
كانت صوابعي بتترعش على شاشة التليفون، بس العزم اللي في قلبي كان أشد من الخوف. كتبت الرسالة للمشرف على رسالتها بسرعة، وضغطت زرار الاتصال بالنجدة.
شهد كانت باصة لي وعينيها مبرقة من الخوف، حاطة إيدها على بؤها عشان تكتم صوتها، خايفة إن الكلام يوصل لحسين أو سيد اللي كانوا واقفين ورا الباب.
قلت في التليفون بصوت مكتوم لكنه حاسم: “الحقونا يا فندم! أنا وأولادي محبوسين في شقتنا، وعم العيال بيضغط علينا وعايز يجوز بنتي غصب عنها، ومقفل الباب وبيهددنا. العنوان: منطقة… عمارة…”
قفلت الخط، وكان نفسي سريع ومتقطع. شهد مسكت في جلابيتي ودموعها نازلة وقالت: “يا ماما، حسين لو عرف إنك كلمتي الشرطة هيأذينا، ده مش هيسيبنا!”
مسكت وش بنتي بين إيديا وبصيت في عينيها بثبات: “اللي يخاف من الظلم، حقه ممكن يضيع. أنتِ دكتورة يا شهد، وحقك مش هيروح، ومفيش حد يقدر يكسرك طول ما أنا موجودة جنبك.”
مرت نص ساعة كانت أطول من السنين. صوت الحركة تحت في الشارع بدأ يعلى، وصوت التوكتوك بتاع سيد كان واضح، ومعاه أصوات حسين وأصحابه اللي تجمعوا في المكان.
وفجأة… صوت سرينة النجدة شق سكون الشارع!
سمعنا حركة تحت، وصوت سيد بيتكلم بعصبية مع حد، وبعدها صوت خطوات سريعة طالعة على السلم.
الباب اتخبط خبطتين واضحين، وصوت قوي نادى من برة:
“افتح يا حسين! النجدة!”
سمعنا صوت حسين مرتبك: “نجدة إيه يا باشا؟ دي مشاكل عائلية بيننا وبين بعضنا، مفيش حاجة هنا!”
رد الضابط بصوت حاسم: “افتح الباب واطلع برة الطرقة، فيه بلاغ باحتجاز حرية وتهديد.”
جريت على الباب، فتحت القفل بإيدين بتترعش وشديت الضلفة.
كان واقف على العتبة ضابط شرطة شاب، ملامحه هادية وثابتة. كان اسمه أحمد.
أول ما الباب اتفتح، الضابط أحمد دخل خطوة لجوة الشقة، وبص على المكان، وهناك وقعت عينيه على شهد.
شهد كانت واقفة ورايا، وشها شاحب ودموعها على خدودها، ولابسة طقم الجامعة المحتشم اللي حسين كان شدها منه قبل كده.
أحمد لف بسرعة ناحية حسين، وقال بنبرة حازمة:
“مين اللي مسك البنت بالشكل ده؟”
حسين ارتبك وحاول يبرر موقفه:
“يا باشا دي بنتنا وبنربيها! دي بنت أخويا المتوفي، ونازلة الشارع من غير شورانا، وأنا عمها وفي مقام أبوها، وبنحاول نحل الموضوع ونجوزها لابني.”
الضابط أحمد قال بحزم: “تربيها بالضغط عليها؟ البنت طالبة دكتوراه في الجامعة، وأنت بتتعامل معاها بالشكل ده؟ إحنا في دولة قانون، وكل واحد له حق يختار حياته بنفسه.”
سيد اتدخل وقال بعصبية: “دي بنت عمي وموضوع عائلي!”
أحمد رد عليه بحزم: “أي موضوع عائلي لازم يتم بالتراضي، ومفيش حد له حق يجبر حد على الجواز.”
وبعدها طلب من رجال الشرطة الموجودين معاه تهدئة الموقف، ثم التفت لي ولشهد وقال باحترام:
“جهزوا نفسكم، هنتوجه للقسم عشان نعمل محضر عدم تعرض وإثبات حالة.”
حسين اعترض وقال: “قسم إيه يا باشا؟ دي مشاكل بيت!”
أحمد رد بهدوء: “الموضوع خرج من إطار الخلاف العائلي، وفيه بلاغ رسمي، والقانون هو اللي هيفصل.”
نزلنا مع الضابط، وكان ماشي جنب شهد، وبيحرص إن محدش يضايقها. شهد كانت ماشية وهي باصة للأرض، لكن لأول مرة من فترة طويلة حست إن فيه حد واقف جنبها ويحمي حقها بالقانون.
في القسم، الضابط أحمد فتح مكتبه، وجاب لشهد مية، وقعد يسمع تفاصيل اللي حصل بهدوء.
كنت بحكي عن الخلاف مع حسين، وعن حقوقنا في الورث والمحلات، وعن محاولته الضغط على شهد عشان توافق على الجواز.
أحمد كان بيسجل التفاصيل، وكل ما يسمع عن تفوق شهد ودراستها للدكتوراه، كان واضح إنه مقدر لاجتهادها وتمسكها بمستقبلها.
بعد ما خلص المحضر، قال لي:
“المحضر هيتابع بالطريق القانوني، وموضوع عدم التعرض هيتاخد فيه الإجراء المناسب. أما موضوع الورث والمحلات، فده محتاج محامي متخصص عشان كل حق يرجع لصاحبه بالطريق القانوني.”
دموعي نزلت من شدة الارتياح، وقلت له: “ربنا يجازيك خير يا ابني، وقفت جنبنا في وقت كنا محتاجين فيه حد يسمعنا.”
ابتسم أحمد وقال لشهد:
“الدكتورة شهد مكانها الجامعة والبحث العلمي، ومحدش له حق يمنعها من مستقبلها طالما ماشية في الطريق القانوني.”
شهد رفعت عينها وشكرته بصوت هادي، وكانت بداية مرحلة جديدة في حياتها.
بعد شهر من الأحداث دي، الوضع اتغير تمامًا.
حسين وسيد بقوا بيتعاملوا مع الموضوع عن طريق الجهات الرسمية، واتعملت الإجراءات القانونية المتعلقة بعدم التعرض وحقوق الأسرة. شهد رجعت كليتها وتابعت بحثها، وبدأت تستعيد هدوءها وتركيزها.
وفجأة في يوم، تليفوني رن.
كان الرقم هو رقم الضابط أحمد.
رديت وأنا ببتسم: “أهلًا يا سيادة النقيب، خير يا ابني؟ فيه حاجة جديدة في الموضوع؟”
صوت أحمد كان فيه توتر بسيط، وقال باحترام:
“لا يا أمي، الأمور ماشية كويس. أنا متصل عشان موضوع تاني خالص. أنا طالب أزوركم النهاردة بالليل مع والدي ووالدتي. أنا جاي أطلب إيد الدكتورة شهد، ويشرفني تكون شريكة حياتي. ولو فيه قبول منكم، نحدد معاد مناسب.”
وقفت للحظة من الفرحة والدهشة، وبصيت لشهد اللي كانت قاعدة جنبي بتراجع ملازمها.
وشها احمر، وابتسامة خجولة ظهرت على ملامحها.
التليفون نزل من إيدي على الكنبة وأنا حاسة إن قلبي بيرقص من الفرحة. بصيت لشهد اللي كانت قاعدة على المكتب الصغير في أوضتها، الملازم مفتوحة قدامها، لكن عينيها كانت متعلقة بوشي وبتحاول تفهم الخبر.
أول ما شافت دموع الفرحة في عيني، قامت وقفت وقربت مني بخطوات مترددة.
قلت لها بصوت مخنوق بالدموع والفرحة:
“سيادة النقيب أحمد طالع هو ووالده ووالدته بالليل… جاي يطلب إيدك يا دكتورة.”
وش شهد اتحول في ثواني لوردة حمرا. حطت إيديها على وشها وقالت بخجل:
“يا ماما… إنتِ بتهزري صح؟ أحمد… قصدي سيادة النقيب بجد قال كده؟”
سحبتها في حضني وقلت:
“بجد يا قلب أمك! قال إنه يشرفه تكوني شريكة حياته. ربنا كبير يا شهد، وكل تعب له نهاية.”
البيت كله اتحول لحركة وتجهيز في ساعتين. نضفنا الشقة، ورتبنا المكان، وفضلت أبص من الشباك من وقت للتاني.
وعلى الساعة تمانية بالليل، وقفت عربيتين تحت العمارة.
نزل منهم النقيب أحمد بملابس أنيقة، وفي إيده بوكيه ورد أبيض، وجنبه والده المستشار جلال ووالدته.
حسين وسيد كانوا واقفين تحت عند باب المحل، وعلامات الدهشة ظهرت على وشهم لما شافوا الضيوف.
أحمد طلع على السلم بثقة وهدوء، ورن جرس الباب.
فتحت الباب وقلبي مليان فرحة.




