روايات وقصص

اخواتي التلاته

إن اللي دخل من الباب ده هيقلب حياتي كلها في لحظة.

وإن الحقيقة اللي هتظهر بعدها…

كانت أخطر بكتير من مجرد معرفة مين أبويا الحقيقي.

الصالة كلها اتجمدت.

حتى لارا بطلت تعيط.

حسام قام من مكانه كأنه اتلسع، وبص لفارس المنشاوي بنظرة لأول مرة أشوف فيها الخوف الحقيقي.

أما أنا… ففضلت على ركبتي، مش قادرة أستوعب الجملة اللي سمعتها.

— أنا أبوكي.

فارس قرب مني، ومد إيده.

— قومي يا صوفيا.

بصيت لإيده، وبعدين بصيت لحسام.

كان وشه أبيض.

قلت بصوت متقطع:

— إنت… تعرفني؟

فارس ما ردش.

رفع عينه ناحية حسام وقال:

— إنت قلتلي من سبع سنين إن بنتي ماتت.

الهمس انتشر في الصالة.

— بنتك؟!

— صوفيا بنت فارس المنشاوي؟!

— إزاي؟!

لارا وقفت فجأة.

— الكلام ده كذب!

فارس بص لها لأول مرة.

— أنا ما كلمتكيش.

سكتت.

ثم رجع يبصلي.

— أمك اسمها مريم؟

قلبي وقف.

الاسم ده ما كانش يعرفه غير شخص واحد.

مديرة دار الرعاية.

كانت دايمًا تقول لي إن أمي تركتني وأنا رضيعة، وإن كل اللي معاها صورة قديمة وورقة عليها اسمي.

قلت:

— أيوه.

فارس أغمض عينيه لحظة.

وبعدين قال:

— كانت مراتي.

سكت.

— وكانت حامل فيكي.

بدأت دموعي تنزل من غير ما أحس.

— طب… ليه سيبتني؟

وش فارس اتكسر.

— هي ما سابتكيش.

أخرج من جيبه صورة قديمة.

كانت صورة لامرأة شابة، واقفة قدام البحر، وبطنها كبيرة.

أنا عرفت الصورة فورًا.

دي نفس الصورة اللي كانت مديرة الدار مخبياها في درجها.

لكن فارس قلب الصورة.

على ظهرها كان مكتوب بخط اليد:

“لو حصل لي حاجة… خلي بنتي تعرف إن أبوها ما سابهاش.”

رفعت عيني له.

— إيه اللي حصل لأمي؟

فارس سكت.

وهنا حسام قال بسرعة:

— فارس، إحنا ممكن نتكلم بعيد عن الناس.

فارس ضحك ضحكة قصيرة من غير فرحة.

— بعد سبع سنين؟

وبعدين قرب منه.

— سبع سنين وإنت سايب بنتي في السجن بدل ما تدور عليها؟

حسام قال بعصبية:

— إحنا ما كناش عارفين إنها بنتك!

فارس رد فورًا:

— لأ.

وبص له في عينه.

— إنت كنت عارف.

الصالة كلها شهقت.

أنا بصيت لحسام.

— كنت عارف؟

حسام ما ردش.

فارس مد إيده ليا.

— تعالي معايا.

لكن قبل ما أتحرك، لارا صرخت:

— ما تروحيلوش!

الكل بص لها.

هي قربت مني.

— إنتِ مش فاهمة هو عايز إيه.

فارس قال:

— هي مش محتاجة تفهم منك أي حاجة.

لارا بصتلي بعينين مليانين خوف.

مش كراهية.

خوف.

وده كان أول شيء خلاني أشك.

لأن لارا طول عمرها كانت بتبصلي باحتقار.

اللي شوفته في عينيها اللحظة دي كان مختلف.

كانت مرعوبة.

فارس أخدني من الفيلا.

وفي العربية، أول ما قفل الباب، قال للسائق:

— على المستشفى.

بصيت له.

— ليه؟

سكت ثواني.

— عشان الجرح اللي في دراعك محتاج يتشاف.

بصيت للجرح.

ثم سألته:

— إنت كنت بتدور عليا؟

قال:

— سبع سنين.

— طب ليه ما لقيتنيش؟

سكت.

— لأن حد كان بيخليني أدور في المكان الغلط.

وصلنا المستشفى.

وبعد ما الدكتور بدأ يعالج الجرح، فارس قعد قدامي.

وحط ملف

قديم على الترابيزة.

— ده ملف أمك.

فتحته.

أول ورقة كانت شهادة وفاة.

اسمها: مريم المنشاوي.

تاريخ الوفاة كان بعد ولادتي بأربعة أيام.

لكن المفاجأة كانت في آخر الصفحة.

“سبب الوفاة: تسمم غير محدد المصدر.”

رفعت رأسي ببطء.

— أمي اتقتلت؟

فارس قال:

— أنا كنت فاكر إنها ماتت بسبب مضاعفات الولادة.

ثم أخرج ورقة أخرى.

— لحد ما من شهر واحد، وصلني جواب مجهول.

ناولني الورقة.

كان مكتوب فيها:

“بنتك عايشة.”

تجمدت.

— مين بعته؟

— ما أعرفش.

— طب إزاي عرفت مكاني؟

قال:

— ما عرفش.

— إيه؟

فارس أشار لملف آخر.

— هو ما قالش مكانك.

ثم فتح الملف.

كان فيه صورة لي من داخل السجن.

وتحتها جملة واحدة:

“ابحث عن صوفيا قبل أن يبحثوا عنها.”

شعرت بقشعريرة.

— مين “هم”؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى