
أبويا كان بيتمشى في شقتي الجديدة اللي فيها خمس أوض، وبكل هدوء قال إنها المفروض تبقى لأختي — “الدلوعة” بتاعته. بصيتله وقلتله ببساطة إنه مش محتاج يقلق عليها بالشكل ده، ولا يفضل يضحي بيا عشانها… لأن الحقيقة إنها عمرها ما كانت بنته أصلاً.
قالها بهدوء غريب… كأنه بيتكلم عن الجو، مش بيطلب مني أسيب أكبر حاجة تعبت فيها في حياتي.
كنا واقفين في نص الريسبشن الواسع، الشمس داخلة من الشباك الكبير اللي أول ما شفته وقعت في غرامه، الشقة هنا في مصر… وهو بكل بساطة قرر إن بيتي لازم يروح لحد تاني.
ما سألش أنا مبسوط ولا لأ، ولا خد باله إني فضلت سنين أنقل من شقق ضيقة وأكل عيش حاف لحد ما قدرت أجيب شقة بجد وبلكونة أتنفس فيها. ما افتكرش الليالي اللي كنت برجع فيها متأخر من الشغل، ولا تعبي عشان أحافظ على سمعتي وشغلي، ولا إني كنت بحرم نفسي من أي حاجة عشان أجمع مقدم الشقة.
هو شاف حاجة واحدة بس… “مساحة كبيرة على واحد لوحده”، وحل جاهز يديه لبنته المدللة.
في عينه، تعب أختي “مي” مع عيالها التلاتة في شقة ضيقة أهم من أي حاجة أنا عملتها عشان أوصل لهنا. كان بيتكلم عنها كأنها عروسة صيني هشة، وأنا مجرد حديدة تشيل الحمل كله. قال الجملة اللي دايمًا بيقولها: “الدم عمره ما يبقى ميّه”، بس بنبرة حسستني إنها أوامر مش حب.
لف بين الأوض — أوضة نومي، أوضة الضيوف، المكتب اللي فرشته حتة حتة بإيدي — وكل شوية يقول: “دي تبقى حلوة لعيال مي”. ساعتها حسيت إني عايز أصرخ… مش عشان بكرههم، بس عشان حسيت إني اتمسحت من بيتي.
كأن كل ركن أنا عملته، كل تفصيلة اخترتها، مبقتش بتاعتي.
أكتر حاجة وجعتني مش الطلب… لكن الافتراض. إنه متأكد إني هقول “حاضر”، وأسلمه المفتاح كأني بديه الريموت.
في الحتة الهادية اللي أنا فيها، الجيران بيسلموا عليك والأطفال بيلعبوا في الشارع، الشقة دي خلتني لأول مرة أحس إني عايش مش بس بعدي اليوم.
لأول مرة، مش أنا الخطة الاحتياطي، ولا بنك الطوارئ، ولا الابن اللي “مفيش منه قلق”.
بس في اللحظة دي، فهمت إنه لسه شايفني كده بالظبط.
عشان كده عملت الحاجة الوحيدة اللي عمره ما توقعها مني… لا عليت صوتي، ولا عيطت.
#الكاتب_رومانى_مكرم
بصيتله في عينه وقلتله إنه مش محتاج يقلق عليها بالشكل ده، ولا يفضل يضحّي بيا عشانها… لأن الحقيقة ببساطة إنها عمرها ما كانت بنته أصلاً.
الكلام وقف في الهوا… أتقل من أي قسط دفعته، وأقسى من أي خناقة حصلت بينا قبل كده.
المكان سكن فجأة بشكل يرعب، كأن الريح اللي كانت داخلة من البلكونة وقفت هي كمان تتفرج على الشلل اللي أصاب ملامحه.
أبويا، الراجل اللي طول عمره إيديه ما بتترقش، وكلمته ما بتنزلش الأرض، صوابعه اللي كانت ماسكة طرف أكرة باب المكتب اتخشبت. عينيه اللي كانت عمالة تقيس المساحات وتسكن عيال “مي” في الأركان، اتسعت بدرجة حسيت معاها إن نني عينه هيطلع من مكانه، والنفس اللي طالع منه بقى يخرج بالعافية، كأنه بيبلع إبر.
فتح بؤه عشان يتكلم، طلع صوت مخنوق مش شبه صوته الخشن اللي متعود عليه: “أنت… أنت بتقول إيه يا ولد؟ أنت اتجننت؟”
ما تحركتش من مكاني. فضلت واقف في نص الريسبشن، ضهري للشباك والشمس ضربة في قفايا، ووشي في وش غضبه اللي بدأ يتحول لذهول مرعب. نبرتي فضلت على نفس الهدوء اللي شل حركته:
“بقول الحقيقة اللي أمي رحمة الله عليها عاشت تموت كل يوم وهي خايفة إنك تعرفها… وبقول السر اللي خلاني أشوفك طول عمرك بترميني في العراء عشان تحميها هي، وأنا ساكت وبضحك وبدفع التمن من لحمي.”
خطى ناحيتي خطوة بطيئة، إيده كانت المرة دي بترتعش بجد، ورجليه كأنها مش شايلاه. الشقة الواسعة اللي كان شايفها ملكه وملك بنته المدللة، بقت في لحظة زي السجن اللي الحيطان فيه بتضيق عليه. مسكني من ياقة قميصي، بس مسكته ما كانش فيها القوة القديمة بتاعة زمان لما كان بيكسر كلمتي، كانت مسكة غريق بيحاول يمسك في أي قشة عشان ما يقعش في بئر الكدب اللي عاش فيه تلاتين سنة.
“أنت بتتبلى على أختك؟ عشان شقة؟ عشان وسخ الدنيا جاي تنهش في عرض أمك اللي ماتت؟” صوته كان بيترج ورعشة فكه باينة، ودموعه بدأت تتجمع في عينيه من هول الصدمة، مش من الحزن.
سحبت إيده من على ياقي بالراحة، بكل ثبات، ورجعتها جنبه. قربت منه خطوة واحدة، وحطيت إيدي في جيبي وقلتله:
“أنا عمري ما حكيت لك عن المستشفى القديم في السيدة زينب؟ ولا عن الورقة اللي أمي سابتها في المصحف الصغير اللي كان تحت مخدتها قبل ما تموت بيومين؟ الورقة اللي كان مكتوب فيها اسم الراجل اللي هي كانت عارفاه قبلك، والتاريخ اللي اتولدت فيه مي باليوم والساعة؟ مي اللي اتولدت بعد جوازكم بأربع شهور وطلعتها أنت “ابنة سبعة” وصرفت عليها دم قلبك وبعت حتة الأرض اللي حيلتك عشان تدخلها نظيف وتلبسها أحسن لبس؟”
أبويا رجع لورا خطوتين لغاية ما ضهره خبط في الحيطة اللي أنا لسة دهانها بإيدي الأسبوع اللي فات. قعد على الأرض… الراجل اللي عمره ما انحنى حد، قعد على سيراميك الريسبشن، وبص للسقف كأنه بيدور على سقف بيتهم القديم، على الأيام اللي كان يرجع فيها يفتخر ببنته اللي شبها، وهي في الحقيقة مالهاش أي ملامح منه.
“أمي ما خانتكش بعين قوية…” كملت كلامي وصوتي زي المشرط اللي بيشرح السكوت: “… أمي كانت خايفة منك، وأنت جوزتها غصب عنها وهو اتجوز غيرها، ولما حملت في مي، أنت لبست الشيلة وأنت فاكر إنك البطل اللي بيصون بيته. أنا عرفت الكلام ده وأنا عندي تسعتاشر سنة، يوم ما فتحت المصحف وقريت الرسالة اللي كانت موجهاهالي أنا، بتقولي فيها: (يا ابني احمي أختك وما تخليش أبوك يعرف، عشان لو عرف هيقتلها ويقتلك).”
الراجل مسك رأسه بإيديه الاتنين وبدأ يصرخ بصوت مكتوم، زي الحشرجة: “كدب… كدب… أنت بتعمل كده عشان الشقة! أنت عايز تطفشني وتخليني أكره بنتي! مي دي حتة مني… دي الدم اللي في عروقي!”
ابتسمت مرارة… مرارة السنين اللي راحت وأنا بشوفه بياخد مصروفي عشان يجيب لها جزمة جديدة، السنين اللي رفض يخليني أدخل الكلية اللي بحبها عشان يقدر يدفع مصاريف جامعتها الخاصة.
“مي شبهه هو يا بابا… مش شبهك. بص لوشها كويس لما تشوفها المرة الجاية. بص لعينيها الملونة اللي مش عند حد في عيلتك ولا عيلة أمي. بص لطريقتها وطبعها… أنت طول عمرك عارف، بس كنت بتهرب، كنت بتغمض عينيك وتدلعها هي بالذات عشان تقنع نفسك إنك أب، وعشان تهرب من الشك اللي كان بياكلك من جوة.”
وقف بالعافية، كأنه كبر في اللحظة دي عشرين سنة. وش أصفر زي الموتى، ونظرة العين اللي كانت مالية المكان أوامر بقت مكسورة، ضايعة في الفراغ. بص لأوضة النوم، بعدين للمكتب، بعدين للبلكونة اللي كانت الشمس بدأت تغيب عنها وتلم نورها.

