللي اتجرحت يوم الحادثة. استغلقت جرحي وعلامة وشي عشان تحبسني أنا وهو في سجن إحباطك وغضبك.”

سكت أبي، وعيناه تتنقلان في الشقة، كأنه يدرك لأول مرة أن الغرفة التي أرادها محكماً وسجناً لإبراهيم، كانت بالأساس السجن الذي حبسني فيه طوال شبابي.

تابعتُ وأنا أقف وأمر بيدي على مكان الجرح القديم فوق حاجبي:

“الجرح ده علمني إن الحياة ممكن تقف في ثانية، بس السبع سنين اللي بعده علمتني إن الخوف من السيطرة أصعب من أي حادثة. إبراهيم هيروح ينال جزاءه بالقانون، سوا اتسجن سنة أو عشرة، هو اعترف بذنب عاش يهرب منه، وهيتواجه مع ضميره. أما أنا.. فمن الليلة دي مش هكون العروسة المكسورة، ولا البنت اللي بتنفذ أوامر من غير ما تفكر.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى