وقفت الحاجة سناء مكانها كأنها اتسمرت في الأرض، عينيها كانت جاحظة، ووشها اتحول للون الأصفر الباهت، وشفايفها بقت بتترعش بصورة مش طبيعية. بصيت للأستاذة نيفين ورجعت خطوتين لورا، وصوتها طلع مخنوق ومكتوم:
— نيفين؟! إنتي… إنتي إيه اللي جابك هنا؟! أحمد… إنت عارف دي مين؟ دي المحامية بتاعة الشركة اللي مدحت جوز أختك مديون لها!
الأستاذة نيفين مقعدتش فوراً، وقفت بكل هيبة وثبات، عدلت نظارتها الطبية، وبصت لحماتي بنظرة ثاقبة كلها قسوة وثقة، وقالت بصوت جاد يرن في الصالة:
— مساء الخير يا حاجة سناء. أظن إحنا تقابلنا من أسبوعين في مكتبي، ولما حذرتك إن التلاعب والقضايا مش هتوصلكم لبر، قولتيلى إن ابنك أحمد مالي إيديكي ومعاه سيولة يغطي كل البلاوي دي!
أنا كنت واقفة مش فاهمة حاجة، وبصيت لأحمد بذهول.
أحمد كان قاعد على الكرسي بمنتهى الهدوء، حاطط رجل على رجل، ومامسكش فيه أي أثر للغضب اللي كان فيه من شوية… بالعكس، كان في عينيه لمعة انتصار هادية ومخيفة، زي الهدوء اللي بيسبق الإعصار.
أحمد بص لأمه وقالها بصوت واطي وبارد:
— اقعدي يا أمي… اقعدي عشان ركبتك اللي بتوجعك، المشوار لسه طويل والحديث ذو شجون.
حماتي صرخت بصوت هيستيري ودموع الخوف بدأت تتجمع في عينيها:
— اقعد إيه وزفت إيه؟! إنت اتجننت يا أحمد؟! جايب المحامية اللي عاوزة تحبس جوز أختك في بيتك؟ وعاوزني أقعد معاها؟ إنت جرى لعقلك إيه؟!
أحمد قام وقف بهدوء، مشي ناحية الترابيزة، وفي لحظة… حط إيده في جيب جاكيتته، وطلع علبة قطيفة كحلي صغيرة.
أول ما شفت العلبة دي… قلبي دق بكل قوته!
مشي أحمد ناحيتي، مسك إيدي اللي كانت بتترعش، وحط العلبة في كفي، وقالي بنبرة حنونة أذابت كل الخوف والوجع اللي كان في قلبي:
— افتحيها يا سارة…
فتحت العلبة وإيدي مش شايلاني…
ولقيت جوة سلسلة أمي… والغوايش!
دهب أمي كله كاملاً… بريق الدهب ولمعته كانت قدام عيني!
رفعت رأسي وبصيت له وأنا ببكي بانهيار:
— أحمد؟! ده… ده دهب أمي! جابه إزاي؟ هي مش باعتة؟!
حماتي برقت عينيها بصدمة، وشهقت بصوت عالي:
— إزاي؟! الدهب ده أنا بعته بنفسي الساعة اتنين الضهر للصايغ اللي في أول الشارع وأخدت فلوسه!
أحمد التفت لأمه، وابتسامة سخرية مريرة اترسمت على وشها:
— أنا عارف يا أمي… عارف إنك أخدتيه الساعة واحدة، وبعتيه الساعة اتنين بربع تمنه للصايغ حاج متولي… بس اللي إنتي ما تعرفيهوش، إن الحاج متولي صاحبي وأول ما دخلتي عليه بدهب ثقيل ومفيش معاكي فواتيره، كلمني في التليفون فوراً من وراكي وقال لي أمك عندي يا أحمد ومعاها دهب حريمي وعاوزة تبيعه بأي سعر عشان مستعجلة.
سكت أحمد ثواني، وحماتي كانت حاطة إيدها على قلبها وبتتنفس بصعوبة. كمل أحمد كلامه:
— ساعتها نزلت جاري، ودخلت من الباب الخلفي للمحل، وشوفتك بعيني وأنتي بتاخدي الفلوس منه وترمي له الدهب وبتجري! اشتريت الدهب منه بنفس السعر، ورجّعته لبيتي… ورجعت البيت، شوفت مراتي قاعدة بتموت من القهر على ريحة أمها اللي اتسرقت، وسألتك بالذوق، قولتيلى بكل بجاحة الست الأصيلة هي اللي تفدي أهل جوزها بمالها!
أمي كانت واقفة مش قادرة تنطق، وأحمد قرب منها خطوة بخطوة، وصوته بدأ يعلى بالتدريج ويتملي بالقوة:
— إنتي فاكرة إني سكت عشان اقتنعت بكلامك الباطل؟ لا يا أمي… أنا سكت عشان أربيكي! سكت عشان أعرفك إن الحرام ما بيدومش، وإن اللي يمد إيده على حق غيره، ربنا بيفضحه على عينك يا تاجر!
الأستاذة نيفين حطت إيدها على الملف الأحمر وخبطت عليه خبطة خفيفة، وقالت بصوتها الصارم:
— ندخل في المهم يا أستاذ أحمد؟ عشان وقتي ووقت المحكمة بكرة الصبح.
حماتي بصت للمحامية وبقت بتلجلج:
— م… محكمة إيه؟ ومهم إيه؟ أنا ماليش دعوة بحد، أنا أخدت فلوس الدهب واديتها لبنتي دعاء عشان تسدد قسط الشيك اللي على جوزها!
أحمد ضحك بصوت عالي… ضحكة مريرة فيها وجع وقسوة:
— فلوس الدهب؟! إنتي فاكرة إن جوز أختي مديون بخمسين ألف جنيه سعر الدهب يا أمي؟! جوز أختك البرنس، اللي عايش يقسم لقمة عيشنا ويبين إنه راجل أعمال، مديون بـ 3 مليون جنيه! مديون للشركة اللي بتمثلها الأستاذة نيفين، وعامل شيكات بدون رصيد، ومزوّر إيصالات أمانة!
أنا اتصدمت، وحماتي صرخت:
— 3 مليون إيه؟! لا لا… مدحت قالي هما خمسين ألف بس وهيتحبس بكرة!
الأستاذة نيفين فتحت الملف الأحمر، وطلعت منه شوية أوراق رسمية مختومة بختم النسر ورصتهم على السفرة قدام حماتي:
— يا حاجة سناء… الأستاذ مدحت جوز بنتك مش بس مديون، الأستاذ مدحت استخدم توكيل عام إنتي كنتِ عاملاه له للتعامل على أرض الميراث بتاعة المرحوم زوجك، وزوّر إمضاء ابنك أحمد على عقد كفالة تضامنية! يعني بالبلدي كده… مدحت حط ابنك أحمد كفيل ضامن في الديون دي كلها! ولو ما سددش، ابنك هو اللي كان هيتسجن وتتحجز على شقته وفلوسه في البنك!
في اللحظة دي، الدنيا دارت بيّا وبحماتي!
الحاجة سناء رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة، ووشها بقى أشبه بالميت، وقالت بصوت مكسور ومرعوب:
— لا… مستحيل! مدحت مستحيل يعمل فيا كده… ده ابني!
الأستاذة نيفين بصت لها ببرود قاتل، وطلعت ورقة تانية من الملف، وقالت:
— ابنه؟ ده هو اللي هرب من الشقة من ساعتين أول ما حس إن البلاعة اتفتحت، وساب بنتك وولاده وقاعدين في الشارع دلوقتي، والشرطة رايحة تقبض عليه في كل مكان بيتردد عليه.
أحمد بص لأمه بنظرة أخيرة كلها خيبة أمل، وقالها بصوت جاد وحاسم:
— شيكات بـ 3 مليون جنيه، وتزوير، وسرقة دهب مراتي عشان تلحقي صهرك “البرنس”؟ كُنتي مفكرة إنك بذكائك ضحكتي عليا؟ السجن هو مكان جوز أختك اللي دلعتيه على حسابنا.
حماتي انهارت تماماً، وقعدت على الأرض وهي بتلطم وتصوت:
— ضاع ابني… بيتي اتخرب… بنتي هتترمي في الشارع!
أحمد ما اتحركش من مكانه، مد إيده وخدني من إيدي، وقال لي بصوت دافئ وهادي:
— ادخلي جوه يا سارة، مراتي الأصيلة اللي مصانتش عرضي ومالي وبس، دي اللي تستاهل روحي فداء لها.
دخلت الأوضة وأنا ماسكة علبة الدهب في حضني، وسمعت صوت عربيات الشرطة وهي بتقف تحت البيت عشان تاخد الباقي. في اللحظة دي فهمت إن “الست الأصيلة” مش هي اللي تسرق بيتها عشان عيون الغريب، بل اللي تقف جنب الحق مهما كان مين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
**الأستاذة نيفين فتحت الملف الأحمر، وطلعت منه شوية أوراق رسمية مختومة بختم النسر ورصتهم على السفرة قدام حماتي**
يا حاجة سناء… الأستاذ مدحت جوز بنتك مش بس مديون، الأستاذ مدحت استخدم توكيل عام إنتي كنتِ عاملاه له للتعامل على أرض الميراث بتاعة المرحوم زوجك، وزوّر إمضاء ابنك أحمد على عقد كفالة تضامنية! يعني بالبلدي كده… مدحت حط ابنك أحمد كفيل ضامن في الديون دي كلها! ولو ما سددش، ابنك هو اللي كان هيتسجن وتتحجز على شقته وفلوسه في البنك!
في اللحظة دي، الدنيا دارت بيّا وبحماتي!
أنا بصيت لأحمد بصدمة مرعبة
أحمد… الكلام ده بجد؟! مدحت كان هيحبسك أنت عشان يغطي على قذارته؟!
أحمد كان ثابت زي الجبل، وقال وهو باصص في عين أمه مباشرة
أيوه يا سارة… الأستاذة نيفين جت لي مكتبي من أسبوع، وعرضت عليا الأوراق، وقالت لي إن إمضائي موجود على عقود الضمان. طبعاً طعنت بالتزوير فوراً وقدمنا إثباتات إن التوقيع مزور. وكان قدامي خيارين… إما إني أقدم بلاغ جنائي فوراً ضد مدحت وضد أمي بصفتها صاحبة التوكيل اللي استخدمه في التزوير… أو ألاقي حل تاني!
حماتي وقعت على الكرسي كأن عظمتها اتكسرت، وصوتها طلع مبحوح ومرعوب
ت… تقدم بلاغ ضد أمك يا أحمد؟! عاوز تحبس أمك عشان خاطر غريبة؟!
أحمد وطّى مستواه وبص لها بعيون مليانة نار
الغريبة دي يا أمي… هي اللي صانت بيتي، هي اللي شقاها وشقا أمها المتوفية كان هيتسرق جهاراً نهاراً عشان يتباع لواحد نصاب! إنتي ما خفتيش عليا وأنا بروح السجن مظلوم بسبب جوز بنتك؟ إنتي ما خفتيش على ابنتك لما كنتي عاوزة تلبسيني أنا الديون عشان يفضل السي مدحت ركب عربيته وعايش في التباهي؟!
حماتي بدأت تعيط بانهيار، وتمسك في إيد أحمد
يا بني… يا حبيبي أنا ما كنتش اعرف إنه مزور إمضاءك! هو قالي إنه أخد موافقتك! قالي إنك ضامنه! أنا جيت أخد دهب مراتك عشان أجمع أي قرش أسكت بيه الناس اللي طالعين وراه، كنت خايفة على أختك تتبهدل وعيالها يتشردوا!
أحمد زق إيدها بهدوء وقسوة وقال
وأنا بقى مش هسمح لمراتي تتبهدل، ولا هسمح لنفسي أتدمر. عشان كده… أنا اتفقت مع الأستاذة نيفين على الحل النهائي.
فجأة… جرس الباب رن تاني!
المرة دي الخبطات كانت سريعة ومترددة.
أحمد راح فتح الباب بنفسه… ودخلت أخته دعاء ووراها جوزها مدحت.
مدحت كان وشّه شاحب، لابس بدلة مظبوطة بس كان بيعرق بغزارة، ودعاء دخلت وهي بتبص حواليها بفضول، وأول ما شافوا الأستاذة نيفين والحاجة سناء وهي بتعيط على الكرسي… مدحت رجع لورا خطوة وكان حيهاجم الباب ويهرب!
بس أحمد كان أسرع منه… رزع الباب وقفله بالمفتاح، وحط المفتاح في جيبه وقال بصوت هز جدران البيت
خطوة واحدة يا مدحت… والشرطة اللي وافقة تحت العمارة هتيجي تاخدك بالملايات!
دعاء صرخت
في إيه يا أحمد؟! إنت حابسنا ليه؟ وماما بتعيط ليه؟! وإيه اللي جاب المحامية دي هنا؟!
مدحت بلع ريقه بالعافية وقرب من أحمد وهو بيترجاه
أحمد بيه… يا باشا استهدى بالله، إحنا قرايب وأهل، كل حاجة تتحل بالودي…
أحمد بص له بقرف ومشى ناحية السفرة، مسك الملف الأحمر ورفعه في الوش
بالودي؟ التزوير بالودي يا مدحت؟ سرقة دهب مراتي بالودي؟ إنت وأمي افتكرتوا إنكم أذكياء… افتكرتوا إن سارة غلبانة وملهاش حد، وإن دهب أمها المرحومة ملوش صاحب! فاكرين إنكم لما تضغطوا عليا بأمي، أنا هسكت وأدفع ال 3 مليون من جيبي عشان أستر عليك؟!
دعاء بصت لمقعد أمها وقالت ببجاحة
جرى إيه يا أحمد؟! ما هو دهبك ودهب مراتك في الآخر ملك للعيلة! وبعدين أنت معاك فلوس وفي خير، هتبخل على أختك وجوزها بغويشتين وسلسلة عشان تنقذ بيتي من الخراب؟!
هنا بقى… أنا ما قدرتش أسكت!
وقفت قدام دعاء، وبصيت في عينيها بمنتهى القوة والشموخ، ورفعت العلبة القطيفة في وشها وقلت
دهب أمي مش ملك للعيلة يا دعاء! دهب أمي عرق شقاها، ريحتها اللي سابتهالي لما فارقت الدنيا! أمك دخلت أوضة نومي واستغلت إني بجهز لها الأكل، وسرقتني… سرقتني عشان تفدي جوزك النصاب اللي لبّس أخوكي في ديون ب 3 مليون بختم مزور! إنتي وجوزك وأمك ما تعرفوش يعني إيه أصل ولا عيلة… انتوا عصابة!
دعاء رفعت إيدها عشان تصرخ فيا، بس أحمد مسك إيدها بقوة ورزعها لورا
إياكي تفكري ترفعي صوتك على مراتي في بيتي! كلمة واحدة زايدة وهخلي الأستاذة نيفين تتصل بالنيابة فوراً!
مدحت نزل على ركبه تقريباً قدام أحمد وقال بصوت يقطع القلب من الذل
يا أحمد بيه… أرجوك، أرجوك بلاش حبس! أقسم بالله هسدد، والله العظيم هكتب لكم كل حاجة بملكها!
الأستاذة نيفين وقفت وقالت بمنتهى العملية
أستاذ مدحت… تنازلك عن ممتلكاتك مش اختيار، ده الحل الوحيد اللي يخلي الأستاذ أحمد وماجدة هانم ما يرفعوش عليك قضية جنائية بتهمة التزوير وسرقة العقود، وتتجنب حبس مش أقل من 7 سنين.
حماتي قامت من مكانها وهي بتترعش وبصت لأحمد
أحمد… يعني إيه؟ هنعمل إيه؟




