حماتي أول ما شافته طالع، جرت عليه بتحاول تستبق الأحداث: “ها يا يونس؟ ورتك إيه العيلة دي؟ أكيد لعبت في التليفون وعملت فبركة.. دي أمها محفظاها تقول إيه! يا بني صدقني دهبي المرة اللي فاتت والفلوس المرة دي..”
يونس رفع إيده في وشها ووقفها. نبرة صوته كانت واطية، بس مرعبة، واطية من كثرة الوجع: “بس يا أمي.. بس وما تنطقيش ولا كلمة ثاني.”
حماتي برقت عينيها: “أنت بتمشيني على كيف عيلة؟ بيكدبوني عشان حور؟”
يونس مسك الموبايل ورفعه في وشها، وشغل الفيديو قدام عينيها على أعلى صوت. صوتها هي في الفيديو وهي بتدبر المؤامرة وصوت تنهيدتها بيثة وهو بيملا المكان.
وش حماتي اتغير في ثواني، الألوان هربت من وشها، الشفايف اللي كانت بتصرخ وتدعي بالباطل اتجمدت، وبقت تبص للموبايل ولإبنها بذهول. حاول تتلجلج: “أنا.. أنا كنت.. كنت بختبرها يا يونس! كنت عايزة أشوفها هتاخد الفلوس ولا لأ!”
يونس صرخ فيها بكل قوته، صرخة هزت أركان البيت: “تختبريها؟! تحطي الدهب في شنطتها المرة الأولى وتخليني أشك في شرفي ومراتي وأعيش في جحيم؟ تحطي الفلوس في وسط هدومها المرة دي وتخليني أرفع إيدي على مراتي وأظلم بنتي؟ تختبريها ولا بتخربي بيتي يا أمي؟!”
أنا كنت واقفة ساندة على الحيطة مش قادرة أشيل نفسي من الصدمة. يونس التفت لي، عينيه جابت دموع، بص لي بنظرة ندم وحسرة عمره ما بصلها لي قبل كده. قرب مني بخطوات ثقيلة، وشاف نظرة الرعب اللي في عيني، نفس النظرة اللي كانت موجودة لما رفع إيده عليا.
حماتي لما لقت الخناق زاد، والزنق في زاوية الحقيقة ملوش مخرج، بدأت تمثل دور المريضة وتلطم: “آه يا صدري.. آه يا قلبي! بقى عشان بت الفلاحين دي تزعق لأمك اللي ربتك؟ بتفضلها عليا؟ ماشي يا يونس.. أنا ماشية وسايبالك البيت خالص عشان تعرف قيمة أمك!”
حماتي مسكت شنطتها وجت تتجه ناحية الباب وهي فاكرة إن يونس كالعادة هيجري وراها يترجاها وتبوس إيدها وتهدى.
بس المرة دي، يونس ما تحركش من مكانه. وقف بجسمه كله سادد الممر ناحية الباب، وبصلها بنظرة جافة خالية من أي عاطفة وقال لها بصوت صارم: “استني عندك يا أمي.. الخروج من الباب ده مش بالسهولة دي المرة دي. حق مراتي وبنتي اللي اترموا بالباطل الاتنين لازم يرجع قبل ما تخطي خطوة واحدة برة البيت ده!”
حماتي وقفت مكانها اتصدمت من رد فعل يونس، رجليها اتسمرت في الأرض ومقتدرتش تخطي خطوة زيادة ناحية الباب. عينيها وسعت بذعر وهي بتشوف ابنها اللي كان طوع أمرها وبيضحي بأي حد عشان رضاها، واقف قدامها زي السد العالي، عينيه فيها قسوة ووجع عمرها ما شافته فيهم قبل كده.
حماتي حبت تلعب على نغمة الأمومة والشفقة كعادتها، نزلت الشنطة من إيدها على الأرض، وبدأت تمثل إن نفَسها مقطوع ومسكت صدرها بإيدها وبتنهد بصوت عالي: “عايز تعمل إيه يا يونس؟ هتمد إيدك على أمك اللي كبرتك وشالتك؟ عشان خاطر دي وبنتها؟ نسيت طاعتي ورضاي عليك؟ بقى أنا يتقال لي حق ومحقش في بيتك؟”
يونس خطى خطوة ناحيتها، والجمود اللي على وشه كان أصعب ميت مرة من العصبية. مسك الموبايل من إيد مكة، ورفعه قدام وش أمه مباشرة، وقال بنبرة ثقيلة ومجروحة: “الرضا وطاعة الوالدين مش معناها إنك تخليني أظلم بنت الناس اللي دخلت بيتي على سنة الله ورسوله! الرضا مش إنك تخليني أرفع إيدي على مراتي اللي صايناني وصاينا بيتي! مش إنك تخليني أتهم بنتي الصغيرة بالسرقة وأعلمها إن الحق ممكن يضيع بالباطل!”
حماتي بدأت تتوتر أكتر، وشها بقى يترعش، وبصت لي بغل وكره دفين وقالت: “هي اللي سحرتلك! البت دي عملالك عمل، خليتك تكدب عينك وتصدق شوية شغل تمثيل من بت صغيرة! الفلوس دي فلوسي، وأنا حرّة أحطها مطرح ما أحطها، كنت بشوفها أمانة ولا لأ!”
يونس صرخ بصوت هز السقف، صوت طالع من القهر والندم اللي بياكل في قلبه: “بلاش كدب بقى! بلاش تشتري وتبيعي فيا وفي بيتي! الفيديو واضح وزي الشمس.. أنتِ بتتسحبي زي اللي بيعمل جريمة، حاطة الفلوس في وسط الهدوم بغل، وطالعة تصرخي وتلمي العمارة وتتهمني أنا في شرفي وفي أهلي بإن مراتي حرامية! وقبلها الدهب اللي رميتيه في شنطتها وخليتيني أكسر قلبها وأقولها ليه تسرقي أمي؟”
في اللحظة دي، يونس التفت لي، وبص لي وهو مش قادر يرفع عينيه في عيني. الدموع نزلت من عينيه بضعف وقهر، قرب مني وبص على إيده اللي كانت مرفوعة عشان تضربني من شوية. إيده كانت بترتعش زي ورقة شجر في الهواء. مسك إيدي بالراحة وزي ما يكون خايف ألمسه أو أبعد عنه، وقال بنبرة مكسورة: “سامحيني يا حور.. سامحيني يا أم مكة! أنا أعمى.. كنت أعمى وجاهل، بعت اللي صايناني وصدقت الباطل لمجرد إنه طالع من أمي. أنا كنت همرمغ كرامتك في الأرض وأظلمك ظلم عمرك ما تنسيه.. سامحيني يا بنت الأصول.”
حماتي لما شافت يونس بيمسك إيدي ويترجاني، الغل جواها اشتعل أكتر، صرخت بعلو صوتها: “أنت بتوطي رأسك لبت الفلاحين دي قدامي؟ بتعتذر لها وأنا واقفة؟ طب والله يا يونس لو ما طردتها هي وبنتها دلوقتي من البيت ورجعتلي حقي، لا أنت ابني ولا أعرفك، وغضبانة عليك ليوم الدين!”
يونس لف ليها بسرعة، ونظرة عينيه اتغيرت تمامًا. الغضب اتحول لقرارات حاسمة، وقال لها بصوت هادي بس يقطع الشك باليقين: “غضبك لما أكون ظالم يا أمي.. لكن ربنا مش هيغضب عليا عشان بنصف المظلوم وبدافع عن بيتي وبنتي. أنتِ اللي اخترتي الطريق ده، أنتِ اللي حاولتي تخربي بيتي بكتلة كدب وغل ملهوش أول من آخر.”
حماتي اتفاجئت، مسكت جلابيتها وقالت بتهديد: “يعني إيه؟ بتطرد أمك عشانهم؟”
يونس رد وهو بيمسك شنطة هدومها اللي كانت جايبة فيها حاجتها عشان تبات عندنا، وشالها بإيده: “أنا مش بطردك.. أنا بحمي بيتي منك. أنتِ هترجعي بيتك معززة مكرمة، كل مصاريفك وطلباتك هتوصلك لحد عندك، ومش هقصر معاكي في جنيه ولا في سؤال.. بس خطوة جوة الشقة دي تاني مش هتخطيها! الشقة دي فيها مراتي وبنتي اللي اترموا بالباطل، ومحدش هيدخلها يكسر بخاطرهم أو يتبلى عليهم تاني أبداً!”
حماتي وقفت مذهولة، الألوان رايحة جاية في وشها، مكنتش متوقعة إن يونس ممكن ياخد موقف حاسم بالشكل ده، كانت فاكرة إن كارت الغضب والأمومة هيخليه يطفس الموضوع ويجبرني أعتذر لها كمان.
مسكت شنطتها بغضب شديد، وبصت لي بنظرة كلها كره وقالت: “ماشي يا يونس.. بكرة تعقل وتعرف مين اللي كان خايف عليك ومين اللي ضحكت عليك وبكرا تجيلي زاحف وتندم!”
طلعت حماتي وراعت الباب وراها برزع هز الشقة كلها.
أول ما الباب اتقفل، البيت رجع فيه الهدوء، بس كان هدوء ملغوم بالوجع والصدمة. يونس وقف مكانه مش قادر يتحرك، وشه بين إيديه، وبدأ ينتحب بصوت واطي، صوت راجل اتكسر في أغلى حاجة عنده؛ اتكسر في أمه اللي افتكرها سند، واتكسر في نفسه عشان كان هيظلم أسرته.
مكة قربت من باباها وشايتة إيده الصغيرة، وبصت له وقالت: “بابا.. متعيطش، أنا حوريتك عشان أنت حبيبي وما تضربش ماما.”
يونس نزل على ركبه في الأرض، وحضن مكة بكل قوته، وبقى يبوس رأسها وإيديها وهو بيعيط: “أنتِ أشجع وأذكى بت في الدنيا يا مكة.. أنتِ اللي أنقذتي أباكي من النار والظلم.”
وبعدها رفع رأسه وبص لي.. أنا كنت واقفة مكاني، حاسة بإحساس متلخبط بين الوجع والراحة؛ الراحة إن الحقيقة ظهرت وربنا نصرني ونصر بنتي، والوجع من البصمة اللي سابها الشك في قلبي. يونس قام من الأرض وقرب مني بخطوات بطيئة، وسكت ثواني قبل ما ينطق باللي جاي.
Uncategorized



