كانت المفاجأة كالصاعقة التي ما تبقى من كبرياء طارق. السيدة البارعة في لعب دور الضحية، والحماة التي كانت تتغنى بعفة أختها وبنت أصولها، كانتا شريكتين في النصب على طارق نفسه! هدى لم تكن تضحي من أجل العائلة، بل كانت تقبض ثمن سكوتها وتسهيل دخول النصاب إلى البيت مجددًا تحت مسمى «عريس للبنت»، لاستغلال سجل طارق التجاري القديم في تغطية عمليات جديدة!
انهارت حماتي على الأرض وهي تبكي بحرقة وتتوسل إليّ:
«حرام عليكي يا نهى! فضحتينًا وجرستي ابن عمك ورا الشمس! أختك هدى كانت فاكرة إنه تاب وعايز يستقر ويكفر عن ذنبه! أرجوكي اسحبي البلاغ يا بنتي، البيت ده هيروح في داهية!»
نزلتُ لمستواها على الدرج، وبصيت في عينيها بنظرة حادة خالصة من أي رحمة قديمة:
«خمس سنين وأنا حمارة شغل في البيت ده يا حماتي.. خمس سنين بتستغلوا صحتي ووقفتي في المطبخ ومرض ولادي عشان هدى ترتاح وتدبر مصايبها. أختك اللي كنتِ بتفضليها عليا وبتقولي لي كبري عقلك دي، هي اللي باعت ابنك وطعنته في ظهره عشان شوية فلوس متوسخة! والنهاردة، كل واحد بياخد حسابه بالعدل.»
وقف طارق مذهولاً، ينظر إلى أمه المنهارة، وإلى أخته الملقاة على الأرض، وإلى الرجل الذي دمر حياته المادية وهو يُساق للأصفاد. التفت إليّ وعيونه ملأى بالدموع والرجاء:
«نهى.. أنا آسف.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا كنت أعمى.. كنت بظلمك وبقسي عليكي عشان أربيهم وأحميهم، وطلعوا هما اللي بيبحوني.. أرجوكي متسبينيش في اللحظة دي.. الشنط دي حطيها جوة، أنا هعمل كل اللي أنتي عايزاه.. هقطع علاقتي بيهم، وهكتب لك الشقة باسمك، بس متسبنيش لوحدي في المزيبلة دي!»
مسكت إيد ولادي الاثنين بقوة، ورفعت رأسي فوق، وقلت له بنبرة صارمة حسمت كل شيء:
«التنازلات اللي كنت بقدمها زمان يا طارق كانت عشان بحبك وبشتري بيتي.. لكن لما توصل إنك تزعق لي وتهينني قدام ولادي المرضى عشان تحمي سر وسخ زيهم، تبقي خسرتني للأبد. الشقة دي مش تلزمني، والفلوس اللي اتسرقت منك أنت اللي تسعى ترجعها.. أنا هسيب البيت ده النهاردة، ومش هتردد خطوة واحدة لورا.»
حاول طارق يمسك إيدي وهو بيبكي بكاء هيستيري، يسألني بحشرجة:
«هتروحي فين بالعيال في وقت زي ده يا نهى؟! هتهدّي كل حاجة في لحظة؟!»
فتحت باب الشقة الخارجي، وخرجت للهواء النقي بعد خمس سنين من الخنق والتمثيل، والتفت له قبل ما أنزل السلم وقلت له بكلمات أخيرة هزت وجدانه:
«هروح المكان اللي كان المفروض أكون فيه من زمان.. المكان اللي فيه ناس بتعرف قيمتي وما بتخلينيش جارية لخايبين. والكرامة اللي اتدست عليها خمس سنين، النهاردة بس رجعت لي كامِلة.. وإذا كنت فاكر إن دي نهاية الحكاية يا طارق.. تبقى لسة ما تعرفش نهى الحقيقية تقبل بإيه وما تقبلش بإيه!»
نزلت السلم بخطوات ثابته وواثقة، وورايا صوت صراخ هدى وحماتي ونحيب طارق وهو بينادي باسمي، وأنا مساكة إيد ولادي وبمشي في الشارع ونسمة الهواء الباردة بتخبط في وشي.. لكن مع كل خطوة، كان في صوت هاتف يرن في جبي برقم مجهول.. ولما فتحت الخط، سمعت صوت شخص غير متوقع تمامًا بيقولي بثقة:
«عملتِ الصح يا نهى.. ودلوقتي جه الدور على الخطوة الثانية اللي اتفقنا عليها!»
منوعات



