Uncategorizedعام

اشتريت نفسي بقلم نورهان العشري1

كلام حماتي كان زي السكاكين اللي اتغرزت في قلبي طلعت شقتي وانا حرفيا مدبوحة و بنزف، مش قادرة اتخيل هما ازاي شايفني قليلة كدا! و ياترى جواد شايفني كدا؟! الأجابة اللي جت في بالي قتلتني، ولقتني اول ما دخل من البيت واقفة قدامه وانا عنيا بتبكي دم مش دموع لدرجة اني اول مرة أشوفه ملهوف كدا وهو بيقرب مني وبيقولي ـ في ايه؟ حد من الولاد جراله حاجة؟ حكايات نورهان العشري
جاوبته بنبرة مقهورة: ـ الولاد كويسين. أنا اللي مش كويسة.. حسيته هدي شوية، و سألني بنبرة فيها جمود: ـ مالك؟ لقيتني بصرخ وانا بقوله: ـ ممتك نزلت اتكلم معاها و اشتكيلها انك زعلان مني قالتلي احمدي ربنا أن ابني بصلك، احمدي ربنا أن ابني متجوزش عليكي لحد دلوقتي؟ قالتلي انتي مين عشان تقولي لا؟ هو انتوا شايفني قليلة كدا؟ حسيته اتهز لكن كالعادة رده كان بارد لما قالي: ـ وطي صوتك وانتي بتكلميني، و ماما ست كبيرة كبري دماغك منها. وانا هبقى اتكلم معاها.
رده صدمني، ولقيتني بقوله: ـ أنت ازاي بارد كدا. ازاي اتهان وانت ولا اتهزيت؟ دا انت حتى محاولتش تطيب خاطري.. لقيته رد عليا بنفاذ صبر: ـ بقولك ايه اطلعي من دماغي، وروحي شوفي بتعملي أيه بعيد عني… رده قتلني لقيتني بصرخ وبقوله بنبرة مقهورة: ـ عندك حق تعمل اكتر من كدا. ماهو أنا اللي قللت من نفسي و عملت قيمة لناس ملهاش لازمة ..
صدمني الغضب اللي بان في عنيه و وشه، لكن مكنش فارقلي كنت عايزة انقذ اي حاجة من كرامتي المهدورة، لكن اللي حصل مكنتش متوقعاه فجأة لقيت الدنيا بتلف بيا لما نزل على وشي بالقلم، و قالي بنبرة كلها غضب: ـ لسانك لو طول تاني هقطعهولك، و أمي كان عندها حق في كل كلمة قالتها.حكايات نورهان العشري
بصتله بصة كلها صدمة و وجع و حسيت أن الدنيا بتلف بيا، بدل ما احط ايدي على وشي اللي ض.ربني عليه حطيت ايدي على قلبي، و بصتله بقهرة وانا جوايا نار منه و سبته و مشيت دخلت أوضة ولادي وفضلت فيها تلت أيام بحاول افهم اللي أنا فيه و استرجع ذكريات ٨ سنين جواز، لحد ما لقيتني قرفانه من نفسي أوي، و قررت اني همشي من البيت دا، و كأني لسه فاكرة اعرف قيمة نفسي.
لميت هدومي، و هدوم ولادي، و فتحت باب الشقة عشان امشي لقيته في وشي، ولأول مرة اتجاهله و الحقيقة الموضوع صدمه لدرجة أنه قالي باستنكار: ـ أنتِ رايحة على فين؟ اول مرة مضحكش وانا بكلمه ولا نبرتي تبقى بالجمود دا وانا برد عليه: حكايات نورهان العشري ـ رايحة على بيت أهلي… حسيته اتهز لثواني ولكنه كان قاسي اوي لدرجة اني قالي بجفاء: ـ لو خرجتي من البيت دا مش هترجعيه تاني…
وقتها الكلمة وجعتني، بس قررت ارد الوجع باني ابصله باستهزاء و أنا راسمة ابتسامة سخرية على وشي قبل ما اديله ضهري وامشي، بس وأنا ماشية كنت بحلف ستين يمين اني هخليه يبكي عليا بدل الدموع دم، و يجري ورايا بالمشوار زي ما جريت وراه زمان، فكرت و قررت وعرفت هعمل ايه كويس اوي، هي حرب بس أنا قررت أخصوضها لمجرد اني ارجع كرامتي اللي اتهانت و اداست في البيت دا، و بدأت فعلا…..
نزلت من العمارة وأنا حاسة إن الهوا تقيل على صدري، الخطوات اللي كنت بمشيها كانت غريبة عليا، كنت بمشي ببطء، شايلة شنط هدومي وهدوم ولادي، وجوايا شرخ مش قادرة ألمّه. وصلت بيت أهلي، أول ما أمي فتحت الباب وشافت منظري وشنط الهدوم في إيدي، وشها اتقلب وشهقت: “ولاء! في إيه يا بنتي؟ مالك؟ أنا منطقتش، سبت الشنط من إيدي ووقعت في ح.ضنها.. انهرت، انه.رت بالمعنى الحرفي للكلمة. كنت بعيط بحرقة لدرجة إن صوتي مكنش بيطلع، شهقات مكتومة ونار قايدة في صدري. أمي بدأت تترعش من الخوف وبقت تطبطب عليا وتهديني:
“استهدي بالله يا بنتي، في إيه؟ جواد جراله حاجة؟ اتكلمي يا ولاء نشفتي دمي!”حكايات نورهان العشري دخلت الصالون وقعدت على الكنبة، ولادي مكنوش مستوعبين دخلوا أوضتهم جوه، وأنا فضلت باصة للفراغ والدموع نازلة زي الشلال. بدأت أحكي.. حكيت لأمي كل حاجة، من أول حب طفولتي المذل، لـ 8 سنين من الجفاء والتجاهل، لخدمة أهله واستعبادهم ليا، لحد ما وصلت للي حصل مع حماتي.. كلامها اللي زي السكاكين: “أنتِ هنا زيك زي الكرسي اللي قاعدة عليه”*.. ووصولاً للقلم اللي نزل على وشي من جواد، وكلمته الأخيرة:
“لو خرجتِ مش هترجعي ثانية”*. أمي كانت قاعدة بتسمعني وإيدها على بوقها، عينيها كانت بتوسع مع كل كلمة بقولها، الصدمة شلتها. لأول مرة أمي تعرف إن بنتها اللي كانت دايماً بتبتسم وتقول “إحنا كويسين وسمن على عسل” كانت عايشة في المفرمة دي. أمي اتكلمت بصوت مرعوب ومصدوم: “كل دا يحصلك يا ولاء وأنتِ ساكتة؟ 8 سنين بتنداسي بالمنظر دا ومبتنطقيش؟ دا إحنا ياما قُلنا جواد حنين و طيب و مهنيكي. ياما قُلنا ابن عمها وصاينها! يض.ربك بالقلم يا بنت قلبي؟ وتتهاني من أمه بالشكل دا عشان قُلتي مش قادرة؟ ازاي قبلتي بددا؟ دا أنتِ جالك قبله عرسان بعدد شعر راسك..
فضلت أعيط وأنا بقولها بنبرة مقهورة ومذلولة: “كنت بحبه يا ماما.. كنت بمو.ت في التراب اللي بيمشي. كنت فاكرة إن عطائي هيخليه يشوفني، و يحبني. كنت فاكرة إن طيبتي هتخليه يحن عليا.. أنا صغرت نفسي أوي، أنا قرفت من نفسي يا ماما.. شوفتي حماتي قالتلي إيه؟ قالتلي رضي بيكِ بعد ما كنتِ هتعنسي! بس أنا اللي عملت في نفسي كدا.. أنا اللي خليتهم يشوفوني كرسي!” أمي خدتني في ح.ضنها وهي بتبكي معايا بحر.قة، بتبكي على ك.سرة بنتها اللي ضيعت عمرها ورا سراب، و فجأة وسط العياط والشجن والوجع اللي مالي قلبي الباب خبط خبطات سريعة وقوية.
أمي مسحت دموعها بسرعة وقامت تفتح، وبمجرد ما فتحت الباب لقينا عمي “علي” ـ عمنا التالت اللي ملوش في المشاكل ودايماً هادي ومحايد ـ داخل ووشه متجهم وعينيه مش قادرة تيجي في عيني. أمي رجعت لورا خطوة وقالت بقلق: “خير يا حاج علي؟ في إيه؟” عمي علي دخل، بصلي بنظرة كلها أسف وعجز، قعد على الكرسي القريب من الباب، ونزل راسه في الأرض وهو بيفرك إيده ببعض بقلة حيلة. الصمت اللي في المكان كان مرعب، لدرجة إني سمعت دقات قلبي وهي بتتسارع.
عمي علي اتنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت مخنوق: “أنا مش عارف أقولكم إيه.. ولا عارف أجيبها لكم إزاي.. بس جواد كلمني من شوية.” أمي قربت منه بحدة وقالت: “قالك إيه حضرة الظابط؟ جاي يتأسف؟ جاي يرجع مراته اللي ض.ربها وهانها هو وأمه؟” عمي علي رفع راسه وبصلي، والنظرة دي خلفت في قلبي برود مرعب، قال بوضوح وصدمة هزت أركان الأوضة: “جواد مش جاي يتأسف يا أم ولاء.. جواد باعتني أقول
كم تيجوا تلموا حاجات ولاء كلها من الشقة، لأنه خلاص.. مش عايز يكمل، وعايز يطلق.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى