
بصيت لمدحت اللي وشه بقى لون الحيطة، ورجليه اتسحبت منه ووقع على الأرض: “شروع في قتل، احتجاز بدون وجه حق، اعتداء جسدي، وتضليل العدالة.. ده غير تقرير مستشفى الشرطة اللي بيتكتب دلوقتي وعمليات التفريغ لكاميرات الموقف اللي ثبتت إنك أنت اللي رميتها بنفسك من عربيتك.”
تليفوني رن، كان مدير أمن القاهرة بيطمن بنفسه ويأكد إن كل البلاغات اتحولت للنيابة العامة بصفة عاجلة. ربطت حزام بالطويا وقمت وقفت بثبات. بصيت لمدحت وأمه وهم بيتسحبوا للشارع وسط ذهول الجيران اللي بداوا يخرجوا على الصوت. قربت من مدحت وهمست في أذنه ونبرتي أبرد من الثلج: “كنت فاكر إني مجرد ست عجوزة مالهاش حيلة.. نسيت إن النسر لما بيفرد جناحه، بيكسر معاه أي حد افتكر إن مالناش ضهر.”
نزلت السلم بخطوات متزنة، الشارع كان بدأ ينور بشمس الصبح.. ركبت الشاهين وطلعت على مستشفى الشرطة، وأنا عارفة إن حق مريم راجع بالكامل، والقانون مش هيرحم حد.
وصلت مستشفى الشرطة.. ريحة المطهرات والهواء البارد في الطرقة كانت بيرجعوا لي ذكريات سنين الخدمة. الدكتور الكبير استقبلني عند باب العناية بملف التقرير الطبي: “سيادة اللواء، الحالة استقرت بالكامل. التقرير أثبت وجود كسر في ضلعين، كدمات صريحة، وآثار خنق وتجمعات دموية، غير انخفاض حرارة الجسم للدرجة الحرج. كل حاجة اتوثقت في حرز رسمي وهو دلوقتي في طريقه لنيابة حوادث شرق.”
دخلت الأوضة بشويش. مريم كانت صاحية، عينيها الدبلانة بتتحرك ببطء لحد ما جات في عينيا. دموعها نزلت على خدها المكسور: “أمي.. مدحت مش هيسيبني.. أمه هتجيب محاميين كبار وهيلبسوني أنا التهمة زي ما هددوني.. مش هنعرف نقف قدامهم.”
قربت منها، باست جبهتها ومسحت دموعها بأطراف صوابعي: “محدش يقدر يلمس شعرة منك تاني يا مريم. مدحت وأمه دلوقتي بياكلوا بعض في التخشيبة، والنيابة صدر قرارها بحبسهم أربع أيام على ذمة التحقيق بتهمة الشروع في القتل والتعدي.. حقك جه وزيادة.”
وفجأة، الباب اتفتح وخبط خفيفة اتسمعت، دخل راجل لابس بدلة شيك وماسك شنطة جلد.. المحامي الشهير بتاع عيلة مدحت. حاول يدخل بنبرة واثقة وابتسامة صفرا وهو بيبص لي: “سيادة اللواء إلهام.. أنا الأستاذ فريد محامي مدحت بيه. أظن إحنا عقلاء وممكن نوصل لحل ودي يضمن حقوق الطرفين بدل الشوشرة والمحاكم، ومدحت مستعد يكتب الشقة باسم الدكتورة ويعوضها بمبلغ كب…”
قمت وقفت، وبصيت له بنظرة قطعت كلامه في نص حنكه: “أنت جاي جوة حرم مستشفى الشرطة تعرض تسوية في قضية شروع في قتل وتضليل عدالة؟ لو ما اختفيتش من قدامي خلال خمس ثواني، هرفع تليفوني لوكيل النيابة اللي بره وأضمك للقضية بتهمة محاولة التأثير على المجني عليها والتغطية على جريمة.”
المحامي ريقه ناشف، وشه اتخطف وهو بيبص لظابط الحراسة اللي وقف وراه على الباب. أخد بعضه وانسحب بسرعة من غير ما ينطق كلمة. مريم بصت لي بذهول وفخر، وشبكت صوابعها في إيدي: “أنا طول عمري فاكراكي مجرد ست هادية وطيبة وعايشة في حالها..” ابتسمت لها وأنا بطبطب عليها بخفة: “الأم الطيبة هادية يا مريم.. بس لما حد يجي على ضناها، بتتحول للوا غضب ما بيرحمش.”
عدت تلات أيام، والخبر بقى مالك الصحف وصفحات الحوادث.. وفي سرايا النيابة العامة، كنت قاعدة جنب وكيل النيابة الشاب اللي كان بيبص لي باحترام وتقدير كبيرين. الملف قدامه مليان بأدلة ما تخرش المية، من تفريغ كاميرات الموقف، لتقرير الطب الشرعي، لرفع بصمات الشقة وآثار الدم اللي حاولت سهير تمسحها.
الباب اتفتح، ودخل العسكري مجرّجر مدحت وأمه بالكلبشات. مدحت كان هدومه متبهدلة، وشه أصفر زي الليمونة، وذليل لأقصى درجة. سهير اللي كانت بتتباهى بسجادها العجمي، كانت بتعيط بانهيار وهي ماسكة في الكلبش، شعرها منكوش وعينيها منتفخة من الرعب.
مدحت أول ما شافني، اترص على ركبه قدام الكرسي بتاعي، وصوته كان بيموت من الخوف: “يا سيادة اللواء.. أرجوكي! وحياة مريم عندك سامحيني! أمي هي اللي ضغطت عليا وهي اللي قالتلي نطردها عشان العزومة! أنا اتعميت يا فندم.. أرجوكي تنازلي ومش هتشوفي وشنا تاني، مستعد أدفع أي مبلغ!”
سهير قربت بتترعش، ونبرة الفرعنة اختفت تماماً وحل مكانها التوسل الذليل: “يا إلهام هانم.. أبوس إيديكي، أنا ست كبيرة ومريضة ضغط، ما ستحملش ليلة واحدة كمان في التخشيبة! اعتبريها طيش شباب ونزوة.. اعفي عنا يرحمك ربنا!”
سحبت إيدي بقمة البرود والترفع، وما رديتش عليهم ولا بكلمة. بصيت لوكيل النيابة اللي هز رأسه، وضرب ختماً ثقيلاً على الورق بصوت هز الأوضة. وكيل النيابة بص لهم بنظرة صلبة وقال: “بناءً على التقرير الطبي المفصل، وتفريغ كاميرات الموقف، وتقرير الجنائيات بوجود شواهد قطعية على محاولة طمس الجريمة.. يُجدد حبس المتهم الأول والمتهمة الثانية 15 يوماً على ذمة التحقيق، وإحالة القضية بشكل عاجل لمحكمة الجنايات بتهمة الشروع في القتل العمد مقترن بالاحتجاز والاعتداء الجسدي.”
الصرخة اللي طلعت من سهير هزت أركان المكتب وهي بتقع على الأرض، ومدحت بقى يبكي بحرقة وزي العيل الصغير والعساكر بتسحبهم لبره بالقوة.
وقفت، حطيت النظارة الشمسية، وهزيت رأسي لوكيل النيابة بشكر هادي. خرجت لممر المجمع، وضوء الشمس كان دافي وبيغمر المكان. ركبت الشاهين وطلعت على المستشفى عشان أروح بمريم لبيتها الأصلي.. المكان اللي اتولدت فيه وعاشت طول عمرها غالية، ومحمية بضهر عمره ما ينكسر.
وصلت مستشفى الشرطة، لقيت مريم مستنياني عند الباب الخارجي.. كانت لابسة جاكيت تقيل، وشها لسه فيه بقايا كدمات خفيفة، بس نظرة انكسار الفجرية كانت اختفت تماماً وحل مكانها هدوء وارتياح. أول ما شافت الشاهين بتقرب، ابتسمت بصفاء وجت ناحيتي بخطوات ثابته. فتحت لها الباب، قعدت جنبي وسندت رأسها على الكرسي.
سألتها وأنا بدوّر العربية: “جاهزة ترجعي بيتك الأصلي يا مريم؟” هزت رأسها بابتسامة حقيقية وصوت طالع من القلب: “جاهزة يا أمي.. من غير أي خوف تاني.”
مشينا في شوارع القاهرة اللي كانت غرقانة في ضوء شمس الظهرية. الشارع اللي كان من كم يوم مالي خيانة وظلم، بقى دلوقتي هادي ومطمن. الأسابيع مرت بسرعة، والعدالة خدت مجراها من غير أي تعطيل؛ محكمة الجنايات كانت حاسمة، وأصدرت حكمها بالسجن المشدد لمدحت وأمه سهير، مع إلزامهم بالتعويض المادي والتمكين الكامل لمريم من شقتها وكل حقوقها الشرعية والقانونية.. حتى الشقة اللي كانوا هيعزموا فيها الغريبة، بقت ملك لمريم بالقانون وبتنفيذ جبري من الشرطة.
أول ما فتحت باب بيتنا القديم، ريحة بخور العود والقهوة بالحبهان ردت فينا الروح. مريم دخلت أوضتها القديمة، وشفتها لأول مرة من سنين بتتنفس بحرية، بتفتح الشباك على آخره عشان تدخّل الشمس والهواء النظيف اللي حرموها منه.
مشيت بالراحة لممر الشقة، وفتحت الدولاب.. سحبت العلبة الحديد الثقيلة من مكانها. فتحت الغطاء وبصيت لعلامة النسر الفضي وشارة اللواء اللي لمعت تحت النور. مسحت عليها بظاهر إيدي بامتنان، وقضيت ثواني صمت بفتكر فيها كل سنة قضيتها في خدمة الحق. قفلت العلبة بالمفتاح ورجعتها مكانها، وكأني بقول لها مهمتك تمت بنجاح.
دخلت عليا مريم الأوضة وهي شايلة صينية عليها كوبايتين شاي بالنعناع، وقعدت جنبي على طرف السرير. حطت الصينية وشبكت صوابعها في إيدي: “عارفة يا أمي.. أنا زمان كنت بفتكر إن القوة في الصوت العالي والافتراء.. بس النهاردة عرفت إن القوة الحقيقية هي الهدوء والكرامة.. وأن لي ضهر يسند أمة بحالها.”
طبطبت على إيدها بوالدية وابتسمت ابتسامة دافية: “طول ما أنا بتنفس يا مريم.. عينك ما تنزلش الأرض أبداً، ولا تنسي أنتِ بنت مين.. الحق ما بيموتش، والظالم مهما افتكر نفسه قوي، بيبقى أضعف من القشة قدام ربنا والقانون.”
سندت مريم رأسها على كتفي وهي بتشرب الشاي، وصوت ضحكتها الرقيقة رجع يملى أركان البيت من تاني.. العاصفة عدت، والشمس طلعت، وحق بنتي رجع يزين صدرها وزي النسر اللي ما بيوطيش راسه أبداً.
تمت
انجي الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



