
كون.
بدأت المفاوضات. لم أطلب تدميرهم ولا تشريدهم. طلبت فقط حقي عودة الأرض لي، وإنشاء مؤسسة تحمل اسم أبي لدعم الفن والفنانين، وتعويض مالي كافٍ لضمان مستقبل عائلتي. وافقوا جميعاً لأنهم لم يكن لديهم خيار آخر غير الڤضيحة العامة والمحاكمات الطويلة.
الجزء الخامس رقصة التانجو الأخيرة
بعد شهر، تم تسليمي أوراق ملكيتي رسمياً. لم أطرد أحداً من بيته، ولم أمنع أحداً من عمله. فقط استرديت ما كان لي، وبدأت أبني عليه من جديد. هدمت جزءاً من المول القديم وأسست فيه مركز ناصر الشربيني للفنون والرقص. افتتحته بحضور مئات الناس، ووسط الحضور كانت عمتي دولت، تبتسم بفخر وعيناها تلمعان بالدموع.
وفي ليلة الافتتاح، وبينما كنت أتحدث مع الضيوف، وجدت سيف يقف على أطراف القاعة، يبدو أصغر وأضعف من أي وقت مضى. اقترب مني بتردد،
وقال بصوت خاڤت بالكاد أسمعه
أيمكنني أن أرقص معكِ التانجو.. هذه المرة؟ ليس لأنني أريد شيئاً.. ولكن فقط لأعتذر. وأعرف أن الاعتذار لا يكفي.. لكنه كل ما أملك.
فكرت للحظة، ثم مددت له يدي. عزفت الموسيقى ذاتها، ورقصنا معاً للمرة الثانية. لكن هذه المرة، لم يكن هناك سخرية ولا تحدٍ. كان هناك احترام حقيقي، واعتراف واضح بالخطأ. حين انتهت الرقصة، قال لي
شكراً لأنك لم ټنتقمي. لقد أعطيتني درساً لن أنساه مدى الحياة.
الاڼتقام يجعلنا مثل من أساء إلينا يا سيف. أما المغفرة.. فهي ما يبقينا بشراً. فقط تذكر دائماً الكرامة لا تعطى بالمال ولا تؤخذ بالإهانة. هي توجد فينا ونحن نحملها حيثما ذهبنا.
الجزء السادس الإرث الحقيقي
مرت ثلاث سنوات. أصبح مركز ناصر الشربيني منارة ثقافية في وسط البلد، يأتيه الشباب من كل المحافظات يتعلمون
الفن بكل أنواعه. لم أصبح مليونيرة فجأة، لكنني أملك ما لا يملكه الأغنياء احترام الناس، عملاً نافعاً، وسلاماً داخلياً لا يُقدر بثمن.
عمتي دولت عاشت معي في جناح خاص بالمركز، وكأنها وجدت أخيراً المكان الذي تنتمي إليه. كانت تجلس يومياً تشاهد الشباب يرقصون ويتعلمون، وتقول لي بابتسامة هادئة
أبوكِ لو شافكِ دلوقتي.. كان فخوراً جداً بكِ.
وذات مساء، وبينما كنت أجلس في قاعة الرقص الكبرى، أطلعتُ على صورة أبي المعلقة على الحائط الكبير أمام المدخل. ابتسمتُ له وهمست
وصلت يا بابا. والرقص مستمر.. والكرامة رجعت لبيتها.
عرفت حينها أن أغلى ما ورثته لم يكن الأرض ولا المال.. بل الشغف بالجمال، واحترام الذات، والقدرة على المسامحة دون أن تنسى أو تتنازل عن حقك. فهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا يمكن لأحد أن يسرقه
تمت
القصة بحمد الله




