
“أنا ما كرهتش مي…” كملت بهدوء أصعب من العياط: “… أنا حميتها. وسكت عشان تعيش مستورة. بس لحد هنا وبس. لحد ما تيجي تحت سقف تعبي، سقف السنين اللي أكلت فيها عيش حاف ونمت على الأرض عشان أعمل لنفسي كيان، وتقولي اطلع برة واديلها مفتاح حياتك… لا. الشقة دي شقتي أنا، عرق سنيني أنا، ومحدش هيحط رجله فيها إلا لو كان يستاهل يشاركني تعبي.”
قرب من الباب بخطوات تقيلة، إيده كانت بتترعش وهو بيمسك أكرة باب الشقة برة. قبل ما يفتح الباب، التفت لي بصة مكسورة، بصة راجل اكتشف في ثانية إن بيته اللي بناه طول عمره كان مبني على رمل، وإن الابن اللي كان فاكره “حديد يستحمل” هو الوحيد اللي كان شايل عنه الحقيقة اللي تكسر ضهره.
“هتقولها؟” سألني بصوت ضايع، صوت راجل خايف من أخته مش مني.
رديت عليه وأنا بقفل سستة الجاكيت بتاعي وبشاور له على الباب:
“أنا ما بقولش حاجة لحد يا بابا… السكوت كان اختياري زمان عشان أحميها، ودلوقتي الصراحة هي اختياري عشان أحمي نفسي. الشقة دي مقفولة بالمفتاح ده… وما حدش هيفتحها غيري.”
خرج وساب الباب مفتوح وراه، وصوت خطواته التقيلة على السلم كان يرن في العمارة الهادية. وقفت في نص الريسبشن تاني، بس المرة دي ما حسيتش إن المساحة كبيرة عليّ… حسيت لأول مرة إن الهوا اللي داخل من البلكونة، بقى بتاعي أنا وبس.
مرت ثلاثة أيام. ثلاثة أيام كانت الشقة فيها عبارة عن صومعة هادية زيادة عن اللزوم، الصوت الوحيد فيها هو صوت حركتي الخفيفة ورنة التليفون اللي ما سكتتش.
اسم “مي” كان بينور على شاشة الموبايل كل نص ساعة. ما ردتش. ولا مرة. كنت عارف إن القنبلة اللي انفجرت في وش أبويا، شظاياها بدأت تطول البيت كله.
في اليوم الرابع، الساعة كانت ستة المغرب، الشارع تحت يبدأ يهدى والنور الأصفر بتاع العواميد ينور. سمعت خبط على الباب. مش خبطة أبويا الثقيلة المترددة بتاعة المرة اللي فاتت، ولا خبطة بواب العمارة… كانت خبطة متسارعة، فيها غضب متداري ورا قلة صبر.
فتحت الباب.
كانت واقفة، وشها أحمر من كتر الطلوع على السلم، ماسكة شنطة إيدها بضغط كأنها تحفة عاج خايفة تقع، ووراها “حسام” جوزها، واقف بقلة حيلة وبيهز رجله بعصبية.
“أنت مبتنزلش ليه؟ ولا بترد على التليفونات ليه يا أستاذ؟” قالتها وهي بتزق الباب بكتفها وبتدخل الريسبشن من غير ما تستأذن، عينها طافت بالمكان في ثانية، ونفس اللمعة الطماعة اللي كانت في عين أبويا ظهرت في عينها، بس المرة دي كانت متغلفة بتبجح أكبر.
“أبوك أغمى عليه من يومين ويا دوب لسة قايم من السرير…” كملت وهي بترمى شنطتها على الترابيزة اللي لسة ما مسحتش ترابها: “… ومحدش فاهم ماله، من ساع ما رجع من عندك وهو قافل على نفسه وما بيكلمش حد، وكل ما أقوله الشقة يا بابا، يقولي مالناش دعوة بيها! أنت قولتله إيه يخليه يغير رأيه بالطريقة دي؟”
وقفت قصادها، ساندا ضهري على باب الشقة المفتوح، وبصيت لحسام اللي كان بيبص على مساحة الريسبشن بإعجاب ومش معبر كلامها أوي.
“ما قولتلوش حاجة يا مي… قولتله الحقيقة بس.” ردت بنبرة أهدى من الهدوء نفسه.
لفّت لي بسرعة، ضيقت عينها الملونة — العينين اللي كنت طول عمري بتهرب من التدقيق فيهم — وقالت بنبرة حادة: “حقيقة إيه؟ حقيقة إنك مستخسر فيا وفي عيالي حتة شقة؟ أنت فاكر نفسك مين؟ أنت طول عمرك هنا عشان تخدمنا وتجهزني وتدفع اقساطي! أبويا هو اللي كبرك وخلاك راجل، ودلوقتي لما ربنا فتحها عليك جاية تتأنعر علينا؟”
حسام اتدخل، حاول يلطف الجو وهو بيمشي إيده على دهان الحيطة: “يا جنديات… بلاش شد والجماعة لبعضهم، إحنا برضه أولى بالشقة دي، بدل ما نفضل في الإيجار وخمس أوض كتير عليك قوي يا صاحبي… أنت راجل عزابي.”
ابتسمت، ابتسامة خفيفة طلعت من طرف بؤي، وقربت من حسام خطوة: “أولاً يا حسام، المكان هنا اسمه بيتي… مش “حتة شقة”. ثانياً، أنت برة الموضوع خالص، فخلّيك واقف في جنب عشان اللعبة أكبر منك.”
حسام بصلها بذهول، وهي وشها اتخطف، نبرة التحفز اللي كانت عندها بدأت تتكسر وظهر مكانها خوف غريب… الخوف بتاع الشخص اللي حاسس إن السقف الآمن اللي طول عمره يستخبى تحته بدأ يتشقق.
“أنت تقصد إيه؟” سألتني، وصوتها المرة دي نزل درجة.
“أقصد إنك لو عايزة تفهمي أبوكي ماله… روحي اسأليه عن السر اللي أمك ماتت وهو مكتوم في قلبها. اسأليه ليه كان بيديكي كل حاجة ويحرم نفسهم من الأكل، مش حبًا فيكي… لا، عشان يربطك بيه ويمحي الشك اللي كان بياكل في جسمه كل ما يبص في وشك.”
“أنت بتخرف بتقول إيه؟ أمي إيه وشك إيه؟ أنت اتجننت يا مجدي؟” صوتها علي، بس المرة دي كان صريخ طالع من حتة مكسورة، أيديها بدأت ترتعش وهي بتمسك طرف طرحتها.
قربت منها، لحد ما بقيت واقف قصادها بالظبط، وبصيت في عينها بثبات: “اسأليه يا مي… مين “صابر”؟ واسأليه ليه تاريخ ميلادك في الشهادة متأخر شهور عن اليوم اللي اتولدتي فيه في السيدة زينب. واسأليه ليه كان بيكره يروح معاكي للمستشفيات أو يعملك أي تحليل دم.”
الكلمات نزلت عليها زي المية السخنة في يوم تلج. رجعت خطوة لورا، وشها أصفر، بياض عينها أحمر في ثانية. حسام جوزها اتسمر مكانه، بص لها وبعدين بص لي، كأنه بيحاول يجمع الألغاز اللي بترمى قدامه.
“أنت… أنت بتبلي على أمي؟ أنت عشان شقة توثخ سمعة الميتين؟” قالتها وصوتها بيقطع، العياط بدأ يغلبها، بس مش عياط زعل… عياط خوف من الكابوس اللي كانت حاسة بيه طول عمرها في معاملة أبويا الجافة المستترة، والتفرقة المبالغ فيها اللي كانت فاكراها حُب.
“أنا ما بليتش على حد…” كملت وأنا بفتح الباب على آخره وبشاور لهم على برة: “… أنا حميت السِر ده تلاتين سنة. حميته وأنا باكل العيش الحاف وأنتِ بتدخلي مدارس خاصة. حميته وأنا بتشتم كل يوم وبتقال عليّ عاق ومبصونش أهلي. بس لحد بيتي وتدوسي عليه؟ لا. السكوت كان هدية مني… ودلوقتي الهدية خلصت.”
حسام مسك إيدها، كان شكله مرعوب من اللي بيسمعه، بيحاول يجرها لبرة الشقة وهي كانت واقفة في مكانها مش قادرة تحرك رجليها، عينيها مثبتة عليّ بكره وخوف وذهول مش متخيلة إن “أخوها” المطيع الحيطة المايلة، هو اللي شايل الفأس اللي هيقطع عرق العيلة كلها.
“يمين بالله لو قولت الكلام ده لحد لـ…” حسام بدأ يتكلم وهو بيحاول يعمل فيها راجل.
قاطعه صوتي اللي خرج حاد زي السيف: “لو سمعت صوتك تاني يا حسام، الورقة اللي مكتوب فيها كل حاجة بالتفاريخ والأسماء هتوصل لعمامك ولعيلتك كلها قبل ما توصل للبوليس. اخرجوا برة.”
سحبت إيدها من حسام بسرعة، وبصت لي بصة أخيرة… بصة حد استوعب في لحظة إن العرش اللطيف اللي كان قاعد عليه طول حياته كان مجرد وهم، وإن السند الوحيد اللي كان فاكره شجرة، طلع هو الجدار اللي بيحجب عنه الحقيقة.
خرجوا، وصوت كعب جزمتها على السلم كان متلخبط، مش مقتنع، خطوة سريعة وخطوة بطيئة.
قفلت الباب، وضربت المفتاح دورات كاملة في القفل. النور كان طفى في الشارع، والشمس اختفت تماماً. مشيت في الريسبشن، قعدت على الأرض في النص، وحطيت راسي بين إيديا.
السر خلاص خرج من الأوضة المقفولة… واللعبة بقت مكشوفة للكل. وما كانش فاضل غير المواجهة الأخيرة اللي كلنا كنا خايفين منها.



