عن التنمر من على المسرح، وفي نفس الوقت مكنتش تعرف إن البنت اللي بتكلمها بإعجاب من شوية هي نفسها البنت اللي سخرت منها زمان. يعني لو كنت عرفتني وأنا تخينة، كنت هتكلمني بنفس اللطف ده؟
اتجمدت مكاني.
ملقتش إجابة.
هي كملت
إنت كنت عايز تقعد معايا، وكنت معجب بيا، وعامل نفسك مهتم برأيي، لأنك شايفني جميلة. لكن لو كنت شفت صورتي القديمة قبل ما تكلمني، كنت هتديني نفس الفرصة؟
حاولت أتكلم، لكن الكلام وقف في زوري.
لأن الحقيقة كانت واضحة، حتى لو مكنتش عايز أعترف بيها.
منال هزت راسها وقالت
عارف إيه أكتر حاجة بتوجعني؟ مش إنك رفضتني، لأن من حقك تختار شريكة حياتك اللي تناسبك. اللي وجعني إنك
افتكرت إن حقك في الاختيار يديك الحق تهين إنسان تاني. كان ممكن تقول مش مناسبين لبعض، وتمشي باحترام. لكنك اخترت تضحك وټجرح.
وبعدين بصت لي نظرة أخيرة وقالت
أنا مش محتاجة منك اعتذار عشان أكمل حياتي، ولا محتاجة أثبت لك إني أستحق الحب. أنا عارفة قيمتي كويس دلوقتي، ودي حاجة إنت عمرك ما هتقدر تسلبها مني.
قلت لها بصوت ضعيف
منال، أنا آسف. والله أنا ندمان.
ردت ببرود
اتمنى تكون ندمان فعلًا، مش بس عشان الناس شافت حقيقتك.
وبعدين سابتني ومشيت.
فضلت واقف مكاني، وبعد ثواني رجعت القاعة وأنا حاسس إن كل العيون بتلاحقني.
ناس كانت بتبص لي بقرف، وناس بتتهامس، وناس كانت بتواجهني بكلام مباشر.
واحد
من الحضور قال لي
إزاي بتتكلم عن احترام الناس وإنت عملت كده؟
ومقدرتش أرد.
بعد وقت قصير، طلب مني المسؤولون عن الجمعية أقعد معاهم في اجتماع عاجل. قالوا إن التسجيل اللي اتعرض كشف تناقضًا خطيرًا بين الرسالة اللي الجمعية بتقدمها وتصرفاتي الشخصية، وإنهم مضطرين يوقفوا مشاركتي في أنشطتها لحد ما يراجعوا الموقف.
وفي النهاية، اتاخد قرار باستبعادي من تمثيل المبادرة، وفقدت مكاني اللي كنت فخور بيه.
خرجت من المؤتمر وسط نظرات خلتني أتمنى لو الأرض تنشق وتبلعني.
لكن الأصعب من كل ده، إني كنت عارف إن البنت اللي أعجبت بيها من أول لحظة، واللي كنت متحمس أقعد معاها وأعرف عنها أكتر، هي نفسها البنت
اللي أذيتها بإيدي من
سنتين.
والفرصة اللي كنت فاكر إني ممكن أحصل عليها بسهولة، انتهت قبل حتى ما تبدأ.
بعد المؤتمر، حاولت أتواصل معاها، لكن منال رفضت أي مقابلة. بعت لها رسالة اعتذار طويلة، وطلبت منها تسمعني، لكنها ردت بكلمتين بس
أتمنى تكون اتعلمت الدرس. من فضلك متحاولش تتواصل معايا تاني.
وقتها حسيت بندم عمري ما حسيته قبل كده.
مش بس عشان خسړت سمعتي، ولا عشان اتطردت من المبادرة، لكن عشان اكتشفت إن الإنسان ممكن يضيع من إيده فرصة إنه يكون شخص أحسن، لمجرد إنه افتكر نفسه أفضل من غيره.
فضلت أيام طويلة أراجع كل كلمة قلتها لمنال في الكافيه، وكل ضحكة سخرت بيها منها، وكل نظرة احتقار بصيت لها بيها.
وفهمت إن المشكلة مكنتش إنها سمينة، ولا إنها مش على ذوقي. المشكلة إني كنت شايف نفسي أعلى منها، وافتكرت إن نجاحي وفلوسي وشكلي يدوني الحق أحكم على الناس وأكسر خاطرهم.
والحقيقة اللي وجعتني
أكتر من أي حاجة، إني لما قابلتها بعد سنتين، مكنتش أعرف إنها هي، ولما افتكرتها بنت جميلة، حسيت إني عايز أتعرف عليها وأقرب منها.
يعني إيه؟ يعني أنا نفسي كنت بحكم على الناس من مظاهرهم، بالضبط زي ما كنت بطلع على المسرح وأقول للناس إن ده غلط.
ومن يومها، بقيت أفهم إن الاعتذار مش بيمسح كل حاجة، وإن الندم مش معناه إن الشخص اللي أذيته لازم يسامحني أو يديني فرصة تانية.
منال كان من حقها تكمل حياتها من غير ما ترجع للماضي، ومن حقي أنا أتعلم من غلطتي وأحاول أصلح نفسي.
وبعد شهور، بدأت أشارك في أعمال خيرية من غير ما أظهر قدام الكاميرات، واشتغلت على نفسي بجد، واتعلمت أسمع الناس وأحترم اختلافهم، بدل ما أتكلم عن المبادئ وأنا مش بطبقها.
لكن مهما عملت، عمر ما اللي حصل في المؤتمر هيتنسي من ذاكرتي.
لأن أسوأ عقاپ ليا مكنش إن الناس عرفت حقيقتي، لكن إني بقيت عارفها أنا كمان.
وأوقات كتير كنت بتخيل لو إني يومها في الكافيه كنت ابتسمت لمنال وقلت لها بكل احترام إننا مش مناسبين لبعض، أو حتى كنت عاملتها كإنسانة ليها مشاعر
وكرامة، كان ممكن كل ده ميتحصلش.
ويمكن لو كنت اديتها فرصة أعرف شخصيتها من غير ما أركز على شكلها، كنت اكتشفت بنت عندها عقل وقلب وإرادة تستحق الاحترام.
لكن أنا اخترت السخرية بدل الاحترام، والتكبر بدل الإنسانية، ودفعت تمن اختياري.
ومن يومها، كل ما أسمع حد بيتريق على شخص بسبب وزنه أو شكله، بفتكر منال، وبفتكر الجملة اللي قالتها لي قبل ما تمشي
كان ممكن ترفضني باحترام، لكن الظاهر إن معندكش ريحة الاحترام.
وقتها كنت فاكرها مجرد بنت مکسورة بتحاول تدافع عن نفسها.
لكن بعد سنتين، اكتشفت إنها كانت أقوى مني بكتير.
وعرفت أخيرًا إن الإنسان مش بيتقاس بشكله، وإن اللي بيقلل من قيمة غيره عشان مظهره، ممكن ييجي عليه يوم يكتشف إن
العيب الحقيقي كان جواه هو.


