عام

انل عروسه حكايات روماني مكرم الاخير

لم يترك باباً إلا وطرقه، فقام بالفعل بجمع الجيران في مدخل عمارة بيت العيلة، وأعلن بصوت واضح براءتي التامة واعتذر عن سوء ظنه وتهوره، مبيناً مؤامرة سمر القذرة التي أودت بزواج أخيه طارق إلى الطلاق النهائي بعد فضيحة التسجيلات. كما بدأ حازم يتردد على مكاتب الشهر العقاري، متحملاً نفقات باهظة وتنازلات قاسية، حتى نقل ملكية الشقة الجديدة بالكامل باسمي، وأرسل الأوراق الرسمية مع عمه إلى والدي، مرفقة بتقرير واعتذار مكتوب بخط يده يفيض بالندم والتوسل. لكن الصدمة الحقيقية التي لم يتوقعها أحد، ولم تكن في حسبان حازم أو أهله، جاءت في نهاية ذلك الشهر بالذات.

شعرتُ بإعياء مفاجئ ودوخة لم أعهدها، وبعد إجراء التحاليل والفحوصات الطبية، دوّت المفاجأة في أرجاء بيت أبي كالقنبلة؛ أنا حامل في شهري الثاني. وقف والدي ينظر إلى التقرير الطبي وعيناه تفيضان بمشاعر متضاربة بين الفرح بقدوم حفيد، والغضب على مصير زواج يقف على حافة الهاوية. نظرتُ إلى الأوراق الرسمية التي تثبت ملكيتي للشقة، ثم إلى تقرير الحمل الصادر من الطبيب، وشعرتُ بأن الأقدار تعبث بي في دوامة لا ترحم.

كان حازم يقف في تلك الأثناء تحت نافذة غرفتي في الشارع، كعادته كل ليلة، ينتظر إشارة واحدة أو كلمة عفو، دون أن يدري بالسر الجديد الذي أحمله في بطني، ولا بالقرار المصيري والمفاجئ الذي عقدتُ العزم على تنفيذه في اللقاء الحاسم المنتظر. مرت الليلة الأخيرة من الشهر كأنها دهر كامل، وقفتُ فيها أمام مرآتي أتأمل ملامحي التي صقلتها المحنة وجعلت نظراتي أكثر نضجاً وقوة.

لم أعد تلك العروس الساذجة التي تندفع بعفوية لخدمة الجميع دون حساب للعواقب أو معرفة بقلوب البشر، بل أصبحت امرأة تعرف تماماً كيف تنتزع حقها وكيف تضع حدوداً فاصلة لا يتجرأ أحد على تجاوزها. في صباح اليوم التالي، طلبتُ من والدي أن يدعو حازم وعمه الكبير لجلسة أخيرة في بيتنا؛ جلسة إسدال الستار. حضر حازم في الموعد المحدد، وكان مظهره يروي قصة شهر من العذاب النفسي؛

فقد وزناً كبيراً، وبدا الشحوب على وجهه، لكن بريق الأمل اشتعل في عينيه فور أن رآني أدخل الصالة. تقدم خطوة نحوي ثم تراجع احتراماً لشرط أبي، وبقي واقفاً ويداه ترتجفان، منتظراً كلمة واحدة تحدد مصيره. جلستُ بجوار أبي، ووضعتُ على الطاولة أمامي ملفين: الملف الأول يحتوي على عقود ملكية الشقة الجديدة الموثقة في الشهر العقاري باسمي، والملف الثاني هو تقرير الفحص الطبي الذي يثبت حملي.

تنحنح عم حازم، الحاج عبد الرحمن، وقال بصوت خافت: “يا بنتي يا نور، حازم نفّذ كل شروطك بحذافيرها، والاعتذار رد كرامتك قدام البلد كلها، والشقة اتكتبت ليكي زي ما طلبتي، وإحنا النهاردة جايين نسمع حكمك النهائي اللي مفيش بعده مراجعة”.نظرتُ إلى حازم ملياً، ورأيتُ في عينيه دموعاً محبوسة وخوفاً حقيقياً من الفقدان. رفعتُ تقرير الطبيب وأزحتُه نحو منتصف الطاولة، وقلت بصوت هادئ ورزين اخترق صمت الغرفة: “قبل ما أقول قراري.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى