روايات وقصص

ابني حب حكايات اماني 2

قتها مسكت تليفونها بصرامة وإيد ثابتة، وبدأت تطلب رقم ابني.. وقتها اتحركت من مكاني بسرعة والنبرة العالية رجعت لفهلي، وقلت لها بصوت حاد وأنا بحاول أبان مش فارق معايا:

“أنتِ بتعملي إيه يا بت أنتِ؟! اقفلي التليفون ده فوراً! هو أنتِ فاكرة نفسك هتخوفيني بيه ولا هتعملي عليا نمرة؟ سيبيه في شغله ومش عايزين وجع دماغ وشغل عيال!”

لكن هاجر ما هزتش رأسها حتى، ولا نفذت كلامي.. رفعت التليفون على ودنها وبصت لي ببرود وهدوء يرعب، وكأنها مش شايفاني أصلاً. ثواني وكان صوت ابني جيلها من الناحية الثانية، أول ما رد قال بلهفة:

“أهلاً يا هاجر.. خير يا حبيبتي؟ فيه حاجة؟ صوتك ماله؟”

هاجر قالت له بصوت رايق، بثبات وهدوء نسف كل محاولاتي للتغطية:

“أهلاً يا أحمد.. معلش اعذرني إني بكلمك في وقت شغلك، بس أنت لازم تيجي الشقة عند والدتك دلوقتي حالاً وبدون تأخير.. موضوع خطوبتنا وقبل ما أخد أي خطوة لازم يتقفل أو يتحسم قدامك.”

أحمد اتخض وسألها بقلق شديد:

“هاجر! فيه إيه؟ أمي عملت حاجة؟ أنتِ عندها في البيت؟!”

هاجر بصت في عينيا بصة أملت الصالة كلها تحدي، وقالت له:

“تعال يا أحمد وأنت تفهم كل حاجة بنفسك.. أنا مستنياك، ومش هتحرك من مكان خطوتي دي إلا لما تيجي.”

قفلت الخط من غير ما تستنى يرد، وحطت التليفون في شنطتها ووقفت في نص الصالة، ساندة ضهرها بثقة، ومستنية.

أنا وبنتي اتوترنا، وبنتي قربت مني وتوشوشني بخوف: “ماما.. هو إيه اللي بتعمله ده؟ أحمد لو جه وشاف المنظر ده وفهم اللعبة هينقلب علينا!”

حاولت أتماسك، وزعقت فيها بصوت واطي: “اسكتي أنتِ! هو هيصدق الغريبة ويكذب أمه وأخته يعني؟! خليه ييجي ونشوف أخرتها إيه مع الست هانم!”

مرت نص ساعة كانت أتقل من الجبال على الشقة.. الصمت كان بيقطع في المكان، وهاجر واقفة زي الجبل ما بتهتزش، لحد ما أخيرًا سمعنا صوت خطوات سريعة ومندفعة على السلم، وبعدها المفتاح اتلف في الباب ودخل أحمد ونفسه مقطوع والحريرة باينة في عينيه.

أول ما أحمد فتح الباب، عينيه جابت الصالة كلها في ثانية؛ شاف الأطباق وبواقي التورتة المرمية، وشاف هاجر واقفة في النص وشها أصفر وعينيها محمرة من الدموع، وشافني أنا وأخته واقفين قصادها.

اتقدم خطوات سريعة ووشه أصفر من القلق، وقرب من هاجر وسألها بلهفة ونفسه مقطوع:

“فيه إيه يا هاجر؟ إيه اللي بيحصل هنا؟ وأنتِ إيه اللي جابك دلوقتي ومين اللي زاعلك كده؟”

هاجر بصت له بكسرة عين، بس صوتها طلع متماسك وواضح، وقالت له وهي بتشاور عليا وعلى أخته:

“والدتك كلمتني الصبح يا أحمد، قالت لي تعالي ضروري عشان عايزاكي في موضوع مهم.. جيت فاكرة إن فيه حاجة حلوة، أو إني داخلة بيت أهلي وناسي.. لقيت والدتك بتشاور لي على الصالة والمطبخ وتقول لي افرزي الصالة، امسحي الأرضيات، واغسلي مواعين الخطوبة.. ولما اتصدمت ووقفت مكاني، عايرتني بأمي وقالت لي: ‘هو أنتِ مكنتيش بتروحي مع أمك تسانديها في شغل البيوت؟!’”

أحمد بص لي بصدمة وذهول، حواجبة اتعقدت وعينيه وسعت وهو مش مصدق، والتفت لهاجر بسرعة وكأنه مستني تقوله إنها بتهزر، بس هاجر كملت ونبرتها بتزيد وجع وتحدي:

“وأختك دخلت كملت عليا وقالت لي: ‘لو ماشمرتيش إيديكي ونضفتِ، ماما هتخلي أخويا يفسخ الخطوبة ويرميكي، وما يرضيناش ننسب ناس مش عارفين مقامهم’.. ولما قولت لهم إن أمي ست شريفة وبتشتغل بالحلال عشان تصرف عليا وتخليني هانم وأني بدرس هندسة، والدتك ردت عليا بمنتهى البرود وقالت لي: ‘الواقع بيقول إن دي شغلانتك أنتِ وأمك، ومهما بقيتي مهندسة هتفضلي ابن ناس مش معروفين وهيفضل تنضيف البيوت مجالك اللي متربية عليه’!”

في اللحظة دي، الصمت خيم على المكان بشكل يرعب.. أحمد بص لأمه وأخته بنظرة عمري ما شفتها في عينيه قبل كده، نظرة فيها خيبة أمل وصدمة زلزلت كيانه.. وشه اتغير ودمه هرب منه، وبص لي وقال بصوت مبشوح ومكسور:

“الكلام ده حصل يا أمي؟! الكلام ده يخرج من بيتك ولخطيبتي اللي أنا اخترتها وشاريها؟!”

حاولت أتدخل بسرعة وألم الموضوع، وزعقت بنبرة حادة عشان أداري موقفي:

“أنت هتصدق كلام الغرب وتكذب أمك وأختك؟! ما أحنا بنقولها تساعدنا ونشوف أصلها وإذا كانت وش نعمة ولا…”

بس أحمد ما سبنيش أكمل، صرخ فيا بصوت هز الشقة كلها، صوت طالع من أعمق نقطة وجع جواه:

“بس بقى يا أمي!! بسسس! أصل إيه ووش نعمة إيه؟! أنتِ وعيتي على الكلام اللي بتقوليه؟! أنتِ بتتنمري على بنت يتيمة وعلى ست شريفة بتشتغل بعرق جبينها عشان تربي بنتها وتطلعها مهندسة؟! أنتِ بدل ما تحترمي شقاها وتكبري بيها، بتعايريها وبتستغليها وتخلي أختي الصغيرة تقف تتنطط عليها بالشكل ده?!”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى