
ركبنا التاكسي وأنا حاطة راسي على كتف سامح، حاسة بأمان افتقدته من يوم ما حط رجله في المطار وسافر. الشقة المفروشة كانت هادية، مفيش فيها نظرات غل ولا همسات على السلم، بس قلبي كان لسه مش مطمن؛ لأن اللي ذقت مكرهم ثلاث سنين، عارفة كويس إنهم مش بيسلموا بالساهل، لما بتيجي من القريب بتبقى توجع أكتر.
مرت أول ثلاثة أيام في هدوء حذر. سامح كان بيجري في المصالح الحكومية والمجمع عشان يخلص أوراق الفيزا وتصاريح السفر الخاصة بيا، وأنا كنت بجهز نفسي لرحلة العمر اللي هتجمعني بيه بعيد عن كل الناس. بس السكون ده كان مجرد الهدوء اللي العاصفة.
في اليوم الرابع، وبينما سامح برة البيت بيخلص ورق البصمات، التليفون الأرضي بتاع المفروشة رن! سامح كان سايب لي الرقم عشان لو حصلت حاجة. رفعت السماعة بالراحة، وجاني صوت مش غريب عليا خالص.. كان صوت “أم عبير”، بس المرة دي مش صوت الطمع المتكبر، كان صوت مليان ونفس أفيح بالشر.
قالت لي بصوت وزي :
قلبي، بس مسكت نفسي وقلت لها بثبات:
* “أنتي عاوزة مني إيه يا أم عبير؟ سامح اختار بيته ومراته، وما أظنش إن ليكي أي حق* “حق إيه يا قطة؟ سامح ده ابن اختي، والخير اللي هو فيه للبيت ده ومش لغريبة زيك. أوراقك اللي بيجري فيها دي هتتقفل، وسامح هيرجع فرنسا لوحده، أو مش هيرجع خالص! وابقي وريني بقى هتعملي إيه لما تلاقي البلاغ اللي معمول فيه!”
قفلت السكة في وشي قبل ما أفهم حاجة. جسمي اتلج. بلاغ؟ بلاغ إيه اللي ممكن يعملوه في سامح؟
ساعة واحدة وكانت أطول ساعة في حياتي، لحد ما سامح رجع في كرامته لأقصى درجة.
جريت عليه بلهفة:
* “سامح! في إيه؟ أم عبير كلمتني وقالت لي كلام يخوف!”
سامح قعد على الكرسي وهو بيتنفس بصعوبة، وهز راسه بأسى وقال:
* “خالتي وعمتي.. عملوا اللي ما يتخيلوش عقل يا سمر. أختك شيماء وأمها ومعاهم أم عبير، راحوا مركز الشرطة وقدموا محضر كير ضدنا! اتهموني إني غيابي عشان يسبكوا صرخت وأنا حاطة إيدي على بوقي
* “ذهبت؟ وشرفي؟ للدرجة دي؟ دول عاوزين خالص!”
سامح وقّف بثبات وبص لي بعيون فيها :
* “أنا كنت عامل حساب النذالة، بس مش للدرجة دي. هما فاكرين إن البلاغ ده هيخليني عشان يتنازلوا عن المحضر، بس هما نسوا إن القانون مش هبل، وإن اللي يقع في شر أعماله.”
في نفس الليلة، نزلنا المركز ومعانا المحامي اللي سامح اتصل بيه. التحقيق كان صعب، والأسئلة كانت تجرح النفس، وحماتي وشيماء وأم عبير كانوا قاعدين برة وبصات الشماتة مالية وشوشهم، فاكرين إن سامح هيجي يبوس إيديهم ويتنازل عن سفرنا مقابل إنهم يسحبوا البلاغ.



