
اللي كنت بقابلها بنفخ وزعيق. تاني يوم، ركبت عربيتي ورحت على بيت حمايا من ورا أهلي. كبريائي اللي كان ناطح السحاب اتقصقص منه كتير، بس كنت بحاول أبان متماسك. خبطت، وفتحلي حمايا… الراجل اللي كنت دايماً بقول عليه “على قده ومفيش من وراه غير وجع الدماغ”. بصلي بجمود ومقاليش حتى اتفضل، وقف على الباب وقال: “خير يا ماجد؟ جاي ليه؟”. بلعت ريقي وقولت: “أنا جاي أرجع مراتي لبيتها يا عمي، الخلافات دي بتحصل في كل البيوت، وميصحش نكبر المواضيع وندخل مـ،،حـ،ـا،،كـ،ـم وقـ،،ضـ،ـا،،يـــ،ـا، نهى ملهاش غير بيتي”.
قبل ما حمايا يرد، سمعت صوت كعب جزمة جاي من جوة، وظهرت نهى. وقفت ورا أبوها… بس ما كانتش نهى بتاعة الترينج الباهت والشعر الملموم والوش المجهد من وقفة المطبخ وخدمة العزومات. كانت لابسة طقم شيك جداً، رافعة راسها، وشها منور، وعينيها فيها ثقة خوفتني. بصتلي وقالت بابتسامة هادية تقطع القلب: “بيتك اللي كان مقيدني بلقمة عيش وخير بتمن بيه عليا يا ماجد؟ أنا زمان مكنتش أعرف قيمتي، كنت فاكرة إني ماليش ضهر، بس لما نزلت واشتغلت وشوفت الدنيا، عرفت إني كنت دافنة نفسي مع واحد مش شايفني بني آدمة أصلاً”.
قربت خطوة وقولت بترجي حاولت أداريه: “نهى… أنا طردت طارق من الشقة، ومحدش هييجي عندنا تاني، تعالي نتفاهم ونبدأ صفحة جديدة”.
ضحكت باستهزاء وقالت: “طردته بعد إيه؟ بعد ما البيت خرب؟ أنت معملتش كده عشان بتحبني أو عشان حسيت بغلطك، أنت عملت كده عشان مبقتش لاقي حد يخدمك وينضف وراك ببلاش، ولا لاقي فلوس تصرف عليه. أنا طلبي واحد يا ماجد… ورقتي توصلي بالمعروف، أو الـ،،قـ،ـا،،ضـ،ـا،،يـــ،ـا تاخد مجراها في الـ،،مـ،ـحـ،ـا،،كـــ،ـم، وحقي وحق كرامتي اللي اتهانت كل يوم في بيتك هاخدهم بالقانون مليم مليم”.
قفلت الباب في وشي… خبطة الباب دي حسيت كأنها ضربة قلم فوقني على حقيقتي المرة: أنا مكنتش الراجل السند، أنا كنت مجرد ديكتاتور في شقة فاضية، ضحيت بالإنسانة الوحيدة اللي كانت شيلاني بجد، عشان أرضي ناس أول ما المصلحة خلصت، باعوني. نزلت السلالم وأنا مش حاسس برجليا، السلالم اللي كنت بطلعها زمان وأنا نافخ ريشي وببص للناس من فوق، نازلها دلوقتي مكسور ومطاطي الراس. ركبت عربيتي وسندت جبيني على الدريكسيون، حاولت أتنفس، بس الهوا كان داخل صدري زي النار. روحت على المحامي بتاعي، رميت قدامه أوراق الـ،،قـ،ـا،،ضـ،ـا،،يـــ،ـا والإنذار.
الراجل فضل يقلب في الورق بتركيز، وهو بيحك دقنه، وكل ما وشه يكشر، قلبي كان بيقع في رجلي أكتر. رفع عينه وقالي بجفاء: “موقفك وحش جداً يا أستاذ ماجد. القايمة مكتوبة بحذافيرها، ومؤخر الصداق مبلغ مش قليل، غير إنها مقدمة إثباتات بشهود ومحاضر تضرر وإهانة وطرد. لو حكمت الـ،،مـ،ـحـ،ـكـ،ـمـ،ـة بالنفقة والمؤخر والقايمة، هتلاقي نفسك يا بتدفع مبالغ متقدرش عليها كاش، يا إما هتتحبس في تبديد منقولات زوجية. الحل الوحيد إنك تتصالح معاها أو تطلـ،،قـ،ـهـــ،ـا ودي وتاخد تنازل عن جزء من المبالغ دي”.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة: أتحبس؟ أنا ماجد، الراجل اللي كان بيمشي كلمته على الكل، أقف ورا القضبان عشان شوية عفش وفلوس؟
رجعت الشقة الكئيبة، كل ركن فيها كان بيفكرني بذلي. قعدت على السرير المكركب، ومسكت التليفون. اتصلت بإخواتي الكبار اللي كنت بفتحلهم بيتي كل جمعة وأصرف نص مرتبي على عزايمهم وعيالهم يكسروا ويلعبوا. رنيت على أخويا الكبير، رد ببرود: “معلش يا ماجد، طارق حكالي على اللي عملته معاه وطرده بالشكل ده، وميصحش نتدخل بينك وبين مراتك، حل مشاكلك بنفسك”.
قفل السكة. اتصلت بأختي اللي كنت بجيبلها هدايا في كل مناسبة وأدلع ولادها: “والله يا ماجد جوزي حلف عليا مدخلش في حوارات الـ،،مـ،ـحـ،ـا،،كـــ،ـم دي، ربنا يفك كربك”.
الكل اتبخر. العزوة اللي ضحيت بكرامة مراتي ولقمة بيتي عشانها، اتقلبوا في غمضة عين لغرباء بيتفرجوا عليا من بعيد وشمتانين. حتى أمي مكنتش بترد على تليفوناتي، معتبراني “عاق” عشان قولت لأخويا كفاية!
بعد كام شهر من الجرجرة في الـ،،مـ،ـحـ،ـا،،كـــ،ـم، وإحساس الإهانة وأنا واقف قدام القاضي، اضطريت أبيع عربيتي وأستلف فوقها من طوب الأرض عشان أسدد جزء من المؤخر والقايمة لنهى وأخلص من شبح الـ،،حـ،ـبـــ،ـس، والباقي اتكتب عليا كمبيالات هفضل أسدد فيها سنين قدام.
يوم توثيق الـ،،طـــ،ـلـ،،ا،،ق في الـ،،مـ،ـحـ،ـكـ،ـمـــ،ـة، كانت نهى واقفة بعيد، لابسة نظارة شمس وشياكة تامة، ومعاها محاميها وأبوها. مكنتش بتبصلي حتى، كأني هوا مش موجود في القاعة. لما المأذون خلص وطلب توقيعي، مسكت القلم وإيدي بتترعش. مضيت على نهايتي، نهايتي اللي صنعتها بغروري وجهلي. خرجت نهى من القاعة، مشيت وراها زي التايه، وندهت عليها بصوت مهزوم: “نهى… خلاص كده؟ كل اللي بينا هان؟”.
وقفت، لفت وشها وبصتلي، وقلعت النظارة ببطء. كان في عينيها راحة عمري ما شفتها وهي على ذمتي، وقالت بصوت واثق ومحدد: “اللي هان هو اللي أنت هنتُه بإيدك يا ماجد. أنت مكنتش شايفني شريكة حياة، كنت شايفني جارية تدوس عليها عشان ترضي نرجسيتك. أنا النهاردة مش بس اتطـ،،لـ،ـقـ،،ت، أنا اتولدت من جديد. الشغل اللي كنت شايفني مش قده اترقيت فيه، وحياتي اللي كنت حابسها بين أربع حيطان بدأت النهاردة”.
سابتني ومشيت، كعب جزمتها بيرن في الطرقة بثقة وقوة، وأنا فضلت واقف مكاني، مفلس، مديون، وحيد، في شقة باردة مفهاش غير صدى صوتي، بدفع تمن كل لقمة كنت بمتن بيها عليها، وكل إهانة سكتت عنها لطارق وأهلي… فهمت متأخر أوي، إن اللي بيفرط في اللي شايلاه وبتصونه، ميستاهلش غير إنه يترمي على الهامش، لوحده تماماً. تمت



