
بعد أن قضيت 48 ساعة مع عشــ,,ـــــقي في جناح سري، عدت إلى منزلي في القاهرة في تمام الساعة 3:26 صباحاً لأجد زوجتي التي تزوجتها منذ أحد عشر عاماً قد اختفت. كان خاتم زواجها موضوعاً على سر,,ـــــيرنا بجوار المسدس الذي أهديتها إياه ليلة زفافنا، وتركَت رسالة تحذرني فيها من محاولة البحث عنها.
كنت أخطر رجال النفوذ والأعمال في مصر، رجلاً يسيطر على ألف وسبعمائة شخص.. لكن المرأة الوحيدة التي لم تخشني قط اختفت دون أن تترك خلفها أي أثر. اسمي يوسف الشرقاوي. أنا في الثانية والأربعين من عمري، وقضيت حياتي في بناء إمبراطورية لا يجرؤ سوى القليل على تحديها.
أسيطر على ثلاث وعشرين شركة، ولدي تحالفات مع كبار العائلات في أنحاء البلاد. ولكن قبل أن أصل إلى ما أنا عليه بوقت طويل، كانت مريم هي المرأة التي تقف بجانبي دائماً. كانت تضمّد جروحي عندما كنت صغيراً، وتمسك بيدي بعد م. والدي.
الأ
وذات مرة، عندما رأت الدماء على يدي، همست ببساطة: “ما زلت أعرف من تكون”. لطوال أحد عشر عاماً، كانت زوجتي، وأم بيتي، والمرأة التي كنت أعتقد أنها لن ترحل أبداً. ثم دخلت نور إلى حياتي. كانت في التاسعة والعشرين من عمرها، جميلة، وابنة لعائلة من كبار الحلفاء.
وما بدأ بعد اجتماع عمل تحول إلى غرفة فندق، ثم إلى جناح سري يبعد أقل من خمسة أميال عن قصري. استمرت العلاقة تسعة أشهر. كنت أعتقد أن مريم لا تشك في أي شيء. كنت مخطئاً. قبل يومين من اختفائها، راقبتني وأنا أرتدي معطفي. * إلى أين أنت ذاهب؟ * إلى العمل.
* مع نور؟تسمّرت في مكاني. * لا تطرحي أسئلة لا تريدين معرفة إجاباتها. نظرت إليّ بهدوء. * هل تحبها؟لم أستطع الإجابة. بعد عدة ثوانٍ، أومأت مريم برأسها. * حسناً. * لا تحولي هذا الأمر إلى مأساة، قلت بحدة. امتلا عيناها بالحزن. * أنا لا أفعل ذلك يا يوسف، بل أنت.
غادرت على أي حال. لقد بقيت مع نور لمدة ثمان وأرحين ساعة، وأغلقت هاتفي، وتجاهلت كل ما كان ينتظرني في المنزل. وعندما عدت، كان القصر صامتاً بشكل غريب. كانت غرفة نومنا فارغة. لم يتبقَّ في خزانة مريم سوى سبعة فساتين.
وعلى السر,,ـــــير، كان موضوعاً خاتم زواجها، والمسدس الفارغ الذي أهديتها إياه، ورقة مكتوبة بخط اليد.”لقد قلت لي مرّة إنني لو اختفيت، لقلبت هذه المدينة بأجمَعها رأساً على عقب.””لا تبحث عني.”أخبرني مدبر منزلي أن مريم غادرت في تمام الساعة 10:12 مساءً. * إلى أين ذهبت؟ سألت بحدة.
* لم تقل شيئاً، يا سيدي. * من ذهب معها؟ * لم يذهب أحد. حدقت فيه مطولاً. * لقد سمحتم لزوجتي بالمغادرة وحدها؟خفض رأسه. * لقد أمرتنا السيدة مريم ألا نتواصل معك. لقد كنّا نطيعها دائماً يا سيدي. أمرت رجالي بالبحث في كل مكان: تسع وثلاثون شقة في القاهرة والإسكندرية، سبعة عشر فندقاً، أحد عشر مرسى لليخوت على النيل، ستة مطارات خاصة.
لا شيء. قضت مريم 117 يوماً في التحضير لهروبها. فقد نقلت وثائقها الشخصية، وأمّنت أموالها، ونقلت والدتها إلى مكان آخر، وغادرت في سيارة خارج شبكة منظمتي. وللمرة الأولى في حياتي، عجزت عن العثور على شخص ما. ثم، بعد مرور إحدى وثلاثين ساعة على بدء البحث، وصل مقطع فيديو إلى هاتفي.
ظهرت مريم بدون مجوهرات، أو حراس شخصيين، أو أي شيء يحمل اسم عائلة الشرقاوي.”يا يوسف”، بدأت حديثها. “أنا أعرف أمر نور.”انقبــ,,ـــــض صدـ,,ـــري.”أنا أعرف أمر الجناح السري، الغرفة 814، والعقد الذي اشتريته لها. وأعرف حتى أنك أخبرتها أنك ستختارها لو كانت الأمور أبسط.
“أوقفت الفيديو. ثم أعدت تشغيله. كانت مريم تنظر مباشرة إلى الكاميرا.”لقد علمتني أن الخيانة لا تحدث إلا مرة واحدة. وقد اتبعت تلك القاعدة بشكل أفضل مما فعلت أنت.”بدأت يداي ترتجفان.”أنا لا أرحل لأنني خائفة منك”، وتابعت حديثها.
“أنا أرحل لأنني لم أعد أشعر بالأمان مع الرجل الذي أحبه أكثر من أي شخص آخر.”توقفت لبرهة.”لا تؤذِ أحداً بسبب هذا الأمر. فنور لم تقف يوماً أمام المذبح لتعدني بألا تخونني.”تهدّج صوتها.”أنت من فعلت.”حدقت في الشاشة عاجزاً عن التنفس.
ثم اقتربت مريم أكثر من الكاميرا.”وهناك شيء أخير يا يوسف يجب أن تفهمه بشأن سبب رحيلي.”ظلت عيناها مسمرتين في العدسة، كأنها تنظر إلى روحي مباشرة من خلال الشاشة.”طوال أحد عشر عاماً يا يوسف، كنت أعتقد أنني النصف الآخر من قوتك.
.. لكنني اكتشفت مؤخراً أنك لم تكن ترى فيّ سوى ملجأ آمن تعود إليه كلما تعبت من معاركك. كنت تعتقد أن سيطرتك على ألف وسبعمائة رجل وثلاث وعشرين شركة تجعلك آمناً، لكنك نسيت أن القلاع الحصينة تسقط دائماً من الداخل.
“توقفت لبرهة، وابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالأسى المرير.”خلال المئة وسبعة عشر يوماً الماضية، لم أكتفِ بنقل أوراقي وممتلكاتي… بل قمت بتوقيع الأوراق النهائية لنقل ملكية النصف القانوني لشركاتك، تلك التي سجلتها باسمي طوال سنوات زواجنا لحمايتك من الملاحقات. المستندات التي كنت تمنحها لي وأنت مغمض العينين ثقةً بي.
.. أصبحت الآن ملكاً خالصاً لي ولأمي.”شعرَت الأرض تمور تحت قدمي. تذكرت آلاف الأوراق التي كانت توقعها دون تفكير لأنني أثق بها ثقة عمياء لا تتزعزع. أكملت مريم ببرود هادئ وموجع: “وأما عن نور، فهي لم تكن سوى فصل قصير في نهاية كتابنا.
لقد تركت لك وحدك حرية الاختيار، لكنك اخترت أن تهدم بيديك كل ما بنيناه معاً. لم أرحل لأعاقبك يا يوسف، بل لأترك لك الإمبراطورية التي طالما سحقت الجميع من أجلها، لترى كم هي وحيدة ومظلــ,,ـــــمة عندما تخلو من شخص يعرف حقيقتك فعلاً.
“تهدّج صوتها قليلاً قبل أن تختم:”لا تبحث عني… لأنك إن وجدتني، لن تجد المرأة التي كانت تنتظرك دائماً خلف الباب.”انطفأت الشاشة. بقيت جالساً في منتصف الغرفة المظلــ,,ـــــمة، عاجزاً عن الحراك، أدرك للمرة الأولى في حياتي أنني كنت أقوى رجل في مصر.
.. ولكني خسرت الملكة الوحيدة التي جعلت لهذا العرش كله معنى.#حكايات_شروق_خالدلم أتحرك من مكاني لقرابة ساعة كاملة. هاتفى الذي كان لا يتوقف عن الرنين بأخبار رجالي وتقاريرهم عن الفشل الذريع في البحث، تحول إلى صخرة صامتة في يدي. رفعت نظري ببطء نحو الخزانة المفتوحة.
سبعة فساتين فقط تركتها خلفها. لم تكن مجرد ملابس غادرت بها، بل كانت إعلاناً بأن كل ما جمعناه معاً قد انتهى، وبأنها أخذت معها حتى الحق في تذكر الأيام القديمة. تناولت المسدس الذي تركته لي على السر,,ـــــير.
كان بارداً وغير محشو بالرصاص، تماماً مثل الوعود التي أخلفتها. رفعت المسدس وتأمّلت نقشه القديم؛ تذكّرت الليلة التي أهديتها إياه حين قلت لها إن حمايتي ستظل تحيط بها للأبد. كم كنت واهماً. هي من كانت تحميني طوال تلك السنين، ليس بالسلاح، بل بوجودها الذي كان يطهرني من قذارة عالمي.
في تلك اللحظة، رن الهاتف مرة أخرى. كان المتحدث هو حارسي الشخصي الرئيسي، وصوته يقطر رعباً لم أعهده فيه من قبل: * “يا سيادة الباشا… لقد وردت إلينا الآن معلومة من إحدى جهات التوثيق والضرائب. لقد تم تفعيل قرارات نقل الملكية للشركات، و… وهناك أمر آخر.” * نطق بصوت متقطع: “السيدة مريم.
.. قامت ببيع القصر الذي نعيش فيه، وكل العقارات المسجلة باسمها، وخصصت النصف الآخر من الأرصدة لصالح مؤسسات خيرية وحسابات باسم والدتها. نحن… نحن مفلسون رسمياً يا يوسف بي. كل ما تبقى تحت سيطرتك المباشرة هي الشركات المشبوهة والديون التي لا تغطي رواتب الرجال.
“سقط الهاتف من يدي على الأرضية الرخامية، وتحطمت شاشته. لم تعد إمبراطوريتي سوى وهم من ورق، هدمته امرأة لم تطلق رصاصة واحدة، بل اكتفت بأن تتركني وحدي في قمة جبل من الرماد. التفتّ نحو النافذة المطلة على شوارع القاهرة الصامتة في الساعات الأخيرة من الليل، وأدركت حينها معنى كلماتها الأخيرة: لقد تركتني أجلس على العرش الذي ضحيت بكل شيء من أجله، لأكتشف أخيراً أنني أحكم فراغاً مظلــ,,ـــــماً لا ينتمي إليه أحد غيري.
#حكايات_شروق_خالد



