روايات وقصص

قبل عملية المخ بساعتين1

قبل عملية المخ بساعتين، جوزي اعترفلي إنه مخبي عني بنت من صاحبتي بقالها 9 سنين… وطلب مني أمضي على الطلاق قبل ما أدخل العمليات… — إمضيلي على ورق الطلاق قبل ما تدخلي العمليات… لو العملية ماعدتش على خير، مش عايز أفضل مربوط بيكي وبإجراءات المستشفى. بصيت لجوزي كأني أول مرة في حياتي أشوفه، عقلي ماكنش قادر يستوعب الكلمة ولا حجم القسوة اللي اتقالت بيها.

 

أنا مريم عبد الرحمن، عندي اتنين وأربعين سنة، ومتجوزة حسام بقالنا خمستاشر سنة… خمستاشر سنة كاملة عشنا فيهم الحلو والوحش، الفلوس القليلة، الأقساط، خناقات البيت، المرض، ومشاكل الأهل. ماكنش جواز مثالي أبدًا، بس كنت فاكرة إن فيه حاجة واحدة على الأقل مضمونة وثابتة بينا… العِشرة.

لكن وأنا نايمة على سرير مستشفى في القاهرة، مستنية دخولي بعد ساعتين لعملية دقيقة في المخ، جوزي قرر يرمي كل السنين دي في وشي بدم بارد.

بصيت للورق اللي حطه قدامي على السرير وسألته:

— طلاق؟!

رد بمنتهى الهدوء:

— أيوه.

حاولت أضحك بذهول، بس صوتي طلع مهزوز ومخنوق:

— إنت أكيد بتهزر!

— أنا عمري ما كنت جاد زي دلوقتي.

كان لابس قميص مكوي وبنطلون غامق، حالق دقنه، وحاطط البرفان اللي بيحبه. بصيتله باستغراب:

— إنت خارج؟

— عندي مشوار.

— مشوار؟! أنا داخلة العمليات بعد ساعتين يا حسام!

رد ببرود من غير ما عينه تيجي في عيني:

— عارف.

حسيت بحاجة بتعصر قلبي عصر، من أول دقيقة دخل فيها الأوضة وأنا حاسة إن فيه نظرة غريبة في عينيه، بس اللي قاله بعدها خلاني أنسى مرضي وأنسى العملية كلها:

— أنا وسمر قررنا نتجوز.

الاسم نزل على ودني زي الصاعقة:

— سمر؟!

هز راسه بتأكيد:

— أيوه… سمر.

ماقدرتش أنطق حرف. سمر دي صاحبة عمري من أيام ثانوي، دخلت بيتي مئات المرات، عارفة أدق تفاصيل حياتي، عارفة مرضي، وعارفة خوفي ورعبي من العملية دي بالذات… وعارفة قد إيه كنت محتاجة حسام في ضهري.

رفعت عيني ليه بصعوبة وسألته:

— إنت وسمر… من إمتى؟

سكت ثواني، وبعدين رمى القنبلة التانية:

— الموضوع مش جديد.

— يعني إيه مش جديد؟

— بقالنا سنين.

— سنين قد إيه يا حسام؟!

اتنهد وقال بمنتهى البساطة:

— تسع سنين.

الهوا اتسحب من صدري فجأة. تسع سنين؟! بصيت للسقف وأنا بجمع شتات نفسي… تسع سنين عايش معايا في نفس البيت وبنام جنبه على نفس السرير؟ تسع سنين بفتح بابي لسمر وبقول عليها أختي وأقرب واحدة ليا؟ تسع سنين وكل تأخير له في الشغل كنت بصدقه، والمكالمات اللي كان بيقفلها لما أدخل فجأة مبلوعة، وكل مرة كان يرمي عليا جملة: “مريم، ماتكبريش الموضوع وتبطلي شك” عشان بس يسكتني؟!

لكن حسام ماكتفاش بكده، كمل وهو بيبصلي بجمود:

— سمر عندها بنت.

بصيتله وتنحت:

— مالها؟

— بنتي.

الدنيا سكتت تمامًا، حتى صوت الأجهزة اللي جنبي حسيت إنه انعدم:

— بنتك؟!

— أيوه.

— عندها كام سنة؟

— تسع سنين.

غمضت عيني والوجع بيقطع فيا… تسع سنين، يعني الطفلة اتولدت بعد جوازنا بسنتين اتنين بس! في الوقت اللي كنت لسه بحط فيه طوبة فوق طوبة عشان نبني بيتنا، هو كان بيبني بيت تاني كامل في السر.

فتحت عيني وبصيتله بمرارة:

— وأنا كنت فين كل السنين دي؟

رد ببرود مستفز:

— إنتِ مالكيش ذنب.

ضحكت ضحكة مكسورة مليانة قهر:

— ماليش ذنب؟!

— أنا غلطت.

— لأ يا حسام… إنت ما غلطتش غلطة وعدت، إنت عشت حياة كاملة وكذبة تسع سنين من ورايا!

فضل ساكت، وبعدين قال كأنه بيعمل فيا معروف:

— أنا عايز أصلح اللي فات.

— تخلصه بإيه؟

— أتجوز سمر على سنة الله ورسوله وأربي بنتي.

كلمة “بنتي” قطعت في حشاي من جوه، مش عشانه، لكن عشان حسيت فجأة إن فيه طفلة مالهاش ذنب في كل الخسة دي.

قطع تفكيري وهو بيشاور على الورق:

— هتمضي ولا لأ؟

— مستعجل على إيه؟

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى