روايات وقصص

حماتى

هل أكرهه؟
لأ.
الكراهية محتاجة طاقة.
وأنا ما بقاش عندي طاقة أديها له.
أنا ببساطة…
عديت.
حطيت الرسالة في الدرج.
وقفلت الدرج.
وبعدين رجعت للشغل.
لأن حياتي ما بقتش مستنية حد يرجع لها.
أنا اللي بقيت أرجع لها كل يوم.
بعد كام شهر، اتنقلت لشقة جديدة.
أصغر.
أهدى.
وأجمل.
مش لأن شقتي القديمة وحشة.
لكن عشان كنت محتاجة مكان مافيش فيه ذكريات تقيلة.
يوم النقل، وأنا بجمع حاجتي، لقيت الترمومتر القديم.
اللي رجاء رمتُه يومها.
مسكته.
قعدت أبص له.
وبعدين حطيته في صندوق.
مش رميته.
احتفظت بيه.
لأن بعض الحاجات ماينفعش ننساها.
لازم نفتكرها عشان مانرجعش لها.
في آخر يوم في الشقة القديمة، وقفت في المطبخ.
نفس المكان.
نفس الرخامة.
نفس التلاجة.
غمضت عيني.
افتكرت نفسي وأنا ساندة ضهري هنا.
ركبي بتخبط في بعض.
وشي سخن.
وحلقي بيوجعني.
ورجاء واقفة قدامي بتقول
واقفي؟ مين قالك تقفي؟
فتحت عيني.
وقلت بصوت مسموع
لأ.
وبعدين ضحكت.
المرة دي أنا اللي هقرر أقف إمتى.
قفلت باب الشقة.
ونزلت.
ما بصتش ورايا.
مش لأن الماضي ماكانش مهم.
لكن لأنه أخد كفايته مني.
دلوقتي دوري أنا.
بعد ثلاث سنين من يوم الجونة…
كنت قاعدة في مكتبي.
الساعة كانت حوالي ستة المغرب.
الموظفين مشيوا.
وأنا لسه بخلص شغل.
رن جرس الباب.
رفعت عيني.
واحد من العاملين دخل وقال
في حد بره عايز يقابلك.
مين؟
قال
بيقول اسمه طارق.
سكت.
قلبي دق.
مش خوف.
ولا حب.
مجرد مفاجأة.
قلت
خليه يدخل.
دخل طارق.
كان مختلف.
شعره شاب فيه أبيض.
وشه خسر الوزن.
لابس بدلة بسيطة.
وقف قدامي.
إزيك؟
قلت
كويسة.
واضح.
ابتسمت.
إنت عامل إيه؟
كويس.
سكت.
قعد.
أنا ماجتش أطلب حاجة.
تمام.
ولا أرجع.
تمام.
ولا حتى أعتذر.
بصيت له.
أمال؟
قال
جاي أشكرك.
ضحكت.
على إيه؟
إنك وقفتي اللي كنت بعمله.
مش فاهمة.
لو كنتي فضلتي ساكتة، كنت هكمل.
سكت.
وكنت هخسر أكتر.
وأنا كنت هخسر أكتر.
عارف.
بصيت له.
أنت اتغيرت؟
فكر.
مش عارف.
ضحكت.
إجابة صريحة.
بس بقيت أعرف حاجة واحدة.
إيه؟
إن الخۏف مش مبرر إنك تظلم حد.
سكت.
أنا زمان كنت خاېف أخسرك.
وخسرتني.
هز راسه.
آه.
بس مش عشان الفلوس.
عارف.
عشان الأمان.
عارف.
قام.
مش هعطلك.
قلت
طارق.
وقف.
آه؟
أنا مش زعلانة منك دلوقتي.
عينه لمعت.
ده كفاية.
بس ده مش معناه إننا نرجع.
أنا فاهم.
كل واحد فينا عنده حياة.
عارف.
ابتسم.
ربنا يوفقك.
قال
وإنتِ كمان.
خرج.
قفلت الباب.
رجعت لمكتبي.
قعدت.
وبصيت من الشباك.
القاهرة كانت منورة.
صوت العربيات بعيد.
والناس ماشية.
كل واحد شايل حكايته.
وأنا لأول مرة…
حكايتي كانت ملكي.
مش ملك جوز.
ولا حماتي.
ولا عيلة.
ولا أي حد.
أنا اللي كتبتها.
وأنا اللي كملتها.
بعدها بأيام، كنت في بيت أمي.
قعدنا نشرب شاي.
بصت لي وقالت
إنتِ شكلك اتغير.
ضحكت.
لأ.
آه.
إزاي؟
قالت
بقيتي بتبصي في عين الناس وإنتِ بتتكلمي.
ضحكت.
زمان ماكنتش؟
زمان كنتِ بتعتذري حتى وإنتِ مش غلطانة.
سكت.
الجملة لمست حاجة جوايا.
بصيت لها.
يمكن كنت فاكرة إن ده احترام.
قالت
الاحترام إنك تحترمي نفسك الأول.
ابتسمت.
ولأول مرة حسيت إن الجملة دي وصلت لي في وقتها.
مش متأخر.
في وقتها.
بعد سنة كمان، جالي إيميل من شيرين.
كانت بتقول إنها اتجوزت.
ضحكت لما قريت.
وقالت
أنا اتعلمت منك إن البيت شراكة، مش خدمة.
قفلت الإيميل.
وقلت
ربنا يسعدك.
وما زدتش.
لأن كل واحد لازم يعيش نتيجة اختياراته بنفسه.
أما رجاء…
فآخر خبر وصلني عنها إنها باعت جزء من بيتها، وسددت ديون، وبقت تعيش لوحدها.
ماحاولتش أتدخل.
ولا أسأل.
يمكن دي كانت عقوبتها.
مش الوحدة.
لكن إنها تضطر تسمع صوت نفسها من غير ما يكون فيه حد تتحكم فيه.
وأنا؟
أنا بقيت أحب حياتي.
مش لأنها خالية من المشاكل.
لكن لأنها حياتي.
لو تعبت…
بارتاح.
لو مش قادرة…
بقول مش قادرة.
لو حد طلب مني حاجة مش مناسبة…
بقول لأ.
لو حد حاول يقنعني إن حقي مش حقي…
ما بصدقوش.
ولو حد قال لي
إنتِ مراته.
برد
آه، بس أنا كمان إنسانة.
ولو حد قال
دي أمه.
بقول
وأنا ليا أمي.
ولو حد قال
العيلة أهم.
بقول
العيلة اللي تحبك مش بتكسر ظهرك.
وفي ليلة هادية، كنت براجع عقد شغل جديد.
الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوت ست كبيرة.
مريم؟
أيوه.
أنا سمعت عن شغلك.
مين حضرتك؟
أنا صاحبة دار نشر كبيرة.
ابتسمت.
اتفضلي.
عايزين نتعامل معاكي في مشروع كبير.
يسعدني.
بس المشروع محتاج سفر.
فين؟
قالت اسم بلد أجنبي.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
موافقة.
قفلت.
وبصيت قدامي.
السفر.
زمان السفر كان معناه
فلوس تُسحب من حسابي.
كارت.
رجاء.
شيرين.
فندق.
رقاق.
محشي.
وصوت بيقول
إنتِ كنة البيت على إيه؟
دلوقتي؟
السفر بقى معناه
أنا.
شغلي.
نجاحي.
اختياري.
ابتسمت.
وقمت من مكاني.
دخلت المطبخ.
عملت قهوة.
وقفت عند الرخامة.
وحطيت إيدي عليها.
نفس الحركة اللي عملتها يوم مرضي.
بس المرة دي…
ماكانش فيه رعشة.
ماكانش فيه خوف.
ماكانش فيه حد يأمرني.
كان فيه أنا.
وبس.
رفعت الكوباية.
وقلت لنفسي
الحمد لله إني عرفت.
لأن أوقات الحقيقة
بتوجع.
وأوقات بتخسرنا ناس.
وأوقات بتخلينا نبدأ من الصفر.
لكن أسوأ حاجة في الدنيا…
إنك تفضل عايش في حياة مش حياتك، بس عشان خاېف تخسر اللي حواليك.
أنا خسړت جوازي.
خسړت ناس كنت فاكرة إنهم أهلي.
خسړت فلوس.
وخسړت أربع سنين.
لكن في المقابل…
رجعت لنفسي.
وده كان أغلى حاجة.
وبعد كل السنين دي، لو حد سألني
إيه أكتر حاجة ندمتي عليها؟
هقول
مش إني طلعت الكارت.
مش إني ساعدت.
مش إني وثقت.
الندم الحقيقي؟
إني اتأخرت في إني أحط حدود.
لأن الطيبة من غير حدود…
بتتحول في إيد الناس الغلط لاستسلام.
والمساعدة من غير اتفاق…
ممكن تتحول لاستغلال.
والحب من غير احترام…
بيتحول لسجن.
وأنا؟
أنا خرجت.
مش منتصرة على طارق.
ولا على رجاء.
ولا على شيرين.
ولا على شريف.
أنا انتصرت على النسخة القديمة مني.
النسخة اللي كانت پتخاف تقول
لأ.
النسخة اللي كانت فاكرة إن السكوت حكمة.
النسخة اللي كانت شايفة إن تحملها دليل حب.
النسخة اللي كانت بتحسب كل جنيه لنفسها، وتدي اللي في إيدها للناس عشان مايزعلوش.
أنا دفنت النسخة دي.
وعملت مكانها واحدة جديدة.
واحدة لو سخنت…
تنام.
لو تعبت…
ترتاح.
لو اتظلمت…
تتكلم.
ولو حد حاول ياخد حقها…
توقفه.
وبعد حوالي أربع سنين من يوم رجاء رمت الترمومتر على رخامة المطبخ…
كنت في مكتبي، وبنت جديدة اتعينت عندي.
كانت بتشتغل معانا بقالها أسبوع.
دخلت عليا وهي مترددة.
مدام مريم؟
أيوه؟
ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا.
أنا لو مش قادرة أخلص الشغل النهارده، أقول؟
ابتسمت.
طبعًا.
مش هيبان إني مقصرة؟
ضحكت.
لأ.
متأكدة؟
قلت لها
أنا زمان كنت فاكرة إن عشان أبقى كويسة لازم أوافق على كل حاجة.
وبعدين؟
وبعدين اكتشفت إن اللي بيحبك مش بيطلب منك تكسري نفسك عشانه.
سكتت.
قلت
لو تعبانة، قولي.
لو مش قادرة، قولي.
لو الحاجة فوق طاقتك، قولي.
وما تخافيش من كلمة لأ.
ابتسمت.
حاضر.
خرجت.
فضلت قاعدة لوحدي.
بصيت للساعة اللي اشتريتها لنفسي.
الساعة كانت لسه في إيدي.
نفس الساعة.
نفس الهدية.
بس أنا مش نفس الست.
ابتسمت.
ورجعت لشغلي.
ومن يومها…
كل ما أفتكر الجملة القديمة
إنتِ كنة البيت دي على إيه؟
ما بفتكرهاش كإهانة.
بفتكرها كأول إنذار.
الإنذار اللي جه متأخر.
بس جه.
والحمد لله…
إني المرة دي…
سمعته.
تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى