
أنا اسمي عصام، شاب في السابعة عشرة من عمري، أدرس في مرحلة الثانوية العامة. أعيش في منزل أسرتي، لكن والدي ووالدتي يعومان ويعملان في دولة الإمارات منذ سنوات طويلة، ولذلك عشت وتطبعت بأجواء الاعتماد على النفس التي غرستها فيّ جدتي الكريمة، التي تبلغ من العمر اثنتين وستين سنة، وهي التي تولت تربيتي ورعايتي في كل تفاصيل حياتي اليومية من أكل وشرب ودراسة. كنت أعتبر نفسي شخصاً هادئاً ومنضبطاً، حياتي منظمة بين المدرسة والبيت، ومبنية على الأخلاق وحب الدراسة، لكن ضغوط الثانوية العامة وثقل المسؤولية بدأت تنال مني بمرور الوقت.
في شهر فبراير الماضي، مررت بفترة قاسية من التعب النفسي والملل الشديد، وشعرت بحالة تشبه الاكتئاب، فلم تعد لدي أي رغبة في فتح كتاب أو مراجعة درس. في تلك الأيام الصعبة، لاحظ صديقي وزميلي في الدفعة، حسن، حالتي النفسية، فاقترح عليّ بأسود الود أن أذهب معه إلى منزله لنذاكر سوياً ونتشارك في تحصيل الدروس لمواجهة ضغط الامتحانات. ترددت في البداية وقلت له إني لا أود إزعاج أسرته أو التواجد في مكان قد يشعرني بعدم الراحة، لكنه أكد لي مراراً أننا سنقوص في غرفة بمفردنا ولن يشعر بنا أحد، فوافقت أخيراً على طلبه رغبةً في كسر حاجز الملل واستعادة التركيز.
في طريقنا إلى بيته، بدأ حسن يفضفض لي ببعض ظروف عائلته الخاصة، فأخبرني أن والده غير مقيم معهم، وأنه قد طلق والدته منذ ثلاث سنوات وتزوج بأخرى، بينما رفضت والدته الزواج مجدداً لتتفرغ بالكامل لتربيتهم ورعايتهم رغم شبابها النسبي، إذ كانت في الحادي والأربعين من عمرها. كما أخبرني أن خالتهم تقيم معهم أيضاً، وهي سيدة في الس6 من عمرها، وقد سافر زوجها للعمل في الخليج، تماماً مثل والدي ووالدتي. شعرت بالقلق مجدداً وقلت له بصراحة إنني ربما لن أكون مرتاحاً في منزل به كل هذه الظروف، لكنه طمأنني مجدداً وطلب مني ألا أبالغ في القلق.
عندما وصلنا إلى المنزل، استقبلتنا خالته سناء على الباب، ووجهت كلامها لحسن مستفسرة عن هويتي، فأجابها بأنني ضيفه وزميله، فردت عليّ بلطف وترحيب قائلة: “أهلاً بك يا بني”. دخلنا إلى غرفة حسن، وما هي إلا دقائق معدودة حتى دخلت والدته نجوي لترحبي بي بدورها بابتسامة دافئة، وقالت لي كلاماً طيباً يشجعني على المذاكرة والاطمئنان. بدأنا بالفعل في فتح الكتب ومحاولة التركيز، وبعد فترة قصير حضرت سناء ووضعت لنا وجبة الغداء بحفاوة بالغة، وأخبرتنا أن نطلب منها أي شيء نحتاجه إن قصرنا في شيء، فشكرتها بأدب واحترام.
لم تمضِ سوى نصف ساعة تقريباً حتى تفاجأت بحسن يخبرني أن صديقته ياسمين تواجه مشكلة طارئة وأنه مضطر لمغادرة المنزل للقائها لحل تلك المشكلة. اندهشت وقلت له فوراً إنني سأجمع أمتعي وأعود إلى بيتي، فرفض بشدة وأصر على أن أبقى في غرفته وأبيت تلك الليلة لديه. حاولت إقناعه بصعوبة الموقف وبأنني لا أصح أن أظل وحدي في منزل غريب، لكنه استخف بالأمر وطلب مني ألا أكبر المواضيع، مؤكداً أنه لن يتأخر وسيغيب لنصف ساعة فقط تعود بعدها الأمور لمجراها. غادر حسن على عجلة من أمره، وبقيت وحدي حبيس الغرفة أشعر بالغرابة وعدم الارتياح.
بينما كنت جالساً بمفردي غارقاً في أفكاري، مررت بلحظة حنين جارفة لأهلي البعيدين، فأخرجت صورة والدي ووالدتي وأنا أطيل النظر إليها بعيون مدمعة يملؤها الشوق. في تلك اللحظة، فتحت الباب سناء ودخلت لتطمئن عليّ وتسألني إن كنت بحاجة لشيء، ولاحظت عيني الدامعتين والصورة بين يدي. اقتربت مني بحنان وجلست بجانبي تسألني إن كان أهلي يشتاقون إلي، فأجبتها بصوت خافت يعكس ألم الغربة. قالت لي إنها تفهمني تماماً وربما تكون أكثر من يشعر بما أعانيه لأنها تعيش نفس مأساة الفراق واشتياق الزوج المسافر لفترات طويلة.
تحدثنا قليلاً عن مشاعر الفراق والاشتیاق، وتحولت الكلمات تدريجياً إلى نقاش إنساني حول الصبر وقسوة البعد عن الأحبة، وكيف أن الإنسان يمر بظروف تختبر قدرته على التحمل. شعرت بصدق مشاعرها وتعاطفها النبيل الذي خفف عني قليلًا من وطأة الوحدة والملل في ذلك المكان الجديد. أدركت حينها أن البيوت تخفي خلف أكمامها قصصاً ومشاعر متشابهة من الشوق والحنين، وأن الإنسان مهما اشتدت عليه الظروف، يظل بحاجة إلى كلمة طيبة ومواساة صادقة تعيد له التوازن، ورغم غرابة الموقف في بدايته، إلا أن الجانب الإنساني فيه طغى وترك في نفسي أثراً هادئاً بعيداً عن أي تعقيد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




