قمت من كرسيي بكل هدوء، قربت منها، وبصيت في عينها بثبات وقسوة ماعرفتهاش في نفسي قبل كده:
— إنتِ ما اتخدعتيش يا سمر… إنتِ اخترتي تكوني شريكة في القذارة دي تسع سنين. أكلتي من بيتي، ولبستي من فلوسي، وكنتي بتيجي تواسيني في مرضي وأنتِ عارفة إني بتعذب بالباطل. حسام هياخد جزاءه في السجن… وأنتِ هتدفعي تمن كل دقيقة خدعتيني فيها.
سيبتها وخرجت من المكتب، وصوت صراخها وتوسلاتها مالي الممر.
في نفس اليوم، المحامي قدم الفلاشات والمذكرات للنيابة العامة. القضايا القديمة اتفتحت من جديد، واتوجهت لحسام تهم جديدة: الابتزاز، التزوير في أوراق رسمية، والتآمر للسيطرة على أموال مريضة.
بعد شهرين كاملين من التحقيقات والجلسات، جاء اليوم اللي كانت القاعة فيه مليانة على آخرها… حسام كان واقف في القفص، جسمه خاسس للربع، عينيه زايغة ومرعوبة، والمحامي بتاعه ما بقاش عارف يدافع بإيه قدام تسجيلات صوته الصريحة.
القاضي مسك الأوراق، وبص لحسام بنظرة ازدراء، وقبل ما ينطق بالحكم النهائي في القضية الجديدة المفاجئة، رفعت راسي وبصيت لحسام، وشفت في عينيه لأول مرة الخوف الحقيقي… الخوف من السر الأخير اللي سمر كانت مخبياه، واللي القاضي كان لسه هيقراه علناً قدام كل الناس!
طق القاضي بالمطرقة، ووقف الجميع في القاعة ليعم الهدوء التام. فتح القاضي الملف الأخير وقرأ النطق بالحكم بصوت جهوري هز أركان القاعة:
“بعد الاطلاع على التسجيلات والأوراق الرسمية، وأقوال الشاهدة سمر، تبين للعدالة أن المتهم لم يكتفِ بالتزوير والابتزاز، بل كان يتلاعب عمدًا بالحالة الصحية للمجني عليها مريم عبد الرحمن. فقد أثبتت التحقيقات والأوراق المرفقة أن المتهم كان يتكتم على نتائج تحاليل طبية سابقة تخص زوجته، ويعطل استكمال علاجها لسنوات ليتفاقم وضعها الصحي وتصل لسرير العمليات، تسهيلاً للاستياء على ممتلكاتها.”
ارتفعت الصرخات في القاعة، وبصيت لحسام اللي انصدم وركبه خارت على أرض القفص. الشيطان اللي كنت فاكراه جوزي وسندي، كان يتمنى موتي البطيء بدم بارد عشان يورث كل حاجة.
أكمل القاضي بصوت صارم:
“حكمت المحكمة حضوريًا وبإجماع الآراء:
أولاً: معاقبة المتهم حسام بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عامًا مع الشغل والنفاذ، عن تهم التزوير في محررات رسمية، الشروع في الابتزاز، والتآمر والإضرار العمدي بحياة زوجته.
ثانيًا: حبس المتهمة سمر سنتين مع الشغل لمشاركتها في التزوير والتكتم على الجريمة.
ثالثًا: إلزام المتهمين متضامنين برد كافة الأموال والعقارات المستولى عليها لصالح المجني عليها.”
صوت المطرقة الأخيرة نزل على قلب حسام زي الصاعقة. انهار على الأرض وبيصرخ ويدور بعينيه عليا، يناديني بصوت خايف ومكسور:
— مريم! سامحيني يا مريم… أنا اتجننت! ما تسبنيش هنا!
بصيتله بأعلى درجات الثبات والشموخ. ما نزلتش مني دمعة واحدة. العيون اللي كانت بتتوسل قبل العمليات ساعتين، كانت دلوقتي بتبصله بنظرة شفقة على نهاية خائن.
مشيت خارجة من قاعة المحكمة بخطوات واثقة، والشمس ضربت في وشي وأنا بفتح باب المبنى.
بعد سنة كاملة من اليوم ده…
رجعت أوراق ملكيتي لي ولأختي بالكامل، واسترديت كل جنيه اتسرق مني. فتحت شركتي الخاصة اللي كنت بحلم بيها من زمان، وصحتي بقت بأفضل حال بعد ما التعافي كمل كليًا، وخرج الورم من مخي… ومن حياتي.
وقفت قدام الشباك في مكتبي الجديد ببتسم للدنيا. عرفت إن ربنا ما بيجيبش حاجة وحشة، وإن العملية الدقيقة اللي كنت مرعوبة منها، ما كانتش مجرد جراحة في المخ… دي كانت عملية إنقاذ لروحي وحياتي كلها، عشان أقطع الأورام الخبيثة وأبدأ من جديد، بكرامة وقوة ما فيش راجل في الدنيا يقدر يكسرها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



